د. علي حمزة العمري
يقرأ الكثيرون فكرة العزلة على أنها انعزال عن الناس لخوف أو ترقب أو زهد أو وسوسة!
وكأن العزلة حالة تدعو إلى الاستكانة والهروب من الواقع والتخفف من المسؤولية. قد يكون بعض هذا صحيحًا لمن أراد أن تكون العزلة له ملجأ أو سجنًا، ولكن العزلة يمكن أن تكون مصنعًا للإنتاج ومعملًا للأفكار ومدرسة لتنظيم الحياة والانفتاح على المستقبل!
وطالما توفرت في حياة العزلة شروط السكون النفسي، ووسائل التحصيل المعرفي، ومولدات الإلهام، فثمة مجال للإبداع الإنساني ابتداءً، وصولًا إلى الثورة العارمة انتهاء!
فهذا (نيوتن) مدشن النظام المعرفي الثاني، يوصي أصحابه: «لا تذكروا اسمي أمام أحد، لا أريد أن اشتهر بين الناس، فتكثر معارفي»، وذلك حتى لا تُفسد عليه كثرة المعارف ذلك التجرد الذي يحصنه من تشتت الأفكار، والوصول للقوانين الكبرى في الحياة.
أما الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط) صاحب كتاب «نقد العقل الخالص» الذي يعتبره الغربيون أفضل كتاب في الفلسفة منذ عهد أفلاطون وأرسطو، فإنه وبعد أن ألَّف أكثر من عشرين كتابًا فكَّر بحذفها وإلقائها، غاب عن مجتمعه العلمي حوالي عشر سنوات، حتى أنَّبه بعض أصدقائه متسائلين عن جديده ليدركوا فيما بعد أنه كان يعاني مخاضات وإرهاصات وتأملات تسببت في صمته الطويل، وانتهت إلى لحظة ولادة كتابه حول «نقد العقل الخالص»، ولقد عاش (ديكارت) قبله هذه الحالة عندما كان يختفي كلما ذهب إلى السوق مضطرًا مرة في الأسبوع، إلى أن أصدر بعد مخاض عسير كتابه «مقال في المنهج»، والذي يراه علماء الفكر والفلسفة في الغرب أنه الكتاب الذي به تغيَّر التصور القديم للعالم، وعلى أساسه قامت العقلانية الغربية.

د عبدالحليم عبدالحميد البر
يا نفس اعذري أخاك وخذي منه ما أعطاك
قال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) - الحجرات 10-
يبين الله في هذه الآية أن المؤمنين إخوة , وأن العلاقة التي تربطهم إنما هي الأخوة في الله , ولا يصح أن تكون هذه العلاقة غير الأخوة , فلا أخوة بدون إيمان , ولا إيمان بدون أخوة , وهذه العلاقة الربانية هي هبة ومنحة إلهية يقذفها الله في قلب من أحب من عباده ولا تكون لغيرهم ,
فقد تري قوما مجتمعين لم يكن لأحدهم بالآخر سابق معرفة ولا قديم صلة , وما ربطتهم وشيجة من صهر أو عمومة , وما دفعهم إلي بعض غاية أو منفعة , وتري بأحدهم من الشوق إلي أخيه , والحب له , والسرور بمقدمه ما تعجب له , وتتساءل : أني هذا ؟ وما الذي جمعهم علي غير أرحام , وعن غير تعارف سابق ؟
ولا تجد إجابة كافية شافية إلا أنها الأخوة الإسلامية المرتبطة بعقيدة الإسلام , التي جعلتهم يحنون إلي بعض , ويتصلون ببعض , ويعد كل منهم أخاه جزءا من نفسه  , وشقيقا لروحه , يؤثره علي نفسه , ويفديه بروحه وعياله وماله , ينادي أحدهم أخاه قائلا :
أخي
دقات قلبك نبض قلبي                        وخطاك خطوي نحو دربي
الله آخــــي بيننـــــــا                          بعقيدة ربطــــت وحــــــب
فرباطنا رباط الإلــه                          فمن يفك رباط ربــــــــي  ؟

د. خاطر الشافعي
تَمُر السنون، ويبقى ذاك الطفل يُغازِل مني وِجدانًا لا حدَّ له، وترتمي كل الحروف في حِضْن براءته، تبحثُ عن ذاك الصدر الفائق الحنان، تستعطِف اللحظة الثائرة كما النفس، تُحاكي أجمل سِنِي العمر؛ إذ كانت ساحة الأفكار الخضراء تتراقص طربًا لصوت الأم، فمُذ كنتُ طفلاً - وما زال طفلي يسكُنني - ومهدُ مشاعري تثري قريحة وِجداني، وكأنَّ الطفل - داخلي - يُناشدني العودة لحِجر الأم!
يا ألله!
ما أروعَ طفولةً مُلتصِقة بجدار الأم!!!
كم كان - وما زال - دفء الأنفاس يَغمُرني، ولِمَ لا وصدر أمي يَلفُّني بأوراق الورد وتيجان الفل؟! ولِمَ لا وعيونها تراني أميرَ الفتيان وشهد الزمان؟! ولِمَ لا وأنا أستقي منها شهيق الحلم؟!
واليوم كبِر الطفل داخلي، ورأيتُ طفلي يلهو بعيدان الفل، يتوضأ من رحيق الحُلم، يرتمي في صدري، وأُدرِكُ أنَّني أشتاقُ لنفس الحِضن، حيث تَقرّ العين ويُحتَضن الحُلم بين أروع شاطئين، عيون الأم!!

د.مجدى الهلالى 
هذه رسالة أتوجه بها إلى نفسي وإلى إخواني المسلمين..
وسبب كتابتها أنني وجدت من نفسي أحوالًا مقلقة، فتارة أجدها فرحة متلهفة للقيام بأعمال بعينها، وتارة أجدها زاهدة في أعمال أخرى قد تكون أنفع لها مما تتلهف عليه، فاحترت في أمرها، وهرعت إلى القرآن أبحث فيه عن حل لهذه المشكلة، فوجدته – كعادته – لا يترك مشكلة تربوية إلا ويحسن تشخيصها، ويصف الدواء الناجح لها..
.. وجدت القرآن يقرر ويكرر بأن المستفيد الأول من قيامي بأداء عمل (ما) هو (أنا) وليس غيري، كما أن الخاسر الأكبر من عدم قيامي به هو (أنا) كذلك..
ذكَّرني القرآن بأن الله سبحانه وتعالى غنيٌ عني وعن كل عباداتي وأعمالي الصالحة، وأنه – جل شأنه – لا تنفعه طاعتي ولا تضره معصيتي..
ومما أثار انتباهي حقيقة عظيمة يقررها القرآن في عدة مواضع وهي أنه ليس بين الله – عز وجل – وبين أحد من عباده نسب إلا بطاعته وتقواه، فأولياؤه هم المتقون، ومِن ثَمَّ فالكرامة على قدر الاستقامة، واستمرار الكرامة باستمرار الاستقامة..
وواصلت قراءتي للقرآن فازداد – بفضل الله – انتباهي للآيات التي تؤكد على هذه الحقائق مما ألهب مشاعري واستثار خواطري ، فعزمت – بعون الله – على صياغة تلك الخواطر على هيئة رسالة أخاطب بها نفسي، وجعلتها بعنوان: " صلاحك لمصلحتك"

مبارك عامر بقنه
المعركة عندما تَطول مع أهل الباطلِ، فإن الغَلَبة والنُّصرة تكون لأصحاب العقيدة الصحيحة، إذا تحلَّوا بالصبر والثبات على المبدأ، فالعاقبة تكون لأهل الحق؛ كما قال الله تعالى: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]، وكما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]، فتأمَّل كم مكَث فرعون يقتل في بني إسرائيل قبل مجيء موسى - عليه السلام - ثم كانت العاقبة للمستضعفين بعد صراع طويل ومرير مع أهل الباطل! وتأمَّل كم عانى يوسف - عليه السلام - في حياته ثم كانت العاقبة له، وعلَّل يوسف - عليه السلام - نصره بشرطين، ذَكَرهما الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90]، فهذان الشرطان هما مُرتكز أسلحة المؤمنين: الصبر والتقوى، كما قرَّر البارئ - سبحانه - في التغلب على كيد الأعداء أيضًا بهذين الشرطين: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120]، يقول سيد قطب - رحمه الله - حول هذه الآية الكريمة: "فهو الصبر والعزم والصمود أمام قوتهم إن كانوا أقوياء، وأمام مكْرهم وكيدهم إن سلكوا طريق الوقيعة والخِداع، الصبر والتماسك لا الانهيار والتخاذل، ولا التنازل عن العقيدة كلها أو بعضها؛ اتقاء لشرهم المتوقَّع، أو كسبًا لودهم المدخول، ثم هو التقوى: الخوف من الله وحده، ومراقبته وحده، هو تقوى الله التي تربِط القلوب بالله، فلا تلتقي مع أحد إلا في منهجه، ولا تَعتصِم بحبل إلا حبله، وحين يتَّصِل القلب بالله فإنه سيَحقِر كلَّ قوة غير قوَّته، وستَشد هذه الرابطة من عزيمته، فلا يستسلم من قريب، ولا يوادّ مَن حاد الله ورسوله؛ طلبًا للنجاة أو كسبًا للعزة!"[1].

JoomShaper