كيف يطمئن القلب؟
- التفاصيل
وأعرض هنا جوابين:
الجواب الأوّل: جواب الفطرة
لقد أجاب البعض بجواب ينطلق من أمر داخلي غرسه الله تعالى في كلّ إنسان وفطره عليه، ألا وهو حبُّه للكمال الذي ينتج منه سعيٌ دائم باتجاهه، ويرى هذا البعض أنّ الوصول إلى الكمال المنشود هو الذي يؤدي إلى السعادة الحقيقية.
وحبُّه للكمال هذا يظهر على الإنسان منذ نعومة أظفاره حيث نجده في تلك المرحلة الطفولية يسعى نحو هدف يعتقده كماله. ففي ذلك العمر، وحينما يكون الطفل لا يقدر على الحركة مستقلاً فيعتقد أنّ كماله يتحقّق حينما يحبو. لكنه حينما يحبو يعرف أنّ الحبو لا يحقق كماله، فيسعى نحو المشي، فيمشي على قدمين بعد أن كان يتحرك على أربع. لكنه يدرك حينها أنّه لم يصل إلى كماله وسعادته المنشودين، لذا ينشد أمراً آخر قد يظنه النطق والتكلم، فيسعى جاهداً لينطق، فينطق ويتكلّم وقد يصبح فصيحاً بليغاً. لكنه يشعر أنّ نار عشق الكمال والسعادة ما زالت تلتهب في داخله قد يظن بعد تلك المرحلة أن كماله يتحقق من خلال الوصول إلى منزلة ومكانة من يعتقده قدوة في حياته، فيصل، بل قد يعلو على تلك المنزلة. لكنه يشعر ببقاء ذلك الظمأ في داخله، ولا يجد الاطمئنان الذي هو علامة للسعادة في قلبه.
فيستمر ساعياً نحو الكمال. وقد يتوجه نحو الأسباب التي مرَّت من مال وجاه وشهرة وسلطة بدون أن يجد ريَّ الطمأنينة في قلبه، وشبع الكمال في نفسه.
وليمة الزواج حين تزدان بقرار شاب شجاع
- التفاصيل
الوليمة هي الطعام الذي يصنع لمناسبة الزواج، واشتقاقُها من الوَلْم وهو الجَمْع، والعرب تقول: أولَم الرجل، إذا اجتمع فيه كمالُ الخَلْق والعَقْل، فسمِّيَتْ وليمة لاجتماع الزوجين، ثم جرى إطلاقها لاجتماع الناس لشهود الرابطة الزوجيَّة، وقد جعل الشَّرعُ الوليمةَ من آكِد السَّنن، فلم يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن حبيب الأندلسي: «وكان النبيُّ عليه السلام يستحبُّ الإطعام على النكاح عند عقده، وعند البناء». والبناءُ كناية عن الدخول، وقد ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إجابة دعوة الزواج، لأنَّه ميثاقٌ غليظٌ، فَلِعظيم شأن هذه الرابطة، لَم يَدَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الوليمةَ على أحدٍ من نسائه، لا في حضرٍ ولا في سفرٍ، ثم إنَّ مقصود الوليمة الإعلان، بأنْ يجتمع خلْقٌ يشهدون هذا العرس، ليُعرف أنَّ فلانةً زوجةٌ لفلان، وأنَّ ما بينهما نكاحٌ وليس سفاحًا، فناسب أن يُرفع الصوت وأن يُضرب بالدفِّ، وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، أمَا يكون معكم لَهْوٌ؟ فإنَّ الأنصار يعجبهم اللهو».
أمَّا نوعُ الطعام الذي يُقدَّم، فيكفي أن يُقدَّم اليسير من تمر أو غيره من أنواع الحلوى، ولا بأس لو قُدِّم شيء من اللحم والأُرز؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أوْلِمْ ولو بشاة». فأقلُّ الطعام للمستطيع شاةٌ، وقال سيدنا أنس رضي الله عنه حين ذكَر زواج زينب بنت جحش رضي الله عنها: ما رأيت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أولَمَ على أحدٍ من نسائه ما أولَم عليها.
سبك الأخبار لتشويه صورة الأخيار
- التفاصيل
تستطيع تشويه سمعة الآخرين بسرد حقائق ووقائع عنهم مع إخفاء عنصر صغير مهم، فهذا وحده كفيل بتغيير الصورة الناصعة وتشويهها. وكل محاولات تشويه صور الأخيار تنطلق من ذكر أخبارهم الصحيحة لكن مع إخفاء معلومة مهمة تؤدي إلى قلب الحقائق رأساً على عقب.
وفي تاريخنا الإسلامي، تم تشويه صور أخيار كثيرين، ولعل من أفظع ما قام به المرجفون في الأقطار البعيدة عن مركز الخلافة هو تشويه صورة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه. فالذين ألّبوا الناس عليه في الأمصار استخدموا الأخبار الحقيقية عنه لتأجيج العواطف ضده دون أن يأتوا على ذكر الأسباب الخفية للأحداث. وقد روى البخاري رحمه الله القصة التالية عما حدث:
(جاء رجلٌ من أهلِ مصرَ حجَّ البيتَ، فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاءِ القومُ؟ فقالوا: هؤلاءِ قريشٌ، قال: فمنِ الشيخُ فيهم؟ قالوا: عبدُ اللهِ بنُ عمرَ. قال: يا ابنَ عمرَ، إني سائلكَ عن شيءٍ فحدِّثني. هل تعلمُ أنَّ عثمانَ فرَّ يومَ أُحُدٍ؟ قال: نعم. فقال: تعلمُ أنه تغيَّب عن بدر ولم يشهدْ؟ قال: نعمْ. قال: تعلمُ أنه تغيَّب عن بيعةِ الرِّضوانِ فلم يشهدْها؟ قال: نعمْ. قال: اللهُ أكبرُ. قال ابنُ عمرَ: تعالَ أبيِّنْ لك! أما فرارُه يومَ أُحُدٍ، فأشهدُ أنَّ اللهَ عفا عنهُ وغفر له، وأما تغيُّبه عن بدرٍ فإنه كانتْ تحتَهُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وكانت مريضةً، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (إنَّ لك أجرَ رجلٍ ممن شهد بدرًا وسهمَه). وأما تغيُّبه عن بيعةِ الرِّضوانِ، فلو كان أحدٌ أعزَّ ببطنِ مكةَ من عثمانَ لبعثَه مكانَه، فبعث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عثمانَ، وكانت بيعةُ الرِّضوانِ بعد ما ذهب عثمانُ إلى مكةَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيدهِ اليُمنى: (هذه يدُ عثمانَ). فضرب بها على يدهِ، فقال: (هذهِ لعثمانَ). فقال لهُ ابنُ عمرَ: اذهب بها الآنَ معكَ).
يباهي الله بهم ملائكته
- التفاصيل
بقلم أمينة أحمد زاده
فلك الحمد يا ألله على نِعَمك التي لا تُعدّ ولا تُحصى، ولك الحمد والثناء على أن تفضّلت علينا وأنعمت بأجلّ نعمة وهي نعمة الإسلام. فكيف لا يكتوي القلب بحب من يَجزي بالحسنات، ويجيب الدعوات، ويقيل العثرات، ويغفر السيئات، ويكشف الكُرُبات، ويستر العورات! فهو أجلّ مَن ذُكِر، وأَوْلى من شُكِر، وأحقّ من عُبِد، وأجدَرُ من حُمِد. فلنفتش عن قلوبنا في مجالس العلم والإيمان، في المجالس التي جعلها الله رياضاً من رياض الجنّة؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا»، قال: وما رياض الجنة؟ قال: «حِلَقُ الذِكر». أجل إنّ ذِكْر الله تعالى مع الصحبة الصالحة قُوت القلوب وروحها، يجلو صدأها ويحط خطاياها، ذلك أنّ في القلوب شعثاً لا يلمّه إلا الإقبال على الله، وفيها وَحشة لا يزيلها إلا الأُنس بالله والفرار إلى الله، وأكرم الخلق إليه مَن لا يزال لسانه رطباً من ذكر الله. ورضي الله عن عبد الله بن رواحة، كان إذا رأى واحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هرع إليه قائلاً: «تعالَ نُؤمنْ بربنا ساعة». ويَبْلُغُ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول: «يرحم الله ابن رواحة؛ إنّه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة».
من مقامات الربانيّين
- التفاصيل
المسلم إنسان من الناس وبشر من البشر، لا يُطلَب منه أن يخرق العادات ولا أن يكون بطلاً أسطوريًّا، ولكنّه حين يلتزم بدينه ويفقه عن ربّه يُصبح خلقًا آخر في تعامله مع الله ومع الناس، إنه يغدو ربانيًّا كما أمر الله تعالى: " ولكن كونوا ربانيّين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون " – سورة الأعراف، والرباني هو المتلبّس بجميع صفات العبودية لله، إيمانًا وإسلامًا للوجه وتوكّلا على الله ومراقبةً له في الخلوات والجلوات، هو مع الناس بحواسّه ومع ربه بوجدانه، يعيش في الدنيا ويعمُرُها ولا يعيش لها، لأنه من أبناء الآخرة، لا ترنو نفسه ولا يشرئبّ عنقه إلا إلى جنّة الفردوس.
ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله للإنسان الرباني – وسمّاه صاحب التجريد – خمس خلال كريمة تصبّ كلّها في خانة حسن التعامل مع الله تعالى بامتلاء القلب بوعده ووعيده واستقامة السلوك استقامة تتصاغر دونها رغبات البشر في السؤدد ورفعة المكانة، يقول رحمه الله:" صاحب التجريد لا يستغني إلا بالله ، ولا يفتقر إلا إلى الله ، ولا يفرح إلا بمرضاة الله، ولا يحزن إلا على ما فاته من الله ، ولا يخاف إلا من سقوطه من عين الله. "
هذه الصفات كلّها من أعمال القلوب، والقلب هو محلّ نظر الله، ترتبط استقامة السلوك باستقامته على طريق السلامة والطهر والوَجل والإخبات، فالصلاح صلاح القلب والفساد فساده، وكلّما كان ارتباطه بخالقه أوثق حظي بالمدد الرباني وتدرّج في مدارج الرقيّ الروحي والكمال الإنساني، ولا يحصل ذلك إلا بأنواع من المجاهدة تقمع نزوات النفس وتكابد الطاعات والقُرُبات.