لصوص الحياة
- التفاصيل
تنقضي الايام الفاضلات , وأمثالها تنقضي , وتمر الساعات , تمتلىء صراعا وعراكا عبر دوامة الحياة , نملؤها غفلة وتقصيرا في حق الله , ونبني لأنفسنا قصورا من رمال واهمين في بقاء الدنيا وزخرفها ومتاعها , المجتهد منا من يحرص أن يسير في دورة المباح يحرص ألا يقع في الحرمات , وهو لاشك مصيب إن استطاع أن يحتفظ بذلك النهج , لكن الغفلة تسقطنا , وثقلة الأرض تثقلنا , فتجرنا إلى مالايحمد عقباه .. ثم فناجأ أن حقائب الترحال قد أعدت لنا , لكنها فارغة من أي زاد !!
إن الحرص على اللحظات ألا تمر بغير عمل صالح لهو حرص على ألا تفاجئنا لحظات الموت ونحن خاليي الوفاض , لهو حرص على ألا نلقى الله غدا بحسرة على ما ضيعنا , تفجؤنا المواقف , وساعتها لا فرار ولا عودة ولا هروب ولا مناص ..قال سبحانه " حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت " , إنها الأزمة التي يقع فيها الناس , يغرهم الوقت , ويأكلهم التسويف , ويسرقهم التأجيل , حتى يفجؤهم المرض والموت .
الصالحون قوم انتبهوا من غفلتهم قبل الانتباه إلى فجعتهم , وراقبوا لحظاتهم بينما هي تمر من بين ثنايا عقارب الساعة أمامهم , فاستفادوا من كل لحظة وغنموا من كل نهار .
قال الحسن البصري رحمه الله قال: "أدركت أقوامًا كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه" ,وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما" , وقال الحسن البصري رحمه الله: "يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم، ذهب بعضك" , وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي".
وقد نبهنا لمعنى الخسارة في الزمن والأوقات النبي صلى الله عليه وسلم , فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) البخاري
ومغبون فيهما كثير من الناس: أي: ذو خسران فيهما كثير من الناس، والغبن أن يشتري بأضعاف الثمن أو يبيع بأقل من ثمن مثله.
روضة الست من شوال
- التفاصيل
عن أبي أيوب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن صام رمضان، ثم أتْبَعه ستًّا من شوال، كان كصيام الدهر))؛ رواه مسلم[1].
تجديد عهْد، وإثبات ثبات، وتأكيد صِدق، وتصديق قول، ومواصلة سير، وبحث عن الكمال، وسعي في المنال، ومسارعة إلى الرِّضوان، ومسابقة إلى مغفرة، وحرص على دوام الاتصال وبلوغ أعلى المراتب.
ستٌّ في العدِّ لكنها كمال الدهر، ليكون العمر كله في قاموس الصيام، ويَصدق صوم الدهر على وصْف العبد الحريص على صوم الست من شوال بعد صوم الشهر.
صوم الست من شوال إتباع الطاعة بأختها، وإلحاقها بأصلها، وتعزيزها بمِثلها، لتستمر زيادة إيمان صاحبها وترتفع درجتُه وتقترِب منزلتُه من الكمال.
ستٌّ من شوال بعد شهر كله طاعات وصلوات وتِلاوات تأتي ليواصل الأقوياء تفوُّقهم على أنفسهم، ويقهروا أهواءهم من جديد، ويتغلَّبوا على عدوهم، فيزدادوا نورًا إلى نورهم.
ست من شوال يعيش المؤمن فيها ذِكرى تلك اللحظات الرائعة القريبة التي كانت في رمضان ويستعيد حلاوتَها وجمالها، ويعلم أنه لا بد من مواصلة خط الاستقامة والسير على نفس الطريق وإن لم يكن بنفس القوة والزاد، إلا أنه لا تَوقُّف ولا تراجُع، وليبقَ المؤمن على صِلة دائمة بربه حتى يأتيه منه اليقين، وينتهي به الأمر في جنات النعيم.
فرحة تمسح الهموم
- التفاصيل
تدور الأيام وتمضى الليالي متلاحقة، وتسرع الليالي العشر التي يحاول المسلم أن يجمع فيها شتات قلبه، وأن يحياها بكل جوارحه، مغتنمًا لموسم الطاعات التي قال عنها المولى عز وجل: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}. البقرة- 184.
وحين فرغنا من صلاة التراويح أخذت أراجع نفسي.. كيف مرت الأيام بتلك السرعة وكأننا بالأمس ننتظر هلال شهر رمضان طال الاشتياق إليه؟..
وكيف مرت الشهور وانقضى العام وامتلأنا حبًا لله أن بلغنّا هذا الشهر العظيم، فإذا به على وشك الرحيل، وإذا بنا نطمع أن نكون قد وفقنا للقبول، ونلح في الدعاء لله العفو الكريم أن نكون من الفائزين الذين تُقبلت أعمالهم وصيامهم وقيامهم وغفر لهم.
وها نحن على وشك استقبال هلال شهر جديد، هلال شهر شوال الذي برؤيته تنتهي فريضة الصيام، ويبدأ به حلول عيد الفطر سائلين الله أن يكون قد قضى لنا بفضله وقدرته فى ليلة القدر المباركة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم أن يعيده على الأمة الإسلامية جميعها بنصر قريب وعزة ورفعة فى ظل شريعتنا التي ارتضاها لنا آمنين مطمئنين.
ودائما ما يضع المسلم حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه". متفق عليه
وإذا كانت الفرحة يشعر بها كل صائم عند إفطاره في ختام كل يوم من أيام رمضان، إلا أنها تشمل فرحة الفطر يوم العيد أيضًا، فسبحان من أنعم علينا بتلك الفرحة التي تنفذ إلى القلوب مهما كانت الغيوم، ونسأله ألا يحرمنا الفرحة الكبرى يوم لقائه.
وماذا بعد رمضان؟
- التفاصيل
فخلال رمضان: كان المسلم يعيش بين صيام، وقيام، وتلاوة قرآن.. وربما إعتكاف، وخلوة، واعتمار لله تعالى.. فالنهار في الصيام.. والليل في القيام.. والنهار والليل معاً في الذكر والدعاء والعبادة، ودرجات ترتقي بالمرء لأعلى ذرا الإيمان.. جهاداً للنفس، ولجماً لها عن الوقوع في المنكر، ودفعاً لها إلى الإستمساك بالطاعة، والثبات على الهداية، والمسارعة إلى الخير.
فإذا انتهى رمضان، بحكم أن لكل شيء في هذه الدنيا نهاية، كان المسلم أحد ثلاثة أقسام:
فهو إما أن يعود إلى سابق عهده – قبل رمضان – من الغفوة، والغفلة عن ذكر الله، والنوم عن الصلوات المكتوبات.. وعدم الصوم إلا ست شوال على مشقة.. مع الحرص بالكاد على إدراك بعض – وليس كل – الصلوات في جماعة.. وهذا حال الكثيرين.. وهؤلاء في شقاء لأنهم إن لم يتغيّروا برمضان، فلن يتغيّروا بغيره من وسائل الطاعة إلا أن يشاء الله.
وهناك قسم ثانِ من الناس تعامل مع رمضان على أنّه غاية وليس وسيلة للتقوى والعبادة.. فإذا انتهى توقف جهاده مع نفسه، وتصوّر أنّه صار حلالاً له كل معصية إلى رمضان من العام المقبل! فعاد إلى سوء خلقه، وفاسد عمله.. وتعامل مع إخوانه من المسلمين تعامل اللئيم.. لا تعامل الطيب الكريم.. فهذا أشد شقاء من سابقه، ويكاد لا يتقبل الله عمله.. كيف لا وهو تعالى يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة/ 27)؟!.
أما القسم الثالث من الناس فهو الذي عقد النية على الانتفاع بفوائد رمضان، واستمرار الاكتساء بحلته النورانية الجميلة.. فاستمر على حاله من تقوى الله ومخافته، واستعان بوسائل ذلك من صلاة وصيام، وقراءة قرآن ودعاء وقيام... إلخ، فانصلح حاله، وبورك في حياته.. واستضاء كل من حوله بنوره.. وهذا الصنف من الناس نرجو الله أن يكون من المقبولين ومن الفائزين بعطايا الله في رمضان، وفي غيره من سائر شهور العام.
فماذا عليك – أخي الكريم – لو صارت حياتك كلها رمضان، وكنت من الصنف الثالث... ولم تكن من الصنفين الأولين، وما عداهما من الأصناف المقبوحة والمرذولة؟!.
نماذج من محبة الصحابة للنبي
- التفاصيل
- سُئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وأبنائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ» (روضة المحبين ونزهة المشتاقين ج1/ 418). وصدق والله رضي الله عنه وأبر، فقد ترجم ذلك عملياً حينما نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة مع علمه بأن فتية قريش الذين قدموا لقتل النبي صلى الله عليه وسلم ربما يصلوا إليه في أي لحظة، ومع ذلك فإنه قدم نفسه فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستأذن أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فقال له: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً). فلما أذن الله عز وجل لنبيه بالهجرة قدم على أبي بكر يخبره بالأمر فقال له أبو بكر: «الصحبة يا رسول الله». فقال له: (الصحبة). تقول السيدة عائشة: «فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ» (السيرة النبوية، ابن هشام ج1/ 245).
وفي الطريق كان الصديق رضي الله عنه يسير أمام النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم من خلفه، ثم عن يمينه، ثم عن شماله، فيسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب ذلك، فيقول: «يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك، وأذكر الرصد فأمشي أمامك». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان شيء أأحببت أن تقتل دوني)؟ فقال: «إي والذي بعثك بالحق».