أحمد أبو رتيمة /خاص ينابيع تربوية
لعل أكبر تحد يواجه الإنسان حين يكتب سيرته الذاتية أو يتحدث عن نفسه عموماً هو مدى قدرته على المحافظة على حالة موضوعية فيعبر عن كل خلجات نفسه وخواطرها ويبرز نقاط ضعفها دون تجميل وتزويق كاذب..
مهما بلغت صراحة الإنسان وصدقه مع نفسه فلا بد أن يضعف في مرحلة من المراحل فيخفي موقفاً أو خاطرةً يتجسد فيها ضعفه البشري..
في حياة كل واحد منا جانب يخفيه عن كل الناس فلا يعلمه أحد سوى الله عز وجل ومهما امتلك إنسان من الشجاعة وكسر الحواجز واقتحم العقبات فلا بد أن يصطدم بعقبة كأداء يضعف عن تجاوزها..
هل يمكن أن يصل أحد من البشر إلى حالة من الشفافية الكاملة والصدق الكامل فيتحدث عن كل خواطره وذكرياته كما لو أنه يصف ظاهرةً طبيعيةً لا يجد في صدره حرجاً ولا يكتم شيئاً؟؟..

أ.د/ عبد الرحمن البر /خاص ينابيع تربوية
روى الثعالبي في (الشكوى والعتاب) والزمخشري في (ربيع الأبرار) وغيرهم عن عبد الله بن طاهر أحد قواد الدولة في عهد الخليفة العباسي المأمون، قال: كنت عند المأمون ثاني اثنين، فنادى: يا غلامُ يا غلام، بأعلى صوته، فلم يجبه الغلام، ثم نادى ثانيا، فدخل غلامٌ تركيٌّ فقال: أيُمْنَع الغلامُ أن يأكلَ ويشربَ أو يتوضأَ ويصلي؟ كلما خرجنا من عندك تصيحُ يا غلام يا غلام! إلى كَمْ يا غلام يا غلام؟! فنكَّس المأمونُ رأسَه طويلاً، فما شككتُ أنه يأمر بضرب عنقه، فقال: "يا عبد الله، إن الرجلَ إذا حسُنَتْ أخلاقُه ساءتْ أخلاقُ خَدَمه، وإذا ساءت أخلاقُه حسُنت أخلاق خدمه، فلا نستطيع أن نسيءَ أخلاقَنا لتَحْسُنَ أخلاقُ خَدَمِنا".

د. سلمان بن فهد العودة
الأرض، الشمس، الهواء، الجدران، الناس، الذكريات، الأحلام..كلها تنتمي إلى هذا المكان.
صبي درج هنا لا يعرف جغرافيات أخرى وتهجَّى أولى حروف لثغته الأولى على هذه الأرض وتعرَّف على الحياة والدنيا والدين بواسطة جيرانه ومساكنيه.
صدحت حنجرته الطريَّة بنشيد وطني كان يظنه يعبر عنه
واحتفل مثل لِدَاته بما كان يسميه (اليوم الوطني)
في المتوسطة كان يسمع الهمس: (أجنبي)، ويتلفَّت يبحث عن المقصود فلا يرى إلا ظله!
أبوه (حسن) يغادر المكان بعد أربعين عاماً ليعود إلى (تشاد).
الترحيل كان في انتظاره بسبب مشاجرة عابرة مع (مواطن) دون حكم أو قضاء..
{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} (9) سورة الرحمن

د. محمود نديم نحاس
لئن قال الشاعر في القرن الرابع الهجري :
وهم نقلوا عنّي الذي لم أَفُه به * وما آفَةُ الأَخبار إلا رُواتُها
فالواجب أن يُقال اليوم أن آفتها هم رواتها ومحللوها.
لا يشك أحد في أن الوصول إلى أي معلومة أصبح في متناول اليد منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. فقد انتشرت القنوات الفضائية التي تبث الخبر فور وقوعه، وانتشر استخدام الشبكة العنكبوتية بحيث صار الخبر الذي يُكتب عبر تويتر أو الفيسبوك يبلغ الآفاق خلال لحظات.
لكن لابد من وقفة مهمة هنا. فالقنوات الفضائية التي تتوالد يومياً، والتي تبث بلا توقف على مدار الساعة، صارت بحاجة إلى ملء هذه الساعات بأخبار وبرامج من كل حدب وصوب. وصار يظهر على شاشاتها مَن يتكلم فيما يعرف وفيما لا يعرف، وبعضهم يسوق لك أخباراً ما سمعها إلا هو، ويدّعي بأنها من قنوات اتصاله الخاصة، ويبني عليها تحليلات، ما أنزل الله بها من سلطان.

لها أون لاين
يبدو أنّ الفتن يرقق بعضها بعضاً، وكذا المصائب والنكبات والآلام، فلا يعود لها أثر في تحريك المشاعر واستثارة العواطف، فنغدو سلبيين لا قدرة لنا على تغيير الواقع، فضلاً عن صياغة المستقبل. تطالعنا أحداث سوريا معلنة مقتل أكثر من 100 مسلم يومياً، ما بين طفل وشيخ ورجل وامرأة، وتحدثنا الأنباء عن طفلة تبحث عن الدفء في برد قارص، فيكون ردّ أمها: يا ابنتي كل شيء حولنا مبتل، الغطاء والكساء والفراش،فآنى لنا الدفء!. وحدثنا كذلك عن أسر وعوائل أُبيدت بالكامل تحت القصف، ومساجد تُقصف وعن صور مفزعة من التنكيل والتعذيب والمعاناة. ولا عجب في أن يمعن الغرب في التحليل والتهديد ودراسة الأوضاع وحساب الأرباح والخسائر، ولا غرابة أيضاً في أن تتلهى معظم القيادات العربية في الشجب، وصياغة البيانات، وتشكيل اللجان وعقد المؤتمرات، فذلك فن أتقنوه.

JoomShaper