نفحاتٌ إلهية وأشواقٌ روحية
- التفاصيل
يعتقد البعض خطأً أن اتساع الزمن هو الفرصة التي تتاح لنا من أجل القيام بالعديد من الواجبات, وكلما امتدّ الزمان اتساعا كلما كان النهوض بالأعمال أكثر وفرة وأشدّ فاعلية, وكأنّ الزمن هو الوعاء الحقيقي للعمل: كمًّا وكيفا, زيادة ونقصا.. إلا أن هذا الكلام خاطئٌ من الناحية العلمية وبالتالي فهو لا يستقيم من الناحية الشرعية, فالحقيقة العلمية تقول: أن الحركة والعمل هي التي تنشئ امتداد الزمن وظهوره, إذ هو البعد الرابع بعد الطول والعرض والإرتفاع, ولكن فقط: عندما يتحرّك الجسم, فإن كان ثابتا لم يكن لامتداد الزمن اعتبارٌ ولا لوجوده أثر..
ووفق التصوّر الإسلامي: فإن الدعامة الحقيقية للقيام بالإنتاج وتحقيق الإنجاز ليس هو طول الزمن (العمر), وإنما هو التوفيق والعناية الربانية التي ترافق العبد فتحلُّ البركة الإلهية فيه, فهي تحلّ في الإنسان: مثل قوله تعالى: " وجعلني مباركا..", وفي المكان مثل قوله: " ونجّيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين..", وفي الزمان مثل قوله: " إنا أنزلناه في ليلة مباركة.", فيحقّق الله بها للعبد: الإنجازاتِ الكبيرة في الأوقات القصيرة, وهي من أسرار الله تعالى يودعها فيمن يشاء من عباده.. روى الإمام مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغه غيرهم, فأعطاه الله تعالى ليلة القدر: خيرٌ من ألف شهر..
ثنتان موجبتان
- التفاصيل
ثنتان موجبتان
عن جابر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثنتان موجبتان " قال رجل : يا رسول الله ، ما الموجبتان ؟ قال : " من مات يشرك بالله شيئا دخل النار ، ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " رواه مسلم .
" ثنتان" صفة لمبتدا محذوف , اي صفتان أو فعلتان أو خلتان , و" موجبتان " هي الخبر , أي كل واحدة منهما سبب في وجوب شىء على صاحبها , إما الجنة وإما النار .
فالجزاء من جنس العمل , واليوم الآخر ينتظر الناس جميعا لتحقيق هذا الجزاء , والله وحده سبحانه بيده الخلق والأمر سبحانه وتعالى عما يشركون
قال رجل :" يارسول الله ما الموجبتان ؟" والألف وللام هنا للعهد , يعني : ماهاتان الخصلتان الموجبتان التي تتحدث عنهما يارسول الله , قال النبي صلى الله عليه وسلم :" " من مات يشرك بالله شيئا دخل النار ، ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة "
فحال المرء إما مؤمن بالله سبحانه أو مشرك به , والمراد بالشرك هنا معناه الأعم الذي يتحقق في انواع الكفر , والإيمان هنا بمعناه الأخص الذي يتحقق بالإيمان بجميع أنواع الإيمان الواجبة – اركانه الستة - , فكانت الموجبة الأولى هي الموت على الشرك , وموجبها النار , والموجبة الثانية هي الموت على التوحيد والإيمان وموجبها الجنة .
هذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم في باب " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة "
الفاعلية والصعود الحضاري للأمة
- التفاصيل
إن صعود وهبوط أي مجتمع مرهون بشكل مباشر بمدى فاعلية الفرد داخل المجتمع، فإذا كان سلوك الفرد يتسم بالفاعلية، كان النهوض الحضاري لهذا المجتمع، أما إذا انعدمت فاعلية الفرد، وتواري جهده، فإن مستقبل هذا المجتمع لا يحمل إلا التخلف والانحطاط الحضاري. مهما كان هذا المجتمع يحوي ثروات وإمكانات مادية وموارد طبيعة كبيرة دون نهوض حقيقي بالإنسان، فسيظل ملازما لحالة التخلف وستبدد هذه الثروات، بينما المجتمعات فقيرة الموارد التي تهتم بالإنسان وتغرس مفهوم الفاعلية في سلوك أفراده، فإنه يمكنها بناء نهضة حقيقة وأكبر نموذج لهذه الحالة هي (اليابان).
لذلك فإن مالك بن نبي يرى أن أزمة المجتمع المسلم هي أزمة منهجية عملية في الأساس، وصاغ نظريته في التغيير الاجتماعي على أساس مبدأ الفاعلية، وقد عبر بن نبي عن ذلك عن ذلك بأسلوبه الخاص، موردا كلمة الأديب الفرنسي "بلزاك": "أو ليس عجابا أن أتجه إلى إصلاح الوطن، بينما قد عجزت عن إصلاح فرد في هذا الوطن؟... إن الفكرة الإسلامية لا تحتاج أن نبرهن على صدقها نظريا، وإنما من خلال صياغة الحياة بها كما فعل السلف وإظهار فاعليتها في الواقع.
وعلماء الإسلام على مدار التاريخ جسدوا المعنى الحقيقي للفاعلية داخل المجتمع، فابن تيمية لم يكن "عالما" كسائر الشيوخ، لا متصوفا كالغزالي، ولكن كان مجاهدا، يهدف إلى التجديد الروحي والاجتماعي في العالم الإسلامي. والذي يدرس سيرة الرجل ويطلع على دوره الجوهري في صد هجمات الصليبيين والتتار، ووقوفه في وجه حكام الجور وعلماء السوء، وتحمله أذية الطرفين، يدرك أنه كان رجل عمل لا جدل.
عشر ذي الحجة.. والتزود بالطاعات
- التفاصيل
يحتاج الإنسان كل فترة من الزمن إلى من يوقظ همته، ويجدد عزمته، فإن النفس البشرية تتسم بالغفلة وسرعة الفتور والملل؛ لذلك فمن رحمة الله بعباده أن جعل لهم أياما خلال العام ضاعف فيها ثواب الأعمال، وجعلها فرصة لغسل القلوب من أدران الذنوب, وتطهير النفوس من الآثام. وتأتي أيام عشر ذي الحجة بفضلها وخيرها لتنادي على العباد، تشحذ هممهم وتستثير عزائمهم؛ ليجددوا العهد، وينفضوا غبار المعاصي عنهم، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ما من أيام العمل الصالح فيهن خير من هذه العشر", ويقول صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر, فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير و التحميد" رواه أحمد وصحّح إسناده الشيخ شاكر.
عشر ذي الحجة هي الأحب إلى الله زمانا؛ لأن بها خير يوم طلعت عليه الشمس "يوم عرفة"، والأحب إلى الله مكانا لأن فيها يفد المسلمون من شتى بقاع الأرض إلى بيته الحرام لأداء مناسك الحج، قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ في الفتح : "والذي يظهَر أنّ السببَ في امتياز عشر ذي الحجة بهذه الامتيازاتِ لِمَكان اجتماع أمّهات العبادة فيها، وهي الصّلاة والصّيام والصّدقة والحجّ وغيرها، ولا يتأتّى ذلك في غيرها".
العشر الأوائل من ذي الحجة موسم جديد للطاعة ومنحة لمغفرة الذنوب
- التفاصيل
يمن الله تعالى علينا بموسم عظيم جديد؛ للتنافس في الطاعات والتسابق إلى الخيرات، ويمنحنا فرصة جديدة لمغفرة الذنوب، ومحو السيئات، وتجديد التوبة، فإذا دخلت العشر الأوائل من ذي الحجة، أو حتى إذا بدأت أشهر الحج أو إذا دخلت الأشهر الحرم التي يتهيأ فيها بعض المسلمين لأداء مناسك الحج؛ تلبية لدعوة أبينا إبراهيم عليه السلام إلى البيت الحرام، للحصول على الأجر الجزيل والثواب العظيم، وذلك بعد تحمل المشاق في رحلة الحج الرحلة التربوية الإيمانية والتي يتدرب فيها الحجاج بعد إنفاق الجهد والمال على ضبط النفس ومجاهدتها، والزهد في الدنيا والاستعداد للآخرة، مع البعد عن المعاصي و الرفث والفسوق، ويتعود أن يبتعد عما يغضب الله تعالى لكي يعود كيوم ولدته أمه، كما قال رسول الله e : "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " متفق عليه.
فأداء الحج والعمرة من أفضل الأعمال في هذه العشر المباركات ، فمن وفقه الله تعالى لحج بيته وقام بأداء نسكه على الوجه المطلوب، وانشغل بالطاعات وابتعد عن الرفث والفسوق، كما قال تعالى: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ"سورة البقرة، فنبشر كل حاج فعل ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.
ومن لم يكتب له الحج هذا العام، أو حج ويقيم الآن في بلده وهؤلاء و لا شك أكثر بكثير من أعداد الحجاج، فهل يحرمون من مغفرة الذنوب! أو كسب الحسنات؟ أو مجاهدة النفس وإلزامها تقوى الله تعالى، والسير في طريق الاستقامة، والبعد عن طريق الغواية، كلا، فقد من الله تعالى على جميع أفراد الأمة الإسلامية بموسم عظيم جديد بعد موسم شهر رمضان الكريم؛ للتنافس في الطاعات والتسابق إلى الخيرات، ويمنحنا سبحانه وتعالى فرصة جديدة لمغفرة الذنوب، ومحو السيئات، ومضاعفة الحسنات، وتجديد التوبة.