بسام حسن المسلماني
إن صعود وهبوط أي مجتمع مرهون بشكل مباشر بمدى فاعلية الفرد داخل المجتمع، فإذا كان سلوك الفرد يتسم بالفاعلية، كان النهوض الحضاري لهذا المجتمع، أما إذا انعدمت فاعلية الفرد، وتواري جهده، فإن مستقبل هذا المجتمع لا يحمل إلا التخلف والانحطاط الحضاري. مهما كان هذا المجتمع يحوي ثروات وإمكانات مادية وموارد طبيعة كبيرة دون نهوض حقيقي بالإنسان، فسيظل ملازما لحالة التخلف وستبدد هذه الثروات، بينما المجتمعات فقيرة الموارد التي تهتم بالإنسان وتغرس مفهوم الفاعلية في سلوك أفراده، فإنه يمكنها بناء نهضة حقيقة وأكبر نموذج لهذه الحالة هي (اليابان).
لذلك فإن مالك بن نبي يرى أن أزمة المجتمع المسلم هي أزمة منهجية عملية في الأساس، وصاغ نظريته في التغيير الاجتماعي على أساس مبدأ الفاعلية، وقد عبر بن نبي عن ذلك عن ذلك بأسلوبه الخاص، موردا كلمة الأديب الفرنسي "بلزاك": "أو ليس عجابا أن أتجه إلى إصلاح الوطن، بينما قد عجزت عن إصلاح فرد في هذا الوطن؟... إن الفكرة الإسلامية لا تحتاج أن نبرهن على صدقها نظريا، وإنما من خلال صياغة الحياة بها كما فعل السلف وإظهار فاعليتها في الواقع.
وعلماء الإسلام على مدار التاريخ جسدوا المعنى الحقيقي للفاعلية داخل المجتمع، فابن تيمية لم يكن "عالما" كسائر الشيوخ، لا متصوفا كالغزالي، ولكن كان مجاهدا، يهدف إلى التجديد الروحي والاجتماعي في العالم الإسلامي. والذي يدرس سيرة الرجل ويطلع على دوره الجوهري في صد هجمات الصليبيين والتتار، ووقوفه في وجه حكام الجور وعلماء السوء، وتحمله أذية الطرفين، يدرك أنه كان رجل عمل لا جدل.

ومثله الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان رجلا عمليا: انطلق من وعي بهموم مجتمعه، فعلم الناس وقادهم، وبنى التحالفات السياسية والقبلية، وحمَل السلاح، وهدَم أوكار الخرافة والدجل.  لكن عندما غلبنا جانب الحماسة والعاطفة على جانب العمل، والفقه النظري الجدلي على فقه العمل، أخذت الأمة في الهبوط والانحطاط، فثقافة الخطب والحماسة عندما غلبت على حياتنا كان لها دور في إثارة الحماسة وتأجيج العواطف دون أن يكون هناك استغلال لهذا الرصيد العاطفي، في تنمية القدرات الذهنية والحركية للفرد، وتزكية الفاعلية ومن ثم ظلالنا عبارة عن ظاهرة صوتية دون أثر في واقعنا العملي.

وقد سلكت السنة النبوية مسالك متميزة واضحة لتعزيز الفاعلية ويمكن إجمالها في النقاط التالية:
التوكل على الله:
التوكل بما يتضمنه من أخذ بالأسباب، يضمن استغلال الأسباب الموجودة لتحقيق النتائج المرجوة، وبما فيه من حق التوكل والثقة بالله، يضمن التفاني في أداء العمل الذي يرجى  من خلاله تحقيق هدف معين، وهذا الدافع من الثقة والإتقان ركن مهم في جودة النتيجة. فحسن استغلال الأسباب والتفاني في العمل المرتبطان بالتوكل يؤديان إلى الثمرة المرجوة من عملية الفاعلية.

الصبر على النوازل:
الدنيا دار ابتلاء، ولهذه النوازل أثر سلبي على النفس الإنسانية، ولا يمكن تحمل هذه النوازل إلا من خلال ترسيخ العقيدة في النفوس، ولا ينبغي أن تقعده المحن عن العمل، بل إنها من عوامل التحفيز نحو العمل.

التميز:
حرص الإسلام على غرس مفهوم التميز في نفوس المسلمين باعتبار أن التميز يؤدي إلى الشعور بالاستقلالية التي تدفع إلى الفاعلية، إن التميز  بهوية مستقلة هي التي كانت تدفع الفرد المسلم إلي الإبداع والدقة والاختراع والتطوير في عصور الازدهار،  وهذا لا يكون ممكنا لو أن هذا الفرد كان متقمصاً شخصية حضارة أخرى،  لأنه حينئذ سيشعر بالتبعية،  وفقدان الشخصية الذي يحد من عزمه ويقتل فيه روح الإبداع. لذلك فقد نهى الإسلام عن التشبه بالكافرين حرصا على هذه الروح ولترسيخ الهوية.

استغلال الوقت:
الوقت هو رأس مال الفرد الفاعل؛ لذلك يحرص عليه ألا يضيع هدرا، وقد حرص الإسلام على غرس قيمة المحافظة على الوقت في نفوس أفراد المجتمع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لنْ تَزُولَ قَدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسْأَلَ عن أَرْبَعِ خِصالٍ عن عُمُرِهِ فيمَ أَفْناهُ؟ وعَنْ شَبابِه فيمَ أَبْلاهُ؟ وعَنْ َمالِهِ من أين اكْتَسَبَهُ وفيمَ أنْفَقَهُ؟ وعَنْ علمِهِ ماذا عمِلَ فيهِ"رواه الترمذي وصححه الألباني.

الإيجابية:
الإيجابية سمة ضرورية و هامة للفرد الفاعل، حيث إنها تجعله يبادر باقتناص كل الفرص المتاحة له للتأثير الإيجابي وتجعله يبادر بأخذ زمام المبادر للعمل الجاد، لقد كانت الطاقة الإيجابية التي غرسها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أصحابه هي القوة الدافعة لهم لإنشاء الحضارة الإسلامية الشامخة، فبعد أن امتلأت قلوبهم بالإيمان حقاً، أخذوا  ينشؤون نظاما غير مسبوق في كل الأرض: نظاماً سياسياً واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وروحياً لا توحي به ضرورة من ضرورات الأرض، وليس نتيجة "حتمية" لشيء من ظروف الأرض. إنما يُنْشَأ إنشاء، إرادة واقتداراً، بدافع من الإيمان والطاقة الإيجابية.

تنمية روح العمل الجماعي:
الأفراد هم العنصر الأول في بناء أية أمة،  والصلات بين هؤلاء الأفراد هي الشرط الأول لقيام هذه الأمة برسالتها وتقديم العطاء الحضاري للأمم الأخرى. ولا يستطيع الأفراد كـ (أفراد) تقديم أيّ عطاء حضاري أو حمل أية رسالة،  إلا حين يتمتعون بروح الجماعة ويعملون بروح الفريق. فروح الفريق هي الدعامة الأساسية في حمل رسالة الأمة، والعمل الجماعي هو أهم ضمانات النجاح وتحقيق الأهداف. والأمة التي تسير خطوات أفرادها بروح الفريق والجماعة،  هي الأمة الجديرة بالريادة البشرية.

لقد تمكن الإسلام من خلال تنشئة أفراد المجتمع الإسلامي على هذه المعاني، من بناء حضارة سادت العالم لقرون طويلة، وكانت قبلة العلم والعلماء في كل مكان.

JoomShaper