التربية الصوتية للأطفال
- التفاصيل
د. مصطفى رجب
هل سبق لأحد من التربويين أن فكر في أسلوب للتنشئة الصوتية لأطفالنا ؟ لا أظن ، ولم يصادفني في حياتي المهنية أي بحوث في هذه النقطة المهمة الجديرة بكثير من البحث والرعاية ، وقد اخترت مصطلح " التربية الصوتية " الذي يُستَخدَم هنا لأول مرة في الكتابات التربوية العربية ، للدلالة على ما أردت إليه من معان وأفكار ، مستندا إلى ما أخرج البيهقي في [ الخصائص الكبرى (1/ 324) ] عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من أنها قالت : لما قدم النبي {صلى الله عليه وآله وسلم} المدينة جعل النساء والصبيان يقلن:
طلع البدر علينا
من ثَنيَّات الوداعْ
وجَبَ الشكرُ عليْنا
ما دعا لله داع
وروى هذا أيضا : ابن حبان في سيرته ، والمباركفوري في الرحيق المختوم ، وغيرهما ، والشاهد فيه أن الموسيقا والغناء كانا وسيلتي تعبير عن السعادة والفرحة والبهجة ولم يمنع الإسلام استخدامهما لهذا الغرض .
ومن الناحية التربوية ، لا خلاف على أن الموسيقا والغناء من أهم الأنشطة المحببة إلى الأطفال للتعبير عن الذات وتفريغ شحنة الانفعالات ولتأكيد الشخصية والتعرف إليها خلال التفاعل مع الآخرين "الأصدقاء" أو مع الأشياء "آلات وبرامج" أو مع الأماكن "المدرسة.. النادي.." أو مع الأفكار وهي ما تتضمنه عملية العزف من معلومات وأفكار.
فمن خلال العزف الموسيقي مع الجماعة يكتسب الطفل شعورا بكيانه وذاته بوصفه وحدة لها دورها ومركزها ومكانها في الجماعة ويتخلى في الوقت ذاته عن الفردية أو الانفرادية لانخراطه في مجموعة يسود فيها شعور التكامل ، يتوحد معها وينصهر بداخلها.
كذلك ينطبق الوصف نفسه على الغناء ، وقد لا يملك الجميع القدرة على تسجيل انفعالاتهم أو التعبير عنها عند أدائهم أو سماعهم الموسيقا ، ولكن ترديد الأطفال بعض الأغنيات وبخاصة في جماعة يؤدي إلى بلورة الانفعالات المصاحبة للأغنية أو المعزوفة ووضوح أثرها في التعبير عن الانفعالات ، وحصر وتوحيد الاهتمامات وصهر الفرد داخل الجماعة حتى بين جماعات الكبار.
والأطفال أيضًا يمكنهم أن يخوضوا بروحانية وحماس تجربة الانفعالات التي تعبر عنها أغنيات الكبار حتى وإن لم يبلغوا درجة الفهم الكامل لمضمونها.
والغناء مظهر عام من مظاهر الموسيقا بالنسبة لمراحل الدراسة المختلفة ليس فقط للفوائد الشخصية والنفسية التي يمكن أن تُجنَى من ورائه ، ولكن أيضًا من أجل تحصيل الخبرة والتجارب التي تحدث وتُكتَسب أثناء ممارسة الطفل هذه الأنشطة المحببة إليه .
ذلك أن الأطفال يمكنهم عن طريق تكرار ترديد الأناشيد : حفظها ، ومعرفة الكثير من المقطوعات الموسيقية والألحان ، علاوة على ما تحويه الأغنيات من معلومات وقيم وأمثلة ونماذج تتضمنها الأناشيد ، ويسعى المربون إلى غرسها وتلقينها للنشء ، هذا بالإضافة إلى ما يتضمنه الأداء من عمليات تنمية للقدرات الصوتية وتمرين على استعمال الحواس وتحسين أدائها بما تحتويه من ألحان وأنغام قادرة على خلق القدرة على التذوق والإحساس الجمالي والشعور بالنغم واللحن .
ومن هنا تأتي أهمية المواءمة بين مستوى العمل الفني ومرحلة النمو التي يمر بها أفراد الجماعة ومستوى القدرة الصوتية التي لديهم كما تأتي أهمية المواءمة بين نوع النشيد أو المعزوفة ومعانيهما والآثار المترتبة عليهما ، وبين بيئة وثقافة الجماعة التي تؤديهما بمعنى وجوب تضمين أغنيات الأطفال مجموعات من النغمات الأساسية الموجودة في موسيقا مجتمعهم .
وما يزال بعض الناس يُرجعون الاختلافات الكبيرة بين مهارات الأطفال في الغناء إلى الموهبة الموسيقية أو ما يعرف بالاستعدادات الموسيقية الفطرية وحدها ويرى أصحاب هذا الرأي أن هناك استحالة في تطوير وتوسيع المجال الصوتي للطفل ، بيد أن هناك عدة عوامل أخرى تتدخل في هذا التفاوت وتتحكم فيه ويقف التدريب على الغناء أو الممارسة الصحيحة لأصوله في المراحل المبكرة على قائمة هذه العوامل فالحس الموسيقي والغناء يتأثر بنفس العوامل التي تؤثر في تطور الكلام والنطق.
والحقيقة أن الطفل محتاج – دائما - إلى تدريب مستمر ومراجعة وتصحيح للنطق الخاطئ الذي قد يعيش معه سنوات عدة دون أن يستطيع التغلب عليه أو تصحيحه كذلك يتطلب الغناء جهودا تدريبية منذ المراحل الأولى في عمر الطفل حتى يتمكن في هذه السن المبكرة من التحكم في جهازه الصوتي وجهازه التنفسي بصورة صحيحة تمكنه من استغلال الإمكانيات الذاتية التي يتمتع بها والوصول إلى تحقيق أكبر اتساع ممكن لصوته .
وبجانب عامل الممارسة والتدريب الذي اتضحت أهميته في إكساب الطفل المهارات اللازمة للغناء الجيد السليم يوجد ثمة عامل آخر له أهميته في إحداث تفاوت بين الأطفال في اكتساب مهارات الغناء واستغلالها ، ذلك أن الغناء مرتبط إلى حد بعيد بالحالة النفسية والانفعالية للطفل ومن ثم تؤثر المشكلات العاطفية والنفسية على قدرة الطفل على إتقان الغناء والاستفادة من تدريباته النفسية ومن هنا كان من الواجب على مدرس الموسيقا والغناء أن يكون ملما بالدراسات التقنية والفنون التربوية ووسائل التعامل مع الصغار ليتمكن من تلمس مشاكلهم والتعرف إلى ما يعوق تقدمهم من أسباب أو ضغوط نفسية بجانب تمكنه من تعليم الغناء للأطفال وتوجيههم إلى أفضل الوسائل التي تنمي قدراتهم الأدائية والإدراكية معا.
وتحرُّج الطفل من الغناء بمفرده أمام الكبار أو الأصدقاء نتيجة لضغوط داخلية لديه أو لعدم قدرته على مسايرة زملائه وتقليدهم أو لوجود عيب أو ضعف في صوته يمكن أن يجعله يحجم عن الغناء الجماعي ويتسبب في تكون فكرة سيئة لديه عن هذا النشاط لكن الدراسات التربوية الحديثة أثبتت أن الغناء الجماعي يخدم الكثير من هذه الحالات ويأخذ بيدها نحو التقدم .
وأي طفل يغني في سن مبكرة ، ولفترات كافية ، بطريقة صحيحة بسيطة سيصبح قادرا على الغناء والتقليد بصورة طيبة ومقبولة مهما تكن إمكانياته الموسيقية الموروثة.
ويتعلم كثير من الأطفال الذين لا يجيدون الغناء من مصاحبة أقرانهم مرددين ما يسمعون منهم ، ولكن هؤلاء يتحسن صوتهم إلى درجة جيدة من خلال بيئة تعليمية مناسبة وبمساعدة مدرس ناجح، ولعل من الأسباب التي تؤدي إلى تفوق بعض الأطفال عن أقرانهم في مهارات الموسيقا والغناء ما يحظون به أثناء تدريبهم على هذا العمل أو ممارستهم له في بيئاتهم الأسرية من تشجيع وتحفيز يدفعهم إلى مزيد من المحاولة والتجويد ، فالثواب والتشجيع والإطراء يؤتي ثمارا طيبة ونتائج إيجابية واضحة لا تتوفر في ظل العقاب والتأنيب المستمر الذي كثيرا ما يخلق في الطفل الخوف والتردد وضياع الثقة بالنفس وكلها عوامل تعوق الطفل الصغير من مواصلة طريقه نحو النجاح والتميز.
المرأة وجمعيات حمايتها المشبوهة
- التفاصيل
أوّاب المصري
تعاني مجتمعاتنا العربية والإسلامية في السنوات الأخيرة حالة من الصراع والتنازع في النظرة تجاه دور المرأة في الأسرة والمجتمع. فبين محافظ اعتاد على فكرة أن المرأة هي ذلك الكائن الضعيف اللطيف الناعم الذي يحتاج للحماية والرعاية من الرجل، والاختباء في كنفه لدفع الأذى والخطر عنه، التي تجد سعادتها في الاهتمام بمنزلها وزوجها وأبنائها والعناية بهم، والتي تجد نجاحها من خلال نجاحهم وتقدّمهم. وبين رؤية طارئة وافدة تعتبر المرأة فرداً مستقلاً بذاتها في الأسرة في مواجهة الرجل وليس إلى جانبه ومعه، بل مزاحماً له في مختلف شؤون الحياة، تطالب بالمساواة معه في كل شيء، وتعتبر أنه يجب أن يكون لها ما له وعليها ما عليه، دون النظر للاختلافات الكثيرة التي فطر الله عليها عباده، والتمايز في الخلق والخلقة بين الرجل والمرأة.
إزاء كل قضية تثار في وسائل الإعلام حول إساءة تعرضت لها المرأة من الرجل تجد جمعيات حماية المرأة فرصة لرفع الصوت والتصعيد والمطالبة بالمساواة. فيتم الاختباء وراء شعار حماية المرأة من العنف الأسري الذي تتعرض بعض النساء من أزواجهن للمطالبة بإقرار قوانين تمنح المرأة المساواة مع الرجل في كل الحقوق والواجبات. بل إن أحد الشعارات التي رُفعت في إحدى التظاهرات التي شهدها لبنان قبل فترة كتب عليها "أوقفوا العنف ضد المرأة وإلا..."، دون أن نعرف ما يمكن أن تكون الكلمة التي ستتبع "وإلا".
الكثير من جمعيات الدفاع عن المرأة في عالمنا العربي أهدافها نبيلة، وهي بالفعل مقتنعة بأن حقوق المرأة مهدورة ويجب صونها وحمايتها حرصاً على المرأة وكرامتها. لكن البعض الآخر من هذه الجمعيات مشبوه، أنشئ معظمها بدعم خارجي من مؤسسات غربية شبه حكومية، لم تتكبد النساء المنضويات في هذه الجمعيات عناء التفكير بالخلفيات والأسباب التي يمكن أن تدفع هذه المؤسسات لتقديم الدعم المالي، وما المقابل الذي ستحصل عليه من وراء كرمها هذا. فهل تسعى هذه الجهات فعلاً لحماية المرأة أم أنها تسعى لتغريب مجتمعاتنا وتصدير قيمها ومبادئها إلينا. هذه القيم التي لاعلاقة لها بقيم ومبادئ مجتمعاتنا وتاريخنا وتراثنا، وهي تخالف في أماكن كثيرة شرعنا الحنيف.. فالرجل الذي يحترم زوجته ويحسن إليها ويقدّرها، لايفعل ذلك لأن القانون يفرض ذلك، بل لأنه تربى على هذا الأمر وتعلمه من ذويه ولأن الإسلام حضّ على ذلك.
العقبة التي تعترض جميعات الدفاع عن حقوق المرأة هو أن ما تطالب به ينسف الصورة الذهنية للمرأة التي تشكلت في أذهاننا على مدى عقود. فالمرأة هي التي تمنح دون مقابل، هي الأم والأخت والزوجة والإبنة، هي الإنسان الذي يتصرف بدافع فطرته الأنثوية الرقيقة التي خلقها الله عليه. أما في ظل مطالبات الجمعيات النسائية بإقرار قانون يحدد العلاقة بين الرجل والمرأة، فإن هذا يعني أن علاقة المرأة بالرجل ستكون محكومة بالقانون، بعيداً عن أي عواطف أو فطرة أو نخوة أو شهامة أو تربية إسلامية. وبالتالي لن نسمع حينها عبارة أن زوج فلانة "ابن حلال" يحسن معاملتها، بل سيصبح التقييم مبني على أن زوج فلانة يلتزم بتطبيق القانون.
إذا أصبح القانون هو الذي يحكم العلاقة بين المرأة من الرجل، ولم تعد للقيم والأخلاق والشرع دور في هذه العلاقة، ولم يعد واجباً على الرجل حماية المرأة ورعايتها فإن هذا يعني أن الرجل لن يكون مضطراً لتقديم المرأة طالما أن القانون لاينص على ذلك، ويجدر شطب عبارة "Ladies First" من قاموس الاحترام لأن القانون يساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات. وليس على الرجل إسعاد زوجته بفتح باب السيارة لها، ولا أن يسحب لها الكرسي في المطعم، ولا أن يقوم بالمهام الصعبة في المنزل، طالما أن كل ذلك غير وارد في القانون، ولست أدري ما إذا كان الإنفاق على المرأة سيبقى واجباً على الرجل طالما أنهما متساويان في الحقوق والواجبات. لنتخيل أي مجتمع يمكن أن نكون عليه حينها.
في اللحظة التي تنجح فيها جمعيات الدفاع عن المرأة بوضع أسلاك شائكة حول المرأة لمنع الرجل من الاقتراب منها والاعتقاد أنها بذلك تحميها منه، ستبدأ الجمعيات نفسها مرحلة جديدة من استيراد المزيد من القيم الغربية، وربما تغير اللافتة التي تعمل تحتها، فتستبدل حماية المرأة لتصبح حماية الأطفال من ذويهم والمطالبة بحماية الأبناء من أهلهم والمطالبة بالاستقلال عنهم.
الأطفال وتراجيديا العنف
- التفاصيل
تاريخ النشر: 14/06/2015
محمد خليفة
لو فكر من يشعلون الحروب في النتائج الكارثية التي تترتب عليها، وما تتغذى عليه تلك الحروب من مآسٍ وآلام، يدفع ثمنها العُزْل من النساء والشيوخ والآمنين، حتى الحيوانات والمنازل والبنى التحتية، ولكن المتضرر الأكبر من هذه الحروب هم زهرة الحياة، بسمتها الحانية، سند العجز، وأمل المحروم، هم الأطفال. هذه البراعم التي تفتحت ليس من أجل ريّها والعناية بها، لكن لتصبح وقوداً في ساحات الصراع، فإما أن تيتم، أو تتشرد، أو تضطر مع أهلها إلى الهروب واللجوء إلى مخيّمات بعيدة.
وأخطر من ذلك ما يواجهه بعض الأطفال، حينما يُجبرون على حمل السلاح، والانخراط في الميليشيات المسلحة، ليقاتلوا إلى جانب الكبار. إن الطفل مخلوق بريء وله حقوق على أهله وعلى مجتمعه قبل ذلك، وفي مقدمة هذه الحقوق توفير المأكل والملبس له، وحمايته من التعرض للأذى، سواء بفعله هو أو بفعل المحيط، ومن ثم تنشئته وتعليمه حتى يكبر ويستفيد منه أهله ومجتمعه.

ومنذ القدم أوصى الفلاسفة بتعليم الصغار لأن أدمغتهم تكون صفحة بيضاء تستوعب كل ما يدخل إليها، لكن عندما يحرم الطفل من العيش الكريم، وعندما يشرد نتيجة حرب قد اشتعلت في موطنه؛ فإنه يفقد حقه في التعليم، ويصبح الشغل الشاغل هو توفير الأمن والحماية له، من خلال توفير المأوى الآمن، والحاجات الأساسية من طعام وشراب ودواء. لقد نشأ الكثير من كبار المجرمين في بيئات تسودها الصراعات والحروب، فيُضطرون للجوء إلى السلاح للحفاظ على حياتهم، وتوفير المأوى الآمن لهم، خاصة بعد أن فقدوا أهليهم ووقعوا في شرك رجال العصابات.
وكان من المؤمل أن يرتفع الوعي البشري بخطر الحروب مع انتشار التعليم على نطاق واسع في العالم. وفي تقرير صدر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» في 23 ديسمبر/كانون الأول الماضي، فقد أعلنت هذه المنظمة، أن 2014 كانت سنة مدمّرة لملايين الأطفال الذين وقعوا ضحية النزاعات، ولا سيّما في العراق، وغزة، والسودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وأوكرانيا وسوريا. وقد قتل الأطفال وهم على مقاعد الدراسة، أو وهم نيام في أسرتهم، وتعرّضوا لليتم والخطف والتعذيب والتجنيد والاغتصاب وللبيع عبيداً.
ووفق هذه المنظمة، فإن 230 مليون طفل يعيشون في مناطق تشهد نزاعات مسلحة، بينهم 15 مليوناً يعانونها بشكل مباشر، ويعاني الأطفال في أكثر من خمسين بلداً في العالم النزاعات المسلحة أو تأثيراتها. ولقد شرّدت الحروب حتى اليوم 22 مليون طفل داخل بلدانهم أو خارجها.
إن مشاهد الأطفال الذين يعيشون ظروف النزاعات المسلحة، وهم ينتظرون في مخيّمات اللاجئين، للحصول على الغذاء والعناية الطبية، واتساع انتشار الألغام الأرضية والأسلحة الخفيفة، جعلت المجتمع الدولي يتحسّس عذاب هؤلاء الأطفال، لأن حمايتهم حق أصيل من حقوق الإنسان التي تنصّ عليها الاتفاقات والمعاهدات الدولية، كاتفاقية حقوق الطفل. واهتمّ مجلس الأمن بموضوع أمن الأطفال، فأصدر قرارات عدة، منها القرار رقم 1261 لعام 1999، والقرار رقم 1314 لعام 2000، والقرار رقم 1379 لعام 2001، وقد تعهدت كل تلك القرارات بالكفاح ضد تأثيرات الحرب في الأطفال وحمايتهم، والتصدي بنوع خاص للنتائج السلبية لتجارة الأسلحة الخفيفة غير المشروعة، وأثرها في الأطفال. واتخاذ اجراءات جدية لمكافحة انتهاك قوانين أمن الأطفال خلال الحرب.
إن ازدياد عدد الصراعات وتشريد ملايين الأطفال، يؤكد أن المجتمع الدولي قد عجز عن الوفاء بتعهداته بحماية الأطفال، وذلك بسبب تعقد السياسات الدولية وضلوع القِوى العالمية الكبرى، التي يفترض بها أن تحمي السلم والأمن الدوليين، في إشعال الصراعات عبر العالم، وهذا بلا شك يخفي أزمة معنوية خطرة، ستكون لها نتائج كبيرة على مستقبل العالم، فنشوء المزيد من الصراعات يعني حرمان المزيد من الأطفال من التعليم، وبالتالي إيجاد جيوش كبيرة من العاطلين والفاشلين. فالأطفال اليوم هم سكان العالم غداً، وبقاؤهم، وحمايتهم ونموّهم، هي شروط إلزامية لتطوير مستقبل البشرية.
تعليم اللاجئين السوريين في لبنان
- التفاصيل
خلال زيارتي بيروت أخيراً، التقيت بنتاً وولداً كافحا خلال سنة مليئة بالمصاعب وهما لاجئان سوريان في لبنان يبلغان من العمر 14 سنة ومتحمسان للتعليم ولكنهما غير قادرين على الذهاب الى المدرسة.
ان قصصهما تظهر ما هو على المحك في الاشهر القليلة المقبلة بينما يكافح لبنان من اجل جمع الاموال وذلك من اجل جهود طموحة لتوفير التعليم للاجئين فيه. ان هذا العام كان يفترض ان يكون عام الطفل - الموعد النهائي لهدف التنمية الالفية بتوفير التعليم الابتدائي لجميع الاطفال - ولكن عوضا عن ذلك اصبح ذلك العام بالنسبة لمئات الآلاف من الشباب ما يصفه البعض بعام الخوف.
لقد هربت الفتاة - ديلان - من سوريا برفقة والدتها عندما كانت تبلغ من العمر عشر سنوات ولقد وجد كلا منهما عملا في مصنع للثوم علما ان ديلان امضت عيد ميلادها الحادي عشر وهي تقشر فصوص الثوم من اجل ان تكسب فقط ما يوفر لها سقفا فوق رأسها وخلال الثمانية عشر شهرا الماضية كانت ديلان خارج المدرسة. ان اقرب شيء للفصل الدراسي ذهبت اليه ديلان هو مركز نهاري لتعليم اللغة العربية. بالرغم من كونها فصيحة اللسان الآن، يبقى هدفها بالذهاب للمدرسة بعيد المنال فهي لا تملك الاموال من اجل دفع الرسوم اللازمة وكل ما تريده حسب قولها هو ان تتدرب لتصبح معلمة من اجل «المساعدة في ازالة الحزن من قلوب الاطفال».
ان الولد احمد لم يذهب الى المدرسة منذ عام وهو يريد ان يصبح طبيبا ولكن اولا يجب ان يخضع لنوع آخر من العلاج حتى يتمكن من التعامل مع ذكرى آخر يوم له في المدرسة وذلك عندما دخل رجال مسلحون غرفته الصفية واجبروا الجميع على الفرار. ان لدى احمد خوفا عميقا انه لن يتمكن من اكمال تعليمه وعندما تكلمت معه في بيروت قال لي: «ماذا سنصبح نحن السوريين الموجودين خارج المدارس في المستقبل؟ سوف نكون اميين وكأن عقارب الساعة قد عادت الى عقود او قرون ماضية. نحن بحاجة للتعليم من اجل ان نصبح اناسا افضل.».

يقال ان «بامكانك العيش 40 يوما بدون طعام وثمانية ايام بدون ماء و8 دقائق بدون هواء ولكن لا يمكن ان تعيش ثانية واحدة بدون أمل». ان ديلان واحمد على غرار العديد من اللاجئين الشباب يفقدون الامل انه سوف يكون بامكانهم ان يذهبوا للمدرسة مجددا.
ان تزويد اللاجئين بالتعليم سوف يكلف حوالي 500 دولار اميركي سنويا - اقل من 10 دولارت اميركية بالاسبوع - لكل تلميذ وهذا ثمن بخس يدفعه المرء مقابل الامل ولكن المجتمع الدولي فشل في عمل ما يكفي من اجل المساعدة.
ان لبنان هو واحد من اضعف بلدان العالم واقلها استقرارا اضافة الى تمزقاته الطائفية بالاضافة الى وجود المجموعات المتطرفة العنيفة ومع ذلك وجد الموارد من اجل استضافة 1.1 مليون من المنفيين السوريين - ما يعادل ربع عدد سكان لبنان تقريبا - وقيادة الجهود الدولية للتحقق من ان اطفال اللاجئين يتلقون التعليم.
لقد قام وزير التعليم اللبناني الياس بو صعب بالتغلب على البيروقراطية والنزاعات الطائفية من اجل ادخال نظام دوام الفترتين في مدارس البلاد ابتداء من سبتمبر ففي الصباح سوف يتعلم الاطفال اللبنانيون باللغتين الفرنسية والانجليزية وفي وقت متأخر من فترة ما بعد الظهر وأول المساء سوف يتلقى حوالي نصف مليون طفل سوري تعليمهم باللغة العربية.
ان من المنتظر ان هذا البرنامج والذي سوف يكلف 263 مليون دولار اميركي سيكون اضخم جهد انساني تعليمي يتم اطلاقه خلال حالات الطوارئ ولكن بالرغم من النداءات للتحرك العاجل كان الرد بطيئا وبالرغم من انه لم يتبق الا ثلاثة اشهر على بدء السنة الدراسية القادمة لم يتم جمع الا 100 مليون دولار اميركي فقط.
عادة في حالات الطوارئ لا توجد ابنية يمكن ان تقام فيها الفصول الدراسية ولا يوجد موظفون لتعليم التلاميذ وهذا يعطي الجهات المانحة عذرا سهلا فهم كانوا سيساعدون لو كانت هناك امكانية لعمل ذلك ولكن في لبنان ومع توفر المدارس والمدرسين فإن العقبة الوحيدة هي ارادة المجتمع الدولي فلو اعطت كل وكالة مساعدات دولية ما لا يزيد عن 10 ملايين دولار اميركي اضافية فإن من الممكن ان يبدأ نصف مليون طفل في لبنان السنة الدراسية القادمة في سبتمبر.
ان المصير غير المؤكد لبرامج مثل برنامج لبنان يؤكد على انه لأمر مأساوي ان التعليم يحصل على 2% فقط من المساعدات الانسانية ويؤكد كذلك على اهمية تأسيس صندوق دائم للتعليم في حالات الطوارئ. لماذا يتوجب على اطفال اللاجئين ان ينتظروا لاشهر بينما يتم تمرير وعاء التسول من جهة لاخرى؟
ان ديلان واحمد يظهران الخيار القاسي الذي يجب ان نواجهه جميعا وهو انه إما ان نوفر التعليم الصحيح لطبيب ومعلم المستقبل او ان نتخلى عنهما ولو اخترنا الخيار الثاني يجب ان نكون واضحين عن ماذا قد يعني ذلك: جيل ضائع يتعرض لخطر الاعتداء أو الاتجار بالبشر أو ما هو اسوأ من ذلك ان يتحول هؤلاء الى مصدر دائم لاشعال التطرف والعنف المستمر.
* رئيس وزراء المملكة المتحدة 2007-2010 وهو يعمل حالياً كمبعوث الأمم المتحدة الخاص للتعليم العالمي
الإدمان المستحب
- التفاصيل
فتحي أبو الورد
الجمعة 12-06-2015 03:15
كثيرا ما سمعنا كلمة "إدمان" بالمعنى المذموم ، واختفى استعمالها بالمعنى المحمود فى قاموسنا اليومى .
والإدمان فى اللغة يعنى الملازمة والمواظبة على فعل الشىء محمودا كان أو مذموما، وهو يعنى المداومة على فعل الشىء والتعلق به ، وعدم الاستغناء عنه ، حتى يصبح جزءا من حياة الإنسان ، لا يستطيع منه فكاكا ، ولا يرغب عنه إبعادا .
سمعنا عن الإدمان بمفهومه السلبي ، الذى يرتبط بتضييع الأوقات ، والانشغال بالتوافه من الأمور ، والوقوع تحت أسر العادة والمألوف من المباح أو المحرم ، مما يضعف الإرادة أو يسلبها .
سمعنا عن إدمان الخمر والكحوليات والبودرة والدخان ، وسمعنا عن إدمان المشروبات المنبهة مثل القهوة والشاى ، وسمعنا عن إدمان الفيس بوك حتى لا يكاد المدمن يغلقه ، ويمكث عليه الساعات الطوال ، وسمعنا عن مدمنى مشاهدة المباريات الرياضية بأنواعها المختلفة ، ورأينا وسمعنا مدمنى الكذب من الإعلاميين الذين يغيرون وجه الحقائق ، وشاهدنا مدمنى الإساءة إلى الناس .
ولكن الذى لم نألف سماعه فى قاموس الإدمان ، هو الإدمان بمفهومه الإيجابى المثمر، الإدمان المستحب ، مثل إدمان الذِّكر والدعاء وصلاة وصيام التطوع ، وإدمان السعى فى الصالحات ، والسعي إلى المساجد ، والمتابعة بين العمرة والعمرة مالم يكن هناك ما هو أولى بالنفقة منها ، وما أكثر ذلك اليوم .

وقد دعت السنة إلى هذا اللون من الإدمان المستحب فى حياة المسلمين .
نجد ذلك فى مثل قول النبى الأعظم صلى الله عليه وسلم فى مسند أحمد : " لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله". وقد أخبرت أن رجلا لا يكاد لسانه يفتر عن الذكر ، يتحدث فى طلب شىء ، فما أن ينتهى حتى يلزم الذكر . وبلغنى أن امرأة من المدمنات للذكر، وهى تحت تأثير المخدر فى غرفة العمليات لم يفتر لسانها عن ذكر الله .
ومن الإدمان المستحب تلاوة القرآن ، وقد روى الترمذى عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأه وهو عليه شاق ، فله أجران ".
وقد أورد الفاكهى فى أخبار مكة بابا فى (المتابعة بين الحج والعمرة) ، وروى بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر كما تنفي النار خبث الحديد "
وكان ابن عباس ينصح أحد إخوانه بقوله :" أدمن الاختلاف إلى هذا البيت–الكعبة- ، فإنك إن أدمنت الاختلاف إلى هذا البيت ، لقيت الله عز وجل خفيف الظهر ".
ومن الإدمان المشروع إدمان الاختلاف إلى المساجد ، وكثرة الخطى إليها ، مما يرفع الدرجات ويمحو الخطايا .
وقد روى الطبراني في المعجم الكبير عن الحسن بن علي رضي الله عنه يقول: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب أخا مستفادا في الله عز وجل، وعلما مستطرفا، وكلمة تدعوه إلى الهدى، وكلمة تصرفه عن الردى ، ويترك الذنوب حياء أو خشية، ونعمة أو رحمة منتظرة" .
ومن الإدمان الذي ندبنا إليه صلاة أربع ركعات بعد صلاة المغرب ، فقد كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يصلي بين المغرب والعشاء أربع ركعات، وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهن " وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: " من أدمن على أربع ركعات بعد المغرب كان كما تعقب غزوة بعد غزوة "
وكان أبو نعيم الأصبهاني يذكر عن الأولياء والأصفياء ، أن فلانا كان قد "أدمن الصوم ". يعني صوم التطوع .
وقد كان بعضهم مدمنا للسير في الإصلاح ، وتبليغ الدعوة حتى يعود إلى بيته في المساء ، فيحط عليه التعب ، ويجد ألما في قدميه .
وقد قيل : من أدمن على عمل، وأقام عليه ، أدركه الموت عليه، وكان ذلك آخر عمله .
ونحن - في ترقب - ننتظر الشهر العظيم ، شهر رمضان المبارك، نسأله تعالى أن يجعلنا من المدمنين للطاعات ، الساعين في الخيرات ، وأن يختم لنا على ذلك .