د. محمد بن حسن المريخي

للسان وخروج الكلام منه وما يسبقه من التقاء الأحبال الصوتية وخروج الكلام صافياً مفهوماً واضحاً بيناً، فلا لتغة ولا لكنة ولا إخفاء للحروف أو بعضها ولا لحناً، هذه نعمة ربانية جليلة وهذه عافية حسية في حد ذاتها، قال تعالى: (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان). قال العلماء: علمه الإفصاح عما في الضمير.

ولك أن تنظر إلى من منعه الله الكلام أو لم يستطع الكلام إلا مكسراً مفرقاً غير مفهوم، لتعلم نعمة الله عليك بنعمة وعافية الكلام، (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين).
كان رسول الله أفصح الناس، إذا تكلم أمكن لسامعه أن يعد كلماته.
فالعافية في اللسان أن يقدر الإنسان النعمة بطلاقة لسانه وحسن كلامه وعذوبة منطوقه، فلا يقول إلا خيراً (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).. حديث صحيح.
وباللسان يكسب المرء الحسنات كما يبتلى بالسيئات ما لا يمكن حصره، وذلك بقراءة القرآن وذكر الله وتسبيحه وتحميده وتكبيره واستغفاره وهذا كله يكون باللسان.
يقول رسول الله: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف).
العافية في اللسان أن يعلم الإنسان أنه مخبوء تحت لسانه فإذا نطق عرف بين الناس فقوموه ووزنوه، عاقل ورشيد أم خفيف وسفيه، مقدم أم مؤخر، مؤمن أم كافر، صادق أم كاذب.
ولهذا نصح رسول الله بإمساك اللسان وحفظه وحراسته والتريث قبل النطق والكلام، يقول لمعاذ بن جبل: (كف عليك هذا)، يعني لسانك، وقال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة).
وقال لعقبة بن عامر: (أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك)، وقال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما تبين فيها يزل بها في النار سبعين خريفاً).
العافية في اللسان أن يعلم الإنسان أنه في إمكانه حفظ نفسه عن الحرام والظلم والزنى والسرقة والخمر ومن النظر الحرام ولكنه لا طاقة له وليسفي إمكانه حفظ لسانه وحركاته إلا من رحم ربي، فتجد الرجل المتدين الذي يشار إليه بالبنان لتدينه والتزامه يقول الكلمة التي تهز الجبال الرواسي، تقول عائشة رضي الله عنها: (قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا – تعني قصيرة – فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)، فليثمن العاقل كلامه قبل التلفظ به ويزنه بميزان الشرع، خاصة ذا الهيئات والمسؤولية ومن جعل الله تعالى حوائج الناس تحت أيديهم.
العافية في اللسان أن يحذر المرء من التلفظ بما حرم الله تعالى كالكذب والطعن في الناس وإلقاء الأوصاف عليهم والخوض في نياتهم، كالذين يكفرون المسلمين بغير وجه حق، يقول الله تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)، وقال رسول الله: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه).
وكذلك يدخل في هذا الوعيد قول البعض يا متطرف يا إرهابي، أو هذا إرهابي وهذا متطرف، لأن المتطرف اليوم في الدنيا يُعد مجرماً خبيثاً، يقول معاذ بن جبل: وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ فقال: (ثكلتك أمك –يعني فقدتك أمك – دعاء لا يراد منه حقيقته ولكن يراد به الزجر والتحذير – وهل يكب الناس على مناخيرهم إلا حصائد ألسنتهم)، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، حتى أن كلمة السوء تؤثر في النفس ولا تُنسى وتبقى عند المجروح ما شاء الله أن تبقى، يقول الشاعر:
تبرأ الجروح ولو كانت قواتلة — وكلمة السوء لا تبرأ من الكبد
وقال آخر: جراحات السنان له التآم – ولا يلتأم ما جرح اللسان
وأكبر العوافي في اللسان أن يسلم اللسان من التقول على الله ورسوله، ويدخل في هذا الفتاوى وتفسير الآيات والأحاديث بما يتعارض معها ومما لا يليق بها، وهذا من تلبيس الشيطان، يقول تعالى: (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) متفق عليه، وقال: (من كذب عليَّ يلج النار)، يعني يدخل النار، فخطورة اللسان كبيرة جداً، فقد يلقياللسان بصاحبه في غيابة الجب وقد يلقيه في النار أو قال كفراً أو اعتقده، يقول الله تعالى: (ولقد قالوا كلمة الكفر)، وقال عن أهل النار وسبب دخولهمفيها: (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين)، يعني نتكلم فيما لا نعلم أو نتكلم في الباطل.
كما تدخل تحت هذا الوعيد السخرية بالدين وسنة سيد المرسلين وعباد الله الصالحين، يقول تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). وكان المنافقون يسخرون من رسول الله والصحابة ويقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أكذب ألسناً وأجبن عند اللقاء وأرغب بطوناً.

 

د. سعدي ابراهيم

إن للأخوة دورا كبيرا في المجتمع الإسلامي، فلو أخذ أبناء هذا المجتمع وسائل إحيائها وتعميقها لزادت روابط هذه الأخوة وزاد تماسك المجتمع الإسلامي

ومن وسائل تعميق الروح الأخوية الإسلامية:
• إذا لقي الأخ أخاه فليطلق وجهه عند اللقاء وذلك لما روى مسلم عن ابي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو إن تلقى أخاك بوجه طليق". 
• إذا لقي الأخ أخاه فليبادر إلى مصافحته وذلك لما روى أبو داوود عن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل إن يتفرقا". إذا أحب الأخ أخاه فليخبره انه يحبه وذلك لما روى أبو داوود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن قال :"إذا أحب الرجل أخاه فليخبره إنه يحبه".
• إذا فارق الأخ أخاه فليطلب منه الدعاء بظهر قلب وذلك لما روى أبو داوود والترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن لي وقال : "لا تنسانا يا أخي من دعائك" قال عمر رضي الله عنه فقال كلمة ما سرني اني لي بها الدنيا.


• أن يكثر من زيارة إخوانه بين كل فترة وفترة وذلك لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عاد مريضا أو زار أخاه في الله ناداه مناد إن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا". 
• أن يهنئ أخاه ويدخل عليه السرور عند وجود مناسبة وذلك لما رواه الطبراني في الصغير عن انس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من لقي أخاه بما يحب يسره بذلك سره الله عز وجل يوم القيامة" • أن يقدم له الهدية إذا وجدت المناسبة وذلك لما روى الديلمي عن أنس رضي الله عنه مرفوعا : "عليكم بالهدايا فإنها تورث المودة وتذهب الضغائن".
• أن يؤدي له الحقوق الأخوية كاملة وذلك لما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه".

د. عبدالله العمادي

تسابق الناس في شهر رمضان إلى الخيرات وترك المنكرات، أو هكذا المفترض أن يكون.. والمسارعة إلى فعل الخيرات، بالإضافة إلى أنها من صفات وأخلاقيات الأنبياء، هي أيضاً من تلكم الأفعال التي تبعث على الارتياح والشعور بأهميتك ضمن مجتمعك الإنساني. 

نعم، إن المسارعة إلى فعل الخيرات من أخلاق المؤمنين الصادقين ومن طبائعهم، وإن مثل هذه الأعمال إنما دلالة على رجاحة في العقل وسلامة في القلب، فإن إتيان الخير إنما هو نموذج رائع لقيمة العطاء، وغالباً ما يكون العطاء أصعب وأشق على النفس من الأخذ. 


حين تقوم بالعطاء والمسارعة إلى الخيرات، فإنما تثبت ها هنا أنك مفتاح للخير مغلاق للشر، كما بالحديث: "إنَّ من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإنَّ من الناس ناساً مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه". إضافة إلى ذلك، فإن المسارعة إلى فعل الخيرات، تدخلك تحت مظلة الآية القرآنية العظيمة: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين".
هل هناك ما هو أجمل وأفضل من أن تكون من أئمة الخير، تؤتيه وتدعو إليه؟ إنك بفعل الخيرات تلك، تستحق مكافأة جميلة من الله، متمثلة في نعمة الحرص على الصلاة وإيتاء الزكاة، لكي تدخل بعدها ضمن قائمة العابدين، وما أجملها وأزكاها من قائمة. 
في حديث المبادرة، يدعونا المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المسارعة والمسابقة نحو الخير، فالعمر قصير، والمفاجآت الدنيوية كثيرة.. يقول عليه الصلاة والسلام: "بادروا بالأعمال سبعاً. هل تنتظرون إلا فقراً مُنسيا، أو غنى ‏مُطغيا، ‏أو مرضاً مُفسداً، أو ‏هرماً ‏مُفنداً ، ‏أو موتاً مُجهزاً، أو ‏الدجال، ‏فشر غائب يُنتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر".

 

واحد من أهداف الصيام الكبيرة هو نشر السلام الاجتماعي في المجتمع المسلم، وهذا صريح في أقوال النبوة ومنها: (الصيام جنة وإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين).

وبوسعنا أن نجد أفرادا نجحوا في تحقيق هذا الهدف الاجتماعي للصوم، لكن هناك ملاحظات عامة تُظهر أن وتيرة العنف تزداد في السلوكيات اليومية لكثير من الصائمين.

في مواقع العمل قد تواجه الأعصاب المتوترة إلى درجة التشنج، فالموظف صائم ساهر ليلته فتراه منفلت الأعصاب ومهملا لمصالح المراجعين.

وفي الطرق تمثل الحوادث المرورية هاجسا كبيرا في شهر رمضان، بسبب الإفراط في السرعة وعدم احترام إشارات المرور خاصة قبل رفع أذان المغرب.

حتى الأسواق، قد ترى بعض مظاهر العنف بين المتسوقين وبين الباعة وخاصة عند الانتظار على الدور عند الكاشير.

أما البيوت فكثير منها يتعرض للعنف الأسري، بين الزوجين أو بين الأبوين والأولاد، وقد يصل الأمر إلى حد الطلاق.

وفي دائرة الاعلام والفضائيات، تفاجئك مسلسلات العنف في دراما وإعلانات شهر رمضان، فضلا عن بث مظاهر العنف الدموي في مناطق الصراع المحيطة بنا.

الغريب هو تبرير العنف باسم الصوم فيقال: (إني صائم)...

مع أن الخطاب الشرعي يرى أن الصوم (جُنَّة) أي وقاية من سلوك العنف اللفظي والفعلي، فكيف نفسر هذا التناقض بيْن الصيام في واقع الناس والصيام في حقيقته الشرعية؟.. وكيف نعالجه؟

أتصور أن هذا التناقض مرده إلى ضعف الإدراك لحقيقة الصيام، وتسرب عادات فاسدة في سلوك كثير من الصائمين.

ولذلك نحتاج أولا إلى تعميق إدراكنا لحقيقة الصيام في بيان النبوة: (ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم) صحيح الجامع.

ولتعزيز هذا الإدراك لا بد من تكريس مفهوم الصوم الصحيح في عقول الناشئة في عملية التنشئة الاجتماعية في البيت والمدرسة والقدوة أهم أداة في هذا المجال.

ونحتاج– ثانيا– إلى تحسين عاداتنا بالقدر الذي يوفر لنا حالة من الهدوء يحول بيننا وبين التهيج العصبي، ومن الإرشادات التي يقدمها المختصون:

1- الحصول على قسط كاف من النوم لا سيما في أول الليل، فإن الاختلال في النوم يسبب اضطرابات نفسية وعصبية مع تعب جسدي، والمعروف في شهر رمضان كثرة السهرات خصوصا لدى البعض الذين يعشقون السهر ولا ينامون حتى ساعات الصباح الأولى مما ينتج عن ذلك توتر انفعالي في تعامله مع المحيطين به.

تصف عائشة «رضي الله عنها» مواعيد نوم النبي «صلى الله عليه وسلم» بقولها: «كان النبي ينام أوله ويقوم آخره فيصلى ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذَّن المؤذن وثب فإن كان به حاجة اغتسل وإلا توضأ وخرج» رواه البخاري.

2- الحرص على وجبة السحور وتأخيره، وسمي سحوراً لأنه يؤكل في وقت السحر، وهو آخر الليل، وأوصانا به النبي «صلى الله عليه وسلم»: (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) أخرجه البخاري.

وتناول السحور يفيد في منع حدوث الإعياء والصداع أثناء نهار رمضان، ويخفف من الشعور بالعطش الشديد ويقول النبي «صلى الله عليه وسلم»: «لا تزال أمتي بخير ما تجملوا ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور».

3- الكف عن التدخين، ومعالجة الآثار الانسحابية لفقدان الجسم للنيكوتين والكافيين والحقيقة أن شهر رمضان علاج مجاني للأعراض الانسحابية، لكن قد يحتاج بعض المدخنين إلى معالجات طبية مساعدة من لصقات أو عقاقير أو أجهزة تعين المدخن على ترك التدخين، لكن العنصر الأهم هو الإرادة التي لا توفرها تلك العقاقير أو الأجهزة.

اجعل من (إني صائم) تذكيرا لك بأن تكون واحة آمنة وسلاما اجتماعيا حيث حللت في البيت والطريق والعمل، ولا تجعلها تبريرا لفظاظتك أو غلظتك، ولنتذكر أننا حُرمنا من تعيين ليلة القدر بسبب مشاجرة بين رجلين، فقد قال نبينا «صلى الله عليه وسلم»: (إني خرجت لأخبركم بليلة القدر وإنه تلاحى (تشاجر) فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في السبع والتسع والخمس) رواه البخاري.

 

من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا) لفت نظري هذا الدعاء فاستدعيت «همي» يوماً من داخل قلبي، حتى أصارحه ويصارحني، فقلت: يا همي ما أصناف الهموم عندكم؟ قال: عندنا الهموم صنفان: إما هم دنيوي أو أخروي، قلت: وكيف أعرف نفسي، وأصنف همي؟

قال: تستطيع أن تعرف همك من العلامات التي ذكرها ابن قيم الجوزية –رحمه الله– حين قال: إذا أصبح العبد وأمسى ليس همه إلا الله وحده: تحمل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وأما من كان همه الدنيا وما فيها حمله الله هموم الدنيا وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم، وإشغالهم فهو يكدح كدح الوحوش.

قلت: أريد أن أسالك سؤالاً ولكني أستحي لأني مقصر في حق ربي، قال: لا تتردد فحوارنا هذا سيساعدك على جعل همك للآخرة، قلت: كيف أعرف أن همي أخروي؟ قال: إنه لسؤال جيد ومهم وقد كفانا إجابته الإمام المحاسبي رحمه الله عندما وصف نظرة الناس لمن كان همه الآخرة فقال: يحسبه الجاهل صميتاً عيياً وحكمته أصمتته، ويحسبه الأحمق مهذاراً والنصيحة لله أنطقته، لا يتعرض لما لا يعنيه، ولا يتكلف فوق ما يكفيه، الناس منه في راحة، وهو من نفسه في تعب، قد أمات بالورع حرصه، وحسم بالتقى طمعه، وأفنى بنور العلم شهواته.

قلت: إنه لوصف جميل ولكني سمعت مرة أنه من جعل الدنيا همه أعطاه الله ما تمنى، ومن جعل الآخرة همه رزقه الله الآخرة وأقبلت عليه الدنيا، فهل هذا صحيح؟ قال: نعم وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: (من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له)، قلت: لم أفهم عبارة (جعل الله فقره بين عينيه)؟ قال: يعني الفقر يكون ساكنا ومقيما بين عينيه فمهما كان لديه من النعم من مال وصحة وزوجة وأولاد وسكن وأمن وعمل، فإنه دائما يرى نفسه فقيرا ومحتاجا لأن عينه لا ترى إلا الفقر الذي أمامها ولا يستطعم بلذة النعمة أو يستمتع بها، وهذا حال أكثر الناس.

قلت: والله كلامك صحيح فإني أعرف رجلا يملك مليون دينار فلما قيل له إن زكاتك خمسة وعشرين ألفا قال إنها كثيرة، فعينه رأت الخمسة والعشرين ألفا وهي نسبة 2.5% وهو حق الفقراء ولم تر التسعمائة وخمسة وسبعين ألفا وهي نسبة 97.5% والتي في ملكه، قال: نعم هذا صحيح وبعض الناس يرى النعمة التي عند الآخرين ولا يرى الخير الكبير الذي ينعم به، فهذا ممن جعل الله فقره بين عينيه.

قلت: أنا أتمنى أن يكون همي الآخرة فأعطيها الأولوية في حياتي، قال: لقد ذكرت لك كيف تجعلها أولوية في حياتك، وإن أركان الإسلام تساعدنا على ذلك فقد جعل الله لنا في اليوم خمس صلوات حتى يكون القلب بين حالتين، إما في الصلاة، أو في انتظار الصلاة، فيعيش دوماً مع الله تعالى ولا تشغله الدنيا بمشاغلها، وأما الصيام فأنت تعيش ثلاثين يوما في السنة مع الله تعالى في الليل والنهار وأما الحج فمرة في العمر، فكل هذه تساعد القلب ليكون همه الآخرة فيسعد في الدنيا والآخرة ومع هذا نقول لك (ولا تنس نصيبك من الدنيا).

JoomShaper