الدستور – رنا «محمد حسن» الهنيني
أسباب السرقة كثيرة ومتعددة حالاتها عند الأطفال، فكثيراً ما يلجأ الطفل إلى السرقة بغرض لفت الانتباه إليه حتى وان لقي جزاءه بالعقاب، وقد تنتشر في العائلات التي تكثر فيها المشاكل بين الزوجين، حيث أن هذه المشاكل تستنفد الوقت والجهد من الزوجين، ليكون اهتمامهما بأطفالهم قليلا وتكون الرعاية والتعليم محدودين.
وقد يلجأ الطفل إلى السرقة في الأسر التي تعودت فيها الأم على الاحتفاظ بكل شيء مغلق وبعيداً عن متناول أطفالها، ويكون هذا إثر رغبةٍ في داخل الطفل لكي يتعرف على ما تحويه هذه الأماكن المغلقة من خزاناتٍ ودواليب، فإن حدث وسهت الأم عن إحداها فإنه يسرع بالعبث في محتوياتها لإشباع فضوله، فإذا عوقب على هذه الأفعال فقد يستمر في سرقة بعض الأشياء بغرض الانتقام من الأم وقسوتها.
برنامج خاص
تبين صفاء تيسير وهي ام لاربعة اطفال:»كثيراً ما يكون للأطفال برنامجٌ خاص في كل يوم من أيامه، وبهذا يصبح غير قادر على التصرف ساعة واحدة من ساعاتها، حتى وان كانت أسرته ليست في بسطةٍ من الرزق ، إلا أنها تتكبدُ شططاً لمنحة أكبر قسط من التعليم والتربية والتهذيب ، لكن لربما في أحد الأيام لن يشعر بالحرج فيما لو سرق بعض الفاكهة من حديقة الجيران، ثم تدرج في أن يسرق أكبر من ذلك مثلاً ... حافظة نقود أمه، وفي أحيان أخرى يلجأ الطفل إلى السرقة كوسيلةٍ لإثبات ذاته وسط زملائه، وخاصة إن كان في فترة المراهقة، فهو يحب الظهور بمظهر جيد بين أصدقائه أو أن يقوم بدور المغامر البطل فيندفع نحو السرقة لإشباع هذا الميل».

كيف يمكن القضاء على هذه الظاهرة؟
إن لكل طفل قلبا ينطوي في تلافيف نفسه معاذيرٌ وأسبابٌ دفينة يصعب علينا تخمينها وإماطة اللثام عنها،يقول سامي قداح ولديه ثلاثة اطفال:»إن اكتشف أحد الوالدين أن ابنه «يسرق» عليه أن يضع الأسباب التي أدت بولده إلى السرقة ، وان يفهمها على حقيقتها وأن يضع مبادئ تنطبق على الكبار الراشدين وما ينطبق على هؤلاء لا ينطبق على الصغار، فهناك أطفال يسرقون لأنهم ضحية القدوة السيئة من رفاق السوء أو زملاء في المدرسة ولربما تكون عائلاتهم نفسها».

ويضيف قداح:» وقلما نجد أن السرقة ناتجة عن علةٍ مرضية؛ فلو درسنا هذه الأسباب جيدا والدوافع التي أوصلت الطفل إلى هذه المرحلة بالتأكيد سوف يحس بجرحهِ ويدلل على هذا الإحساس بالصياح والبكاء، ذلك ان الشعور بالإثم عند الأطفال أكبر وأعظم مما نتصور، ولكن فيما لو تجاهلنا أمر السرقة ولم نسأل عنه ولم نبدِ اهتمامنا فذلك سيكون مشجعاً للطفل في ان يستمر في محاولاته».

نظرة الاهل
وهنا يبدأ التفكير في العلاج لهذا السلوك ، فإذا أمكننا تقصي ومعرفة الأسباب علينا أن لا نحدثهُ بأمرها، لأننا بذلك نجرح أحاسيسه إلى ابعد حد في نفسه، وإن قمنا بعلاجها بطريقةٍ سلبية لا ريب انه سوف يستغل الكذب للخروج من هذه المأساة التي يشعر بها كأن يقول «لست أنا من فعلها بل أخذها فلان .. ابن الجيران ...أو .. أو .... « وننتقل إلى مشكلةٍ أكبر منها وهي الكذب.

توضح هويدا محمد وهي ام لطفلين:» هنالك اختلاق أسباب ومعاذير لا يمكن للعقل تصورها أو يقتنع بها، كأن ينكر مثلا ويلح في إنكاره الحقيقة المقطوع بها، فلا يجب على الآباء أن يصابوا بالذعر أمام تلك الأعمال وتجسيمهم للأمور وتصورهم بأن الذي وقع هو كارثة كبرى ، وبهذا يحملون الأطفال ذنبا كبيرا، وكثيرا ما يلحقونهم بالعقوبات الشديدة ، ولا يجب أن نشتط في عقابه إلى حد الظلمة وإلا فإننا نوقظ فيه تلك النوازع الداخلية التي تدفعه نحو السرقة».

عقوبات
وتقول هويدا:»وفي مجتمعاتنا نلاحظ لجوء بعض الأمهات والمربيات إلى عقوبات تذلل كرامة الطفل، نضرب مثلاً قيام الأم بمعايرة الطفل أمام إخوته أو زملائه ، فإن رأى الطفل بأن الجميع ينظر إليه كسارق فيعتقد أن هذا الدور هو ما يجب عليه أن يمارسه، وفي وقتٍ آخر تقوم المربية أو الأم بإجبار الطفل على الاعتراف بجرمهِ أمام أسرته أو تلاميذ الفصل في المدرسة، وإذا انتقلنا إلى نوع آخر من الآباء الذين يبررون خطأ ابنهم بأنه مهارة ، بمدحهم للطريقة التي سرق بها، فبذلك يتمادى إلى حد الرغبةِ في استفزاز أحد والديه ليرى إلى أي حدٍ يستطيع استفزازهما ليجذب الأنظار إليه، وذلك نتيجة لإحساسه بأنه لا ينال قدر من الرعاية من احد والديه، وليس القصد أن نترك للابن الحبل على غاربيه فكما يريد يفعل فإن هذا يتساوى من حيث الخطورة مع بطشنا به».

رأي علم الاجتماع
يقول الدكتور حسين الخزاعي استاذ علم الاجتماع: هناك أشياء يمكن للطفل الحصول عليها وأخرى ليست من حقه، كما أن تركيز وسائل الإعلام على قصص الأمانة وتقدير هؤلاء الأشخاص والاهتمام بهم، كذلك أن لا نضع اللص في أفلام الأطفال بصورةٍ محببة يتعاطف معها الأطفال ويحاولوا تقليدها، وأن نتجنب الاندفاع الأهوج إلى إشعارهِ بسوء ظننا به وتخوفنا منه وعدم الثقة بتصرفاته، كأن نقفل جميع الأدراج بالمفاتيح وفي الوقت نفسه أن لا نسرف بالثقة الزائدةِ عن الحد، فإن كانت النقود ملقاة هنا وهناك فإن هذا إغراءٌ للطفل بالسرقة.

كما أن علينا أن ننمي مواهب الأطفال ونجعل لهم متسعا من الوقت للتصرف بحرية ، كأن يكتبوا القصص أو التوجه اهتماما خاصة بالألعاب لرياضية، والاهم من هذا وذاك إحاطة الأطفال بجو من الرعاية والحنان والاستقرار ومكافأة الطفل على تصرفاته الأمينة مع نفسه والآخرين وتعليم أبنائنا القيم والمبادئ والمثل الأخلاقية، فالطفل من جانب تكوينه النفسي أناني ينظر إلى الدنيا من خلال نفسه ، ويظن انه محور الكون فبذلك يلجأ إلى أخذ ما يروق له حتى وان لم يكن ذلك الشيء خاصا به.

JoomShaper