لها أون لاين
مرت على الأمة الإسلامية على مدار تاريخها العديد من المحن العنيفة، والأزمات الطاحنة التي كادت تعصف بها نتيجة لحالة من الغفلة والترهل والنزاع والشهوات التي تصيب المجتمعات، وكانت هذه المحن دائما سبب رئيس في إفاقة الأمة ونهضتها من جديد، فتتحول المحن إلى منح، وتتبدل الأتراح إلى أفراح. وكانت إفاقة الأمة في كل مرة تعتمد دائما على إستراتيجية واضحة كل الوضوح، لمواجهة الأزمات التي تواجهها، وتغيير واقع المحنة وذلك من خلال ثلاثية: تغيير الأفكار السلبية السائدة في المجتمع، وتوفير الروح المعنوية العالية لدى المسلمين، وتصحيح السلوك الذي قاد لذلك الواقع المأزوم.
ولو تتبعت التاريخ الإسلامي لوجدت هذه الإستراتيجية الثلاثية هي أداة التجديد والتغيير التي كان يعتمدها دائما المصلحون المسلمون للنهوض بمجتمعاتهم، كلما أخذ المجتمع في الانحدار نتيجة لعوامل داخلية أو خارجية، فيعود المجتمع إلى الصعود من جديد.
حدث هذا خلال الحروب الصليبية التي أدت إلى وحدة الأمة من جديد تحت قيادة صلاح الدين، وبثت روح الجهاد التي كادت أن تنطفئ مع مرور الوقت، كما حدث هذا خلال اجتياح التتار للعالم الإسلامي، وما أوقعوه من مجازر وجرائم هزت المجتمعات الإسلامية، وجعلت قادتها يلتفون حول قطز في معركته الفاصلة "عين جالوت" فتتحول الهزيمة إلى انتصار وتتبدل المحنة إلى منحة، بل وتعتنق قبائل المغول ذاتها الدين الإسلامي.
لقد كان للعلماء وللمصلحين من أمثال الغزالي وابن الجوزي خلال الحروب الصليبية والعز ابن عبد السلام وابن تيمية خلال حروب التتار، بالإضافة إلى تلاميذهم، دورهم في قيادة الأمة وتطبيق الإستراتيجية الثلاثية للتغيير، فيقومون بتصحيح العقائد وتقويم السلوك ومحاربة الأفكار الهدامة، والحث على الجهاد والشهادة في سبيل الله وتحريك المجتمع للوقوف إلى جانب قادتهم في معاركهم ضد الغزاة.
انطلقت الحروب المضادة للصليبيين والتتار من قاعدة صلبة قوية ومأمونة، شيدها العلماء والمصلحون في إطار هذه الإستراتيجية ثلاثية الأبعاد، فتكونت داخل المجتمعات الإسلامية جماهير مؤمنة مجاهدة واعية فرضت نفسها على الأحداث، و استعان بها القادة في معاركهم، وفرضت هي خياراتها على هؤلاء القادة فكان التغيير والتجديد.
لم تكن قوة المعسكر الإسلامي في ذلك الوقت في عتاده وقدراته القتالية بقدر ما كانت في هذه الطبقة المؤمنة، صاحبة العقيدة الحية والروح المعنوية العالية والسلوك المستقيم، وهذه هي القوة الحقيقية التي كانت تقود الأمة دائما لتجاوز أزماتها ومواجهة المحن.
أمتنا وتجاوز المحن
- التفاصيل