علي مختار محفوظ
شهدنا اجتهاد المسلمين في شهر رمضان، وفرحنا بإقبال الصائمين على القيام في المساجد، وسعدنا بالتنافس بين المسلمين على الطاعات خاصة في أوائل رمضان، وتسابق الجميع للخيرات، فأقبل بعضهم على قراءة القرآن، وتدبره والعمل به، وتصدق الكثيرون وجادوا بالمال على الفقراء وساعدوا المساكين، وقام عدد كبير بإطعام الطعام، وإفطار الصائمين، وانتشرت موائد الإفطار، وتعددت أعمال الخير.
ويحزن المسلم لما تهدأ هذه الطاعات بعد رمضان، وخاصة عندما يصاب بعض المسلمين بالفتور أو يتكاسل بعضهم عن هذه الخيرات.
والذي نريد أن نركز عليه الآن هو كيف نحافظ على ما حققناه في رمضان من مكاسب، والتي منها: استمرار الاجتهاد في الطاعات بعد رمضان وكيفية المحافظة على الطاعات التي اجتهدنا في فعلها كالصيام والقيام والصدقة وقراءة القرآن، والمحافظة على الصلوات في المسجد، وهذه الأمور المهمة العملية، وهي تسبقها أمور إيمانية وسلوكية، فلا بد من استمرار صيام التطوع بعد رمضان، خاصة وقد عرفنا قيمة وفضل الصيام والذي يستمر بعد شهر الصيام، كما في الحديث: "من صَامَ رَمضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِستٍّ من شَوَّالٍ فَذَلكَ صِيَامُ الدَّهرِ"رواه مسلم.
ونريد أن نركز في هذا المقال على أهم المكاسب التي حققناها في رمضان، من النواحي الإيمانية والنفسية، خاصة وقد ارتفعت عزيمة المسلمين في شهر الصيام، وقويت إرادتهم، وتمكنوا من الانتصار على أنفسهم، ونشعر دائما أن الانتصارات الحاسمة للمسلمين تحققت في رمضان، مثل غزوة بدر، وفتح مكة، وحصل الانتصار في رمضان في بعض المعارك الحاسمة مثل معركة القادسية، وفي الحروب مع الصليبيين في حطين، وأمام التتار في عين جالوت؛ وذلك لأن المسلمين مهيئون في رمضان أكثر من غيره لأن يتنزل عليهم نصر الله تعالى، لأنهم نجحوا في مجاهدة أنفسهم وكبح جماح شهواتهم، مع الحرص على الطاعات في رمضان، والتي تجعلنا نجاهد أنفسنا وننتصر عليها، حتى نستحق أن يتنزل علينا نصر الله تعالى، فهذه الأعمال الصالحة، والنجاح في مجاهدة النفس هي من أهم أسباب حصول النصر كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ"سورة محمد.
فإذا كنا قد قويت إرادتنا في رمضان، بسبب أننا نجحنا في جهاد أنفسنا، وقد امتنعنا بإرادتنا عن الطعام والشراب والشهوة في نهار رمضان، فكيف لا نمتنع عن المحرمات إذا أفطرنا، وقد قويت إرادتنا وامتلكنا زمام عزيمتنا، وحاولنا الوصول للهدف من الصيام، وذلك بتقوية الإرادة نصل لثمرة الصيام، فصيام رمضان من الفرائض التي نتقرب بها إلى الله تعالى إضافة للنوافل والعبادات، وهي التي لا يقبل الله تعالى منا أن نتقرب بها إليه، ، كما في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: "إنَّ اللهَ قال: من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحربِ، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحبَّه.." فلا بد من الحرص على مجاهدة أنفسنا لتقوى إرادتنا، ونجعل أنفسنا تصبر على فعل الأعمال الصالحة، وتبتعد عن المعاصي، وتصب على أقدار الله المؤلمة، مع استمرار الاجتهاد في الطاعات والمداومة على أعمال البر، ونحاول تنفيذ وصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"متفق عليه.
فالإرادة معناها أن تريد شيئاً وتقرر اختياره، وتحاول أن تصر على تنفيذه حتى تنجح في الوصول إليه في النهاية، ولكي نصل لهذه الإرادة القوية لا بد أن نتعلم ونتدرب في مدرسة الصوم، والأطباء النفسيون يذكرون أن من يريد أن يهذب سلوكه، أو يكتسب سلوكا حسنا، أو يتخلى عن خلق سيء، فلا بد أن يدرب نفسه من ستة أيام إلى عشرين يوما، وهذا الأمر يتكرر في صيام شهر رمضان الذي يستمر لمدة 29 يوما أو ثلاثين يوما، وفي رمضان يتدرب المسلم على قوة الإرادة ويحاول أن يدرب نفسه لتسمو روحه وتهذب أخلاقه، وإذا تأملنا هذا الحديث: "فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب، وإن سابه أحد فليقل إني صائم إني صائم، الذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم عند الله أفضل من ريح المسك"متفق عليه، سنجد أن فيه جهاد للنفس، وتعويدها على الانضباط وعدم الغضب، والالتزام السلوك القويم.
وإذا حاول المسلم مجاهدة نفسه، وحاول أن يتعلم كيف نجاهد أنفسنا، وحاول التخلق بالأخلاق الفاضلة في الصيام، فهو يربي في نفسه قوة الإرادة وصدق العزيمة، مع الحرص على إرضاء الله تعالى، ويجعل من الصوم وسيلة لتحسن الأخلاق، وتهذيب السلوك، فهذه هي التربية الحقيقية في مدرسة الصوم مع نيل الثواب والأجر، فالصوم مدرسة متكاملة نتعلم فيها ونتدرب على تقوية الإدارة، والسمو بالروح، والصيام الذي يقوي الإرادة يمكن أن يتحقق، سواء في صوم التطوع أو صيام الفريضة.
وإذا نجحنا في جهاد أنفسنا، واستطعنا تغيير سلوكنا للأفضل في رمضان فلنحاول أن نستمر على جهاد أنفسنا دائما، وإذا ضعفت إرادتنا، أو لم ننجح في تهذيب نفوسنا، أو تغلبت علينا الشياطين ووقعنا في شيء من المعاصي، فعلينا التوبة و الندم مرة أخرى، ونحاول أن نستمر في مجاهدة أنفسنا، فهذه المجاهدة عملية مستمرة، للوصول للتقوى، والسير في طريق الاستقامة والبعد عن طريق الغواية.
وقد تعلمنا في شهر رمضان أن نتوجه بأعمالنا لله تعالى وحده، وهذا يعودنا على الإخلاص لله تعالى لأنه هو وحده الذي يطلع على صيام العبد، ونربي أنفسنا على ذلك خلال شهر رمضان؛ فهل سنعود أنفسنا على الإخـــــلاص لله تعالى دائما، في جميع أعمالنا.
المحافظة على المكتسبات بعد رمضان
- التفاصيل