عائشة محفوظ(*)
النفس ركوبة العبد للدار الآخرة، إما جنة وإما نار، ولجامها ـ أي مكابحها أو فراملها ـ الصبر، وحياتك في الدنيا أيام، إن وظفتها توظيفا صحيحا لخيري الدنيا والآخرة، فأنت في جنة، وإن لم تدخل جنة الدنيا، فلن تدخل جنة الآخرة.
فالمؤمن يعيش في سعادة ورضا؛ إذا علم حقيقة الدنيا، واستعد للآخرة، ولا يوجد عنده تمزق داخلي، ولا يعيش في تشتت أو ضياع، قال الله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ "سورة النحل 97، وهذه هي السعادة الحقيقة.

النفس أنواع:
وصف الله سبحانه تعالى النفس في القرآن الكريم بثلاث صفات أو ثلاث درجات، فهي ثلاثة أنواع.
أما النوع الأول: وهي أدنى وأخس درجة، و هي النفس الأمارة بالسوء، وهي التي تدعو صاحبها إلى ارتكاب الآثام، وفعل المعاصي، و تأمر صاحبها بما تهواه من الشهوات والملذات الحسية، أو تدل صاحبها على الأخلاق القبيحة كالظلم أو الحقد أو الفخر وغير ذلك من مخالفات للشرع، وفعل ما نهى الله تعالى عنه، فإن أطاعها العبد قادته لكل قبيح ومكروه قال تعالى: "إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ" سورة يوسف : 53، فهذه النفس أمارة وليست آمرة، كما  ذكرها الله تعالى في الآية، لكثرة ما تأمر به من السوء، ولأن ميلها للشهوات يعتبر عادة فيها، إلا إذا رحمها الله عز وجل وهداها رشدها، وهذه هي النفس التي يجب على العبد مجاهدتها.
أما النوع الثاني، أو الدرجة الثانية التي يمكن للنفس أن تعلو إليها فهي النفس اللوامة، وهي النفس التي تلوم صاحبها على ما صنع، وهي التي تندم على ما فات وتلوم عليه، وهذه نفس متقلبة لا تثبت على حال، فهي كثيرة التقلب والتلون، فتذكر مرة وتغفل مرة، تقاوم الصفات الخبيثة مرة، وتنقاد لها مرة، ترضي شهواتها تارة، وتجاهدها مرة أخرى، قال تعالى: " لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ"سورة القيامة.

أما النوع الثالث أو الصفة الثالثة أو أعلى مرتبة يمكن أن تصل إليها النفس وترقى هي النفس المطمئنة، وهي نفس المؤمن الذي يحمد الله تعالى في السراء والضراء، ويرعى الله تعالى في كافة شؤونه، فلا يؤذي جاره، ولا يعادي مسلما، ولا يظلم أحدا، ويؤدي واجبه، ويتقن عمله.
فالنفس المطمئنة هي النفس التي سكنت إلى الله تعالى، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، وأطاعت أمره، واستسلمت لشرعه واشتاقت إلى لقائه، فكرهت كل معصية، وأحبت كل طاعة، وتخلقت بالأخلاق الحميدة، وتخلصت من الصفات الخبيثة، والأخلاق السيئة، واستقرت على ذلك فهي مطمئنة، وهذه النفس هي التي يقال لها عند الوفاة: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي"سورة الفجر.

وقد دعانا الله تعالى إلى مجاهدة النفس، وكبح جماحها، فالنفس هي قوام حياة الناس، وتكون سببا في دخول العبد الجنة أو إلقاءه في النار، فمن استجاب لأوامر الله تعالى، وجاهد نفسه وكبح جماحها، وأبعدها عن هواها وشهواتها، ونجح في إلزامها التقوى والعمل الصالح، فنهايته بإذن الله إلى الجنة.
وأما من فشل في مجاهدة نفسه، ولم يفلح في كبح جماحها، وتغلبت عليه الشهوات، ووقع في الخطأ والخطيئة فيصدق عليه قول الله تعالى: "فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى، فَأَمَّا مَن طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى"سورة النازعات.

والروح والنفس معناهما واحد، يقول الله تعالى: "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"سورة الزمر42، فلا فرق بينهما ما دام الإنسان حيا، أما بعد وفاته فإنه روح بلا نفس.

الارتقاء من درجة لأخرى بحسب المجاهدة:
وللإنسان نفس واحدة تتعدد أوصافها باعتبار ما تفعله، فإن أمرت صاحبها بالسوء كانت أمارة بالسوء، وإن لام نفسه على فعل الشر كانت نفسه لوامة، وإن تاب وأحسن العمل كانت النفس المطمئنة، وإن زاد تقربها وتعلقها بالله كانت نفسه راضية مرضية، وهي نفس من جاهد نفسه وتخلص من شرورها، وتغلب على هواه، وكبت شهواته عن الحرام، وارتفع عن النقائص، فتسمو نفسه إلى الخير والحق، وتطمئن وتصل بالإنسان إلى منزلة الهداية والرشاد، ويحبب الله تعالى إليه الإيمان، وكان أهلا لدخول الجنة، ومرافقة الصالحين في الآخرة: "وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ"سورة الحجرات 7، ومن وصل لهذه الدرجة، وتلك المنزلة يكون قد نجح في مجاهدة نفسه، والرقي بها للوصول للفلاح، قال تعالى: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"سورة الشمس. وكل العبادات تعين على تزكية النفس وطهارتها، وعدم اتباع هواها، ومن أداها بإخلاص وتقوى، وحسن اتباع، كانت غفران للذنوب، وتزكية للنفس وصفائها، اللهم أت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرجع الأساس: كتاب العقائد للشيخ سيد سابق.

(*)حاصلة على بكالوريوس تجارة من جامعة الإسكندرية(1977م)، و حاصلة على شهادة من معهد إعداد الدعاة بالإسكندرية.

JoomShaper