أسماء زكي
ميدان معركة بناء النفس هو أصعب ميادين البناء ، فالنفس البشرية  تحمل قدرا كبيرا من التعقيدات والتناقضات  يصعب مهمة البناء فهي ليست حجارة صلدة، ولا استقامة ملائكية وإنما النفس الإنسانية طبيعة مزدوجة تحمل الخير والشر ، المعرفة والجهل ، فيها الغرائز، غرائز  حب البقاء، وحب التكاثر والثراء، وإشباع الشهوات الجنسية، وفيها النزعات: نزعات الثأر، والحذر، والدفاع عن عقيدتها، وحب شيوعها.
لكن إن استقامت هذه النفس لصاحبها وتمكن من بنائها وتطويعها على منهج الله وأخلصت لله ..  استقام له كل شيء ، وضمن السعادة في الدنيا والآخرة ورضا الله عنه وأرضا عنه الناس ، ولا يتمكن للمسلم من الانتصار في أي معركة في الحياة قبل أن ينتصر على نفسه أولا.
حاكم العقل وحاكم الدين
ولا يتحقق الانتصار على نوازع النفس البشرية وشهواتها  إلا بأحد أمرين :
الأول : أن يتمكن الإيمان بالآخرة  من قلبه وما أعد الله فيها من الثواب لمن أطاعه والعقاب لمن عصاه فيؤثر رضا ربه على راحة نفسه ويطوع نوازعها ويجبرها على طاعته أملا في الثواب وخوفا من العقاب  حتى يكون هواه تباعا لما أمر به.
والثاني: أن يكون الشخص صاحب عقل وبصيرة فيغلب عقله على هوى نفسه ونوازعها، ويعلم الهوى والشهوات من المفاسد وما في العدول عنها من المصالح ، فيروض نفسه بالعقل والعلم ،  ويؤثر الأعلى على الأدنى.
فينبغي لكل من ترد عليه خواطر ونوازع  النفس الإنسانية أن يكون له حاكمان يرفع إليهما حوادث الهوى وما يرد عليه ، حاكم العقل وحاكم الدين ، وأن ينقاد لحكمهما .

يوسف جمع الأمرين :
وقد جمع الله سبحانه وتعالى ليوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه بين الأمرين فاختار عقوبة الدنيا بالسجن على ارتكاب الحرام فقالت المرأة ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاختار السجن على الفاحشة ثم تبرأ إلى الله من حوله وقوته وأخبر أن ذلك ليس إلا بمعونة الله له وتوفيقه وتأييده لا من نفسه فقال  وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فلا يركن العبد إلى نفسه وصبره وحاله وعفته ومتى ركن إلى ذلك تخلت عنه عصمة الله وأحاط به الخذلان.

شبيه يوسف:
ومما يروى في هذا الصدد أن فتى من أهل المدينة كان يشهد الصلوات كلها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان عمر يتفقده إذا غاب فعشقته امرأة من أهل المدينة فذكرت ذلك لبعض نسائها فقالت أنا أحتال لك في إدخاله عليك فقعدت له في الطريق فلما مر بها قالت له إني امرأة كبيرة السن ولي شاة لا أستطيع أن أحلبها فلو دخلت فحلبتها لي وكانوا أرغب شيء في الخير فدخل فلم ير شاة فقالت اجلس حتى آتيك بها فإذا المرأة قد طلعت عليه فلما رأى ذلك عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه فأرادته عن نفسه فأبى وقال اتقي الله أيتها المرأة فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله فلما أبى عليها صاحت عليه فجاءوا فقالت إن هذا دخل علي يريدني عن نفسي فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه وأوثقوه فلما صلى عمر الغداة فقده فبينما هو كذلك إذ جاءوا به في وثاق فلما رآه عمر قال اللهم لا تخلف ظني به قال مالكم قالوا استغاثت امرأة بالليل فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها فضربناه وأوثقناه فقال عمر رضي الله عنه اصدقني فأخبره بالقصة على وجهها فقال له عمر رضي الله عنه أتعرف العجوز فقال نعم إن رايتها عرفتها فأرسل عمر إلى نساء جيرانها وعجائزهن فجاء بهن فعرضهن فلم يعرفها فيهن حتى مرت به العجوز فقال هذه يا أمير المؤمنين فرفع عمر عليها الدرة وقال أصدقيني فقصت عليه القصة كما قصها الفتى فقال عمر الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف.

طريق الخلاص:
لكن من ركن إلى نفسه وشهواتها ، يمكنه محاسبة نفسه وأن يعود من جديد وأن يطهر نفسه ممن خالطها من أدران الهوى و ويخلصها من أسر الشهوات وذلك بعدة أمور:
1-عزيمة حر يغار لنفسه وعليها.
2- جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة.
3- قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة والشجاعة كلها صبر ساعة وخير عيش أدركه العبد بصبره .
4-  ملاحظته حسن موقع العاقبة والشفاء بتلك الجرعة.
5- ملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه .
6- إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى وفي قلوب عباده وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى.
7-  فرحه بغلبة عدوه وقهره له ورده خاسئا بغيظه وغمه وهمه حيث لم ينل منه .
8- التفكر في أنه لم يخلق للهوى وإنما هيئ لأمر عظيم لا يناله إلا بمعصيته للهوى وعلو همته.
9- أن لا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيم أحسن حالا منه فإن الحيوان يميز بطبعه بين مواقع ما يضره وما ينفعه فيؤثر النافع على الضار.
10- أن يسير بقلبه في عواقب الهوى فيتأمل كما أفاتت معصيته من فضيلة وكم أوقعت في رذيلة وكم أكلة منعت أكلات وكم من لذة فوتت لذات وكم من شهوة كسرت جاها ونكست رأسا.
11- أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى فإنه ما أطاع أحد هواه قط إلا وجد في نفسه ذلا ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكبرهم فهم أذل الناس بواطن قد أجمعوا بين فصيلتي الكبر والذل. 
12- أن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه ونيل اللذة المطلوبة فإنه لا يحد بينهما نسبة البتة فليعلم أنه من أسفه الناس ببيعه هذا بهذا.
13- أن يأنف لنفسه أن يكون تحت قهر عدوه فإن الشيطان إذا رأى من العبد ضعف عزيمة وهمة وميلا إلى هواه طمع فيه وصرعه وألجمه بلجام الهوى وساقه حيث أراد.
14-  أن يعلم أن الشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه فإنه يطيف به من أين يدخل عليه حتى يفسد عليه قلبه وأعماله فلا يجد مدخلا إلا من باب الهوى فيسري معه سريان السم في الأعضاء.

المراجع:
-   المنطلق ، محمد أحمد الراشد
-   روضة المحبين، ابن القيم الجوزية
-   جيل النصر المنشود ،جدي الهلالي

JoomShaper