أمة الله محمود أم تسابيح(*)
كم مرة تذكرت وأنت تمر بك أحداث مؤلمة أن الله تعالى حليم بك؟.
وكم مرة تعرضت لمشكلة عويصة، شعرت معها بالعجز والفقر، وضيق الصدر، وكنت تظن أنها لن تمر بسلام، ثم مرت بسلاسة وبدون خسائر كبيرة.
كم مرة وقعت في مصيبة، وظننت أن الكل ضدك، والظروف صعبة، ثم لجأت بصدق إلى الله تعالى، فوجدت أنه يقف بجانبك، يحلم بك، يرحمك، يغمرك بعطفه، يلطف بك.
كم لحظة تدبرت هذه الأمور واسترجعت فحمدت الله تعالى؟
وكم وكم، ثم وقفت لحظة مع نفسك، وتنفست نفسا عميقا، وقلت: يارب أنت الله الحليم.
ماذا نفعل عند وقوع المصيبة فجأة:
وهذا ما حدث معي، فكنت أسير ومعي ابني الصغير، وهو يمسك بيدي، وفجأة وفي لحظة واحدة وجدت ابني قد انجذب للأسفل، فالتفت فوجدت ابني قريبا من عجلات سيارة، أو هو فعلا تحت العجلات، ويصرخ وهو ممسك بيدي، ما شعورك الآن؟
فلذة كبدك، يكاد يصاب تحت عجلات السيارة، وأنت تمر عليك الأحداث سريعة، وتنزعج من الأفكار الرديئة، والتوقعات المحزنة، وقد أتساءل كيف حدث هذا؟ ومتى حدث؟ ونحن نسير معا! و ابني ممسك بيدي!
فإذا بي أجذب ابني بقوة، وبسرعة، ولا أدري من أين جاءتني هذه القوة، وكيف تصرفت بهذه السرعة؟ وكيف نجا ابني من حادث أليم محقق؟
تذكرت أن الله تعالى حليم بعباده، رحيم بهم.
تذكرت أن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء، كما ورد في الأثر(1).
فأي عمل يارب نجانا من هذا؟ أو أي دعوة دعاها أحد لنا؟ أو أي عمل فرجنا فيه عن مسلم كربة، ففرج الله عنا هذه الكربة؟
لم أستطع أن أتذكر شيئا فعلته، أو عملا قدمته، أو صدقة واظبت عليها و دفعتها لفقير أو محتاج، وتذكرت في هذه اللحظة، ـ وأنا ترتعد فرائصي ـ أن الله تعالى لا يحب أن يملأ قلبي إلا بحبه سبحانه، وحب رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وتذكرت حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال الرواي: كنَّا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو آخُذٌ بيدِ عمرَ بنِ الخطابِ، فقال له عمرُ: يا رسولَ اللهِ، لأَنْتَ أحبُّ إليَّ مِن كلِّ شيءٍ إلا مِن نفسي، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا، والذي نفسي بيدِه، حتى أكونَ أحبَّ إليك مِن نفسِك. فقال له عمرُ: فإنه الآن، واللهِ، لأَنتَ أحبُّ إليَّ مِن نفسي، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمرُ" رواه البخاري.
فقد اكتمل إيمانه لما قدم حب الله تعالى وحب رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم على حب نفسه التي بين جنبيه.
فهل الآن اكتمل إيماني، وهل أحسنت التوكل على الله سبحانه وتعالى، هل توجهت إلى الله تعالى بصدق، هل أخلصت له في جميع الأعمال؟
فهل ربي سبحانه وتعالى يرسل لي رسالة لكي أبادر بالعمل الصالح، وللتخفيف عن الآخرين، والمساهمة في تفريج الكروب عن المكروبين، وإدخال السرور على المسلمين، خصوصا زوجي وأهل بيتي.
هل ربي يقول لي: يجب أن تتوجه لي وحدي، هل يملأ قلبك حب أحد غيري، أو تقدم حب نفسك على حب الله خالقك، الذي يحلم عليك، ويدلك على حبه لك، حبك فيرحمك، ويحلم عليك، ويرفق بك.
نعم أنا أحله حبا شديدا لا أعلم لماذا! هل لأنه أنقذ ابني أمام عيني، وأنا لا أملك شيئا، ولا حول ولا قوة لي إلا بالله سبحانه.
ولكني وجدت حب الله تعالى قد تملك زمام قلبي، إنه مليء بالبراءة، وبالدفء، والحب والحنان، ولكنك ياربي أحن فلك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
وتذكرت بعد ذلك رحمة ربي، وحلمه بنا ورحمته بعباده، ورفقه بالعاصين، وفتح باب التوبة للمذنبين، و تذكرت حديث الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم القدسي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: “يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ.. لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَك، يَا ابْنَ آدَمَ.. إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ -أي مِلْء- الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً” رَوَاهُ الإمام التِّرْمِذِيُّ في سننه، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ـــــــــــــــــــــ
(*)أمة الله محمود أم تسابيح: حاصلة على بكالوريوس كلية الخدمة الاجتماعية، وربة منزل، تحاضر وتكتب في بعض المنتديات.
(1) حديث "إنَّ صدقةَ السرِّ تُطفِئُ غضبَ الربِّ" أو "صدقةُ السرِّ تطفِئُ غضبَ الربِّ" أو "إِنَّ الصَّدَقَةَ لتُطفِيءُ غَضَبَ الرَّبِّ وتَدفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ" رواه أحمد والترمذي والطبراني وغيرهم وضعفه عدد كبير من العلماء المتقدمين والمتأخرين.
الله سبحانه الحليم بنا
- التفاصيل