محمود غانم
الحمد لله صاحب الفضل والجود والكرم الذي أنعم على عبادة بنعم لا تحصى ولا تعد والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين.
أما بعد ,,,
أيها الأحباب إن من الأخلاق الجميلة، والصِّفات الحميدة التي حثَّ عليها الشرع ورغَّب فيها (الوفاءَ)، قال الراغب: الوَفاء بالعهد إتمامُه وعدَم نقْض حفْظِه . المفردات" ص 528.
الوفاء من صفات المؤمنين .
قال تعالى:" إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ" (الرعد، آية: 19 ـ 20).
فنعتهم الله تعالى بأولي الألباب، أي: أصحاب عقول، حيث هدتهم عقولهم إلى وجوب احترام العهود والمواثيق التي التزموا بها لخالقهم في الإيمان والعبادة، والمخلوقين في المعاملات والسلوك، فلا ينقضون عهداً ولا ميثاقاً ومنها قوله سبحانه في سياق تعداد صفات أهل البر من عباده، قال تعالى:" وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (البقرة، آية: 177).
فوصف الله تعالى أصحاب هذه الأخلاق، ومنها خلق الوفاء بأنهم أهل صدق وأهل تقوى، وذلك لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، واتقوا عذابه وعقابه الذي وعد به الناكثين والخائنين، ، فإنه سبحانه ذو الوفاء الذي لا يدانيه وفاء، كما أخبر سبحانه عن نفسه وهو أصدق القائلين بقوله:" وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ" (التوبة، آية: 111).

الوفاء صفة من صفات الأنبياء.
الوفاء من صفات أنبياء الله عليهم الصلاة السلام فهذا نبي الله إبراهيم عليه السلام قد ضرب المثل في الوفاء، إذ وفىّ وفاء لم يُعرف أحد من البشر أن ابتلى بمثله، وذلك حينما أمره الله تعالى بأن يذبح ابنه، فلذة كبده بيده فما كان منه إلا أن امتثل أمر ربه، وطاوعه ابنه على أمر ربه، وتلّه للجبين ليحقق أمر الله، فلما علم الله صدقه ووفاءه فداه بذبح عظيم وناداه معبراً عن رضاه عنه وعن وفائه بقوله:" يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" (الصافات، آية: 104 ـ 105) أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم (2/ 560).

كما ابتلاه الله أيضاً بكلمات من التكاليف الشرعية، قال تعالى:" وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" (البقرة، آية: 124).

فاستحق بذلك أن ينوه الله تعالى بوفائه هذا فقال:" وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى".

وكذلك نبي الله يوسف عليه السلام فإن خُلق الوفاء حمله على أن ينسى ما عمله إخوانه معه من مكر وخديعة بحيث كانوا يهدفون إلى أن يلقوه حتفه حينما ألقوه في غيابة الجُبّ، ناهيك عما أورثوه أباهم نبي الله يعقوب عليه السلام من حزن عميق على فقد ابنه يوسف عليه السلام حتى ابيضت عيناه من الحزن، ومع ذلك فلمّا وفد إليه إخوانه بعد أن مكنه الله من خزائن الأرض، قال تعالى:" أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ" (يوسف، آية: 59).

هذا هو الوفاء بحقوق الناس عامة، والإخوان والأرحام منهم خاصة، وهذا هو الخلق الكريم اللائق من نبي كريم، ولا ريب فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم .

ما أعده الله لأهل الوفاء من الأجر والجزاء:

قال تعالى:" إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا" .

فسماهم الله تعالى أبراراً، ومعلوم أن الأبرار لهم صفات كثيرة تدل على عظمة إيمانهم وتعبدهم، ولكن لم يذكر الله تعالى في هذه الآية الدالة على مبلغ ثوابهم وأجرهم إلا صفة الوفاء والخوف، وذلك لأن هذا الوصف أبلغ في التوفر على أداء الواجبات، لأن من وفى بما أوجبه الله على نفسه لله، كان أوفى بما أوجبه الله عليه بالأولى , وذلك يدل على قوة الإيمان، إذ لا يدفع إلى الوفاء بالنذر إلا قوة الإيمان، وتفاوت الناس عند الله تعالى إنما يكون بحسب قوة إيمانهم وضعفه، كما دل عليه قوله تعالى:" إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات، آية: 13).

وفاء النبي صلى الله عليه وسلم.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:، قَالَ: (لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بنتُ أَسَدِ بن هَاشِمٍ أُمُّ عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ، دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا، فَقَالَ: رَحِمَكِ اللَّهُ يَا أُمِّي، كُنْتِ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، وتُشْبِعِينِي وتَعْرَيْنَ، وتُكْسِينِي، وتَمْنَعِينَ نَفْسَكِ طَيِّبًا، وتُطْعِمِينِي تُرِيدِينَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُغَسَّلَ ثَلاثًا، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ الَّذِي فِيهِ الْكَافُورُ سَكَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، ثُمَّ خَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ، فَأَلْبَسَهَا إِيَّاهُ وَكَفَّنَهَا بِبُرْدٍ فَوْقَهُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ، وَأَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، وَعُمَرَ بن الْخَطَّابِ، وَغُلامًا أَسْوَدَ يَحْفُرُونَ فَحَفَرُوا قَبْرَهَا، فَلَمَّا بَلَغُوا اللَّحْدَ حَفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، وَأَخْرَجَ تُرَابَهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاضْطَجَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، اغْفِرْ لأُمِّي فَاطِمَةَ بنتِ أَسَدٍ، ولَقِّنْهَا حُجَّتَها، وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا، بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي، فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وأَدْخَلُوها اللَّحْدَ هُوَ وَالْعَبَّاسُ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ). رواه الطبرانى

نجد في هذا الحديث خلق الوفاء متجسدا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول في أول الحديث ( يَا أُمِّي، كُنْتِ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، وتُشْبِعِينِي وتَعْرَيْنَ، وتُكْسِينِي، وتَمْنَعِينَ نَفْسَكِ طَيِّبًا، وتُطْعِمِينِي تُرِيدِينَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ)) فرسول الله صلى الله عليه وسلم يعترف بجميل هذه السيدة الفاضلة رضي الله عنها حيث أنها كانت تجيع نفسها وتطعمه وتعري نفسها وتكسوه وتمنع عن نفسها ملذات الحياة وطيبها وتوفره لخير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم والله ان العين تكاد تدمع من خلق هذه السيدة الفاضلة ومن وفاء هذا الوفي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ثم أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها خيرا فبين أنها لم تفعل ذلك طمعا في شئ من الدنيا أو ليقال عنها أنها حنونة أو غير ذلك وإنما بين المعصوم صلى الله عليه وسلم أنها إنما فعلت ذلك تبتغي به وجه الله والدار الآخرة فانظر إلى وفاء حبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم..

الوفاء بالعهد.

هذا الخُلق ضاع بين المسلمين إلا مَن رَحِمَ ربِّي - عز وجل - إنه خُلق الوفاء بالعهد، وإنك لو نظرت إلى واقع الأمة اليوم، ستجد كم من الناس مَن يتكلَّم، وكم من الناس مَن يَعِد، وكم من عهودٍ مسموعة ومرئيَّة ومنقولة! ولكن أين صدق الوعود؟! وأين الوفاء بالعهود؟! فقد كثرت في زماننا هذا الوعود، وأكثر منها عدم الوفاء بها، فإذا أراد أحدُنا التهرُّب مِن أخيه، وعده بشيءٍ وهو يعلم أنه لن ينفِّذ ما وعد به، وينسى قول الله - تبارك وتعالى -: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 34].

قبل غزوة "بدر" يخبره حذيفة بن اليمان، والحديث في "صحيح مسلم": أن كفَّار "قريش" قد أخذوه قبل أن يدخل المدينة هو وأبا حُسَيل، فقالوا إنكم تريدون محمدًا، قلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عَهْد الله وميثاقه لننصرفَنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معك يا رسول الله.

فماذا قال لهما صاحب الوفاء يا تُرى؟ ماذا قال لهما مَن بعثه الله ليتممَ به مكارم الأخلاق؟ ومع أنه كان في أشد الحاجة إلى الرجال ليقاتلوا معه ضد المشركين، المشركين الذين أخرجوه من مكة، الذين سفكوا دماء المسلمين واستحلوا أموالهم، وعذبوهم أشد العذاب، وبالرغم من كلِّ هذا، قال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((انصرفَا نَفِي لهم بعَهْدِهم، ونستعين الله عليهم)).

إن كان هذا هو وفاء المسلمين للمشركين، بل للمشركين المحاربين وفي الحرب نفسها، فكيف يكون وفاءُ المسلمين للمسلمين؟!

وهذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي علَّم الأمة كيف يكون الانقياد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - واسمعوا إلى موقفه الذي ترجم فيه خُلق الوفاء بالعهد.

يرسل إليه أبو عبيدة بن الجرَّاح يستفتيه في فتوى غريبة جدًّا، ويقول له: إنَّ أحد الجنود قد أمَّن قرية من بلاد العراق على دمائهم وأموالهم وهي في طريقنا، فماذا نصنع؟ وتأمَّل معي في هذا الموقف الغريب: جندي - لا يُعرف اسمه - من جيش المسلمين يُعطي الأمان لقرية بأكملها، وربَّما هذه القرية إن لم تفتح فقد تكون ثغرة عظيمة يتضرَّر بها المسلمون كثيرًا إذا انقلبت عليهم.

فبماذا أجابه الفاروق عمر - رضي الله عنه؟ قال بعد حمد الله والثناء عليه: "إن الله - تعالى - قد عظَّم الوفاء، ولا تكونون أوفياء حتى تفوا، فأوفوا لهم بعهدهم واستعينوا الله عليهم".

ما أبدع هذه العبارة! وما أروعها لمن فَهِم معناها! فالوفاء كباقي الأخلاق ليس شعارًا يرفع في السماء ولا كلمة تطير في الهواء، ولكن الوفاء خُلق لن يتحقق إلا إذا أتيت به وتحمَّلت في سبيل إتيانه كلَّ شيءٍ.

اللهم ارزقنا خلق الوفاء.

اللهم احفظ مصر وأهلها.

اللهم وفقنا إلى ما تحبه وترضاه.

اللهم أميين وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

JoomShaper