محمود أبو زهرة*
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ثم أما بعد.
دار حوار أخوي بيني وبين صاحبي فقال: إن الحب ثابت ومُتجزِّر في القلب لا يتغير بتغير الأحوال ولا المواقف، فمن يحب لا يبغض، ومن يبغض لا يحب، فقلت له: أنا أخالفك الرأي تماما فالحب مثله كمثل أي مادة أخرى تزيد وتنقص، يا صاحبي إذا كان أقدس شيء في الكون وهو الإيمان بالله يزيد وينقص أفلا يزيد الحب وينقص، ولكي أطمئنك وأدلل لك على صحة حديثي خذ هذه البراهين الدامغة، على فكرة نحن نتحدث عن الحب عامة:
حب الله:
يزيد كلما وقف معك في محنتك، وبجوارك في ضائقتك، وحذوك في حاجتك، فشفى لك مريضك، وأطعم لك جائعك، وكسى لك عريانك، ووفق لك طالبك، وأوسع عليك أبواب رزقك، ورد لك غائبك، وقوا لك بدنك، وشرح لك صدرك، ويسر لك أمرك، وسهل لك حياتك.
ومتى ما ضاق صدرك، واشتد عليك طلب لقمة العيش، ونام مريضك على الفراش، ورسب ولدك، وهلكت دابتك، لو لم يكن لديك بقية من إيمان، صرخت وولولت وشكوت الله إلى خلقه وفجرت في سؤالك له (ألا يوجد أمامك غيري؟!) عياذاً بالله تعالى.
والله تعالى سينساك طالما نسيته(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)سورة الحشر، (وسيدعك ويكلك لنفسك طالما استعنت بغيره، وسيرفع عنك يده طالما لم تدفع الثمن (وهو طاعته وعبادته والتذلل إليه والقرب منه، وطلب اللجوء والفرار إليه وحده، والتمسك بحبله، ولزوم عتبة المسكنة والذلة بين يديه).
فالزم جنابه، واسلك طريقه، واطلبه تجده، وافتح عينيك ستراه مؤمنك في سربك، آتيك بقوت يومك، معافيك في بدنك، جاعل الدنيا تحت قدميك آتية وهي راغمة، جاعلا غناك في قلبك، وإلا تطعه وتلزم عبادته وتنفذ أوامره فانتبه لرصيدك عنده فقد أوشك على النفاد.
قوم قد أحبوه وكان لهم رصيد
كان رسول الله ﷺ قد أرسل سرية مكونة من عشرة من الصحابة للاستطلاع، (وفي بعض الروايات بأسانيد صحيحة، ذكرت الروايات سببا آخر، وهو أن رسول الله ﷺ بعثهم ليعلموا قبيلتي عضل والقارة الفقه والقرآن)(1) فعلم المشركون بأمرهم، (أو وقع الخداع من قبيلة هذيل بعد الاتفاق مع قبيلتي عضل والقارة)  فأرسلوا بدورهم مئة من الرماة المهرة، فبحثوا عنهم حتى وجدوهم وحاصروهم وعرضوا عليهم الاستسلام، فتشاور الصحابة هل يستسلموا أم يقاتلوا، فقال سيدنا عاصم: أما أنا فقد عاهدت ربى بعد إسلامي ألا أمس مشرك، ولا يمسني مشرك فسوف أقاتل، فأجمع الصحابة على عدم الاستسلام، فقاتلوا وقتلوا حتى استشهد سيدنا عاصم بن ثابت رضى الله عنه و أرضاه(2). ففرح المشركون بمقتله وقالوا نأخذ جثته. أتدرون لماذا .
كان سيدنا عاصم بن ثابت رضى الله عنه قد قتل في غزوة بدر الكافر عقبة بن أبى معيط، وكان عقبة أكثر مشرك قد تجرأ على رسول الله ﷺ فقالت أم عدو الله (أي أم عقبة): لأن قتل عاصم لأشربن في رأسه الخمر، فقال الكفار: نقطع رأس عاصم ونبيعها إلى سولافة أم عقبة! ولكن هل تدرون بماذا دعا سيدنا عاصم بن ثابت رضى الله عنه قبل استشهاده قال: اللهم إني قد قتلت في سبيل أن أحمي دينك فاحمِ لي جسدي. فهل يترك الحق سبحانه وتعالى جسده ليمثل به الكفرة؟ لا ، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ)سورة المدثر، فأرسل الله جند من جنوده أتدرون ماذا أرسل الله سرب نحل يا سبحانك يا الله النحل الضعيف نعم سرب نحل، أحاط بالجسد الطاهر فلم يستطع الكفار أن يقتربوا منه، فقالوا ننتظر حتى المساء فأرسل الله جندا آخر من جنده المطر سيول وسيول من المطر فأخذ المطر الجسد الطاهر وجرفه معه فلا يعلم أحد حتى الآن مكان الجسد الطاهر فسبحان الله(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)سورة الأنفال، صدق الله فصدقه الله رضى الله عنه و أرضاه، فمثل هذا رصيده به تضخم من الحب عند الله (نحسبه والله حسيبه ولا نزكيه على الله).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الإحالات(الهوامش)
(1) انظر سيرة ابن هشام جـ 3 صـ 102، و راجع السيرة النبوية للصلابي جـ 2 صـ 180.
(2) حادثة غزوة الرجيع أو فاجعة الرجيع، أو يوم الرجيع،  رواها البخاري وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَهُوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى أَتَوْا مَنْزِلًا نَزَلُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ تَزَوَّدُوهُ مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ فَتَبِعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ فَلَمَّا انْتَهَى عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فَقَالُوا لَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ رَجُلًا فَقَالَ عَاصِمٌ أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ بِالنَّبْلِ وَبَقِيَ خُبَيْبٌ وَزَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ فَأَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ فَلَمَّا أَعْطَوْهُمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ نَزَلُوا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي مَعَهُمَا هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَتَلُوهُ وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدٍ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ...) راجع صحيح البخاري كِتَاب الْمَغَازِي باب غَزْوَةِ الرَّجِيعِ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبِئْرِ مَعُونَةَ برقم(4086).
وأما تفاصيل ما وقع للصحابي عاصم بن ثابت رضى الله عنه بعد موته، فرواها الواقدي في المغازي، وابن حزم في جوامع السير، وفي سيرة ابن إسحاق، راجع سيرة ابن هشام جـ 3 صـ 104، وانظر السيرة النبوية للصلابي جـ 2 صـ 182.
============================

JoomShaper