محمود الحسن
حينَ يأوِي الرَّبيعُ إلى حُضن الزَّمن، وتتشابَك الغصونُ في هياكِل الشَّجر، تنبعثُ الأزهار من رُقادها الطويل، فتبتسم تحت ضوء الشمس، وتُغفي قليلاً تحت أنوار القمر.
وعندما تجري الجداولُ ببقايا دموع الصَّخر، وتمجُّ التلالُ آخرَ عَبَراتها الباردة، تتخلَّى السماء عن كِساء السِّتر، وتظهر في الآفاق معارج الصفاء.
هكذا تُولَد الأزهار من أكمامها المشقَّقة، وتسطع الحياة في ثغورها المفتِّقة، ويقرأ الإنسانُ في أعماقِها.. حكايةَ الوجود، ويجتلي من زهوها طلائع الحقيقة.
ولكن لماذا تبتسم الزهرة حين تُولد، وأنت يا ولدي أخبروني أنك بكيت؟
حين رأتك أمُّك اكتحلت عيونها بالأمل، وأشرقت في وجهها بوارق السعادة، ونبتت في فكرها حدائق الأحلام، وفاض في فؤادها بحرٌ من الحنان.
هكذا يا ولدي أخبروني...
نزلتَ ضيفًا على إخوتِك، فأحاطوكَ بالثناء والإعجاب، وحاولوا أن يرسموا على شفاهك ضِحكة، وأنتَ في نظرهم هديةُ السماء.
قيل لي: إنهم فتحوا كفَّكَ ووضعوا فيها رصاصة، فأطبقتَ عليها وربّما تألَّمت، ولكن اعذِرهم يا بُنيّ... فأخوكَ يريدك أن تألف الرَّصاص، وتحمل البندقية، وأختك تريد أن يحميَك الرَّصاص من أعين الحسد.
فأنت في أحلامهم محارِبٌ شُجاع. وأنت في عيونهم آياتُ حُسنٍ وجمال.
هكذا يقولون! وهكذا يا ولدي أخبروني...
افتحْ عيونَك لا تخفْ ما في الزمان، وانظرْ إليَّ وراء أطيافِ الخَيال.
يا حبيبي أنتَ في أعماقِ قلبي مَلَك لطيف. وأنتَ ما بينَ جفوني كُحل عينٍ وضِياء.
أنتَ في خَفقِ فؤادي نَبضةٌ. أنتَ في وجهي وِسامٌ وابتِسام.
أنتَ في عُمرِيَ بدر لا يغيب. أنتَ في فكرِيَ كنـزٌ وجمال.
افتَح عُيونَك واسأل: مَن أبي؟ لا تَخف ذُلَّ الهَوى والنَّسَبِ.
أنا هيَّأتُ لك العزَّ كتيجان الملوك، وسلَبتُ التاجَ من كفِّ الزمان،
وأنا هيَّأت لك العطر لتمشي في شذاه، وجمعتُ العطر من بين الدخان.
وأنا جهَّزت لك الرحيق لتبني منه حلاوة الحياة، وجنيت الرحيق من زهرات عمري.
فعندما تنام في المساء، وعندما تُوقِظُكَ النسمات في الصَّباح، تعلَّمِ الحلمَ على عرش الملوك، واجعل البسمة ترقى فوق أجنحة الطيور، واصنع السرور من رحيق عمري والعطورِ.
يا ولدي... سيُحدِّثونك عني فاستمعْ وتخيَّلْ، واجعل لي في فضاء فكركَ تمثالاً من الرصاص، وارسمْ لي في فراغ قلبك الصغير صورةً، ولوِّنها بألوان الحبّ، وانتظرني لتراني.
أنتَ حقًّا ستراني... لن يطول الانتظار...
ربما يحدِّثونك بأني بكيتُ حين وُلدتَ وأنا بعيدٌ عنك، فلا تهتمّ لعَبَراتي، ولا تنشغل بها عمّا تركتُ لك من رحيق العمر وعطر الحياة وأحلام العظماء.
وقلْ لهم عندما تستطيع الكلام: أبي لا يبكي بكاءَ يأسٍ وانهيار، ولا يعرف جفنُه دموع الذُّلّ والانكِسار.
قلْ لهم يا ولدي: ربَّما يبكي أبي... لكن بُكاءَ الأقوياء من الرِّجال.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Social/0/53224/#ixzz2R1qiLbBN
يا ولدي.. أخبَروني أنكَ بكيت!
- التفاصيل