فاطمة الخماس
إن كل ما في الكون يخضع لإرادة الله الذي سخر كل شيء بقدرته، وأنار بضيائه أفق الحياة. فاستنارت العقول بإشراقاته، وكرم أعطياته.
وتفتحت قدرات هذا العقل وإلهاماته بالعلم والتعلم.. حتى بنى الفكر الإنساني حضارات.. وقدم للبشرية أجل الرسالات.
وملاك هذا كله علم الله تعالى الذي (علم الإنسان مالم يعلم) وجعل من مداد القلم علما و(علم بالقلم) وأوحى له حين قال (اقرأ وربك الأكرم)سورة العلق.
ومن كرمه على عباده هذا العلم، وهذا القلم الذي خصه بالخلق الأول، والمصدر للبنات الفكر واستنباط ما يوحي فيه.
ولأن القلم وسيلة لإيصال مبادئ وعقائد ورسالات وسير.. كانت أول آيات القرآن التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحثه على القراءة، وتدعوه للتعلم بالقلم.
ولقدر القلم عند الله تعالى.. أنه أول ما خلق ليكتب به مقادير عباده، وإنه عز وجل لم يكتب كتابا قط إلا به. وكذلك الملائكة والناس أجمعين.. وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدة على أن (أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب.. قال وماذا أكتب فقال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ..) رواه أبو داوود والترمذي، وصححه الألباني.
ولأن الله يعلم قيمة القلم، أشار إليه في أول لحظات مبعث الرسول صلوات الله عليه.. مما ينبئ بأهمية القلم.. وشرف مكانته وعلمه..
ولأنه أداة و وسيلة.. أخرج من محبرة التاريخ، سيرا وقصصا لقرون ماضية وكأنك تعيش عصرهم وتعلم خبرهم.. ومجريات حياتهم.
وهو أي القلم.. رسالة لتوصيل مبادئ وقيم وأخلاقيات.. ومترجم بسلالة عبارته وقيم علومه للظواهر الكونية والقضايا الاجتماعية.. وشتى الفنون الفكرية.. وإنه كما وصفه ابن المقفع ليخدم الإرادة ولا يمل الاستزادة.
ويمشي على أرض بياضها مظلم.. وسوادها مضيء.
وكان وما يزال المعبر لبنات أفكار عقول البشر.. والمداد الذي يسجل في صحائفهم أعمالهم.. وما يجري في حياتهم الدنيا إلى أن يحيل الأجل.
إن رسالة هذا القلم تنبع من فكر ومبدأ صاحبه.. وقد قيل: إن عقول الرجل تحت أسنة أقلامهم.
ومنهم من يسمو إلى إبداع الكلمة بعزيمة رأي وسداد فكرة وموعظة حسنة.
وينتقي بحرفه صفاء الكلمة.. بجميل عبارة وسلامة صدق وإخلاص لله بهمة عالية.
ومنهم من يجر من خيوط مداد حرفه ويلات وحسرات.. ويلفحهم بلهيب الكلمات..
وكأني برأي الأديب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله حين قال: "إن عمادي هذا القلم، وإنه لغصن من أغصان الجنة لمن يستحقها.. وإنه لحطبة من جهنم لمن كان من أهلها".
ومن الحكمة أن نجعل من هذا القلم وردا ينشر الرحيق لا شعلة تنشر الحريق. ونسطر من فيضه حروفا تبقى أثرا مدى الدهر.. وتفتح للعلم أفاقا من ثروات وإعمارا للأرض وبركات.
وحي القـلـم
- التفاصيل