خميس النقيب
الخوف طبيعة بشرية وحالة نفسية وظاهرة كونية تعتري الحيوان والإنسان ولا تنافي الإيمان في بعض الأحيان ..!! وما من عبد إلا و يرجو الأمان حيا أوميتا ، ومعظم المشاكل تبدأ من الإحساس بفقد الأمن , والإطعام والأمن هما جناحي العبادة الحقة ، يطير بهما العبد إلي التقدم والازدهار " فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ "(قريش:3-4) والخوف إن كان من غير الله فهو أول الآفات وأعظم الابتلاءات " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ "( البقرة :155 )
والخوف أنواع منها :
خوف قد يصل لحد الشرك : وهو أن يخاف الإنسان من غيره في أن يصيبه بمكروه " ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون" (الأنعام: 81)
خوف محظور: وهو أن يخاف الإنسان من غيره فيترك ما أوجبه الله عليه من جهاد أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو غير ذلك وهذا محرم " إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين"( البقرة: 176) . وفي الحديث: "إن الله تبارك وتعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت المنكر أن لا تغيره؟ فيقول: يا رب خشيت الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى" رواه أحمد.
خوف طبيعي : وهو الخوف من عدو أو غرق أو هدم، أو نحو ذلك من أسباب الهلاك أو الأذى الظاهر ، وهو غير محرم شرعاً، ذكره الله عز وجل عن موسى عليه الصلاة والسلام في قوله:" فخرج منها خائفاً يترقب "( القصص: 22). وفي قوله تعالى: "ففررت منكم لما خفتكم "( الشعراء: 21).
خوف من الله عز وجل : وهو من أفضل مقامات الدين و أجلها، وقد وصف الله به الملائكة الأنبياء والعلماء والصالحين فقال: " يخافون ربهم من فوقهم "( النحل:51) وقال:" وهم من خشية ربهم مشفقون "( الأنبياء: 29) وقال " الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحد إلا الله "( الأحزاب: 40) " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء "(فاطر:28) خوف من الله يدفع إلي الفرار إليه في ذات الوقت " فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ "(الذاريات:50)
خوف يصل بالإنسان لحد اليقين : الخوف أحاط بموسي في كل مراحل حياته ثم قاده إلي اليقين :كيف ؟ قبل ميلاده "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي.."( القصص: 7) ويتضاعف بعد الميلاد : "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا"(القصص:10)
ثم ينتقل معه تباعا ، فبعد قتله لرجل من بني إسرائيل " َفأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ .."(القصص18" ) فََخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ")القصص21"( فذهب إلى مدين وهناك اتصل برجل صالح فيها، وقص عليه القصص فطمأنه قائلا: " فلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "(القصص:25) ، بل حتى إنه لما كلفه ربه بالذهاب إلى فرعون " قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ " ( القصص :33) ْ قال: "يا موسَى أقْبِلْ وَلا تَخَفْ و قال: "واضْمُم إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرّهْب" ( القصص : 32) و(الرهب) هو الخوف ، ولم يفارق الخوف موسى حتى وهو يكلم ربه في الوادي المقدس طوي في سيناء ، وحين رأى عصاه قد تحولت إلى حية تزحف وتسعى ، ارتجف بالخوف فطمأنه ربه " قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى* فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى " (طه 19 ) " وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ "( النمل:10 (
بعد كل ذلك وصل موسي عليه السلام إلي درجة اليقين :كيف ؟
هم . جيش عظيم القوة على رأسه فرعون يقطع الفيافي ليطارد عباد الرحمن المؤمنون الربانيون يفاجئهم فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم , وعندها َ"لَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ "(الشعراء:61-62) وما استطاعت المحنة أن تزلزله أو تضعف يقينه بربه ..!!
إن الخوف من الله هو الطريق إلي جناته والدخول في روضاته واستصحاب معيته " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ "(الرحمن:46) أ ما الخوف من المخلوق قد يدخل العبد في شرك أو محظور ، لذلك يجب عليه أن يحي عالي الهامة ،مرتفع القامة ،لا تأخذه شده ،ولا تطويه نازله ، لا يقهره بلاء ، ولا يصده عداء ،لا يكشف صفحته لمخلوق ، ولا يبدي وجهته لمرزوق ، وإنما يلجأ إلي من بيده حفظه وكشف الضر عنه "
" وأن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم" يونس "( يونس :107)
ألأمن الحقيقي في الدنيا والأمان المتبقي في الآخرة يكمن في الصلة بالله سبحانه ، الوقوف على بابه واللجوء إلي رحابه والرغبة في حفظه و هدايته ورعايته ووقايته ، الركون إليه في كل حين و الاعتصام بحبله المتين والبعد عن الظلم والظالمين " وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ "(الأنعام:81-82) إذن كيف يخاف المؤمن من المخلوق وهو في معية الخالق ؟
اللهم عافنا من خوف الدنيا وآجرنا من عذاب الآخرة
الخوف واليقين في حياة المؤمنين
- التفاصيل