الحاج إبراهيم أحمد
ليس الغريب من هو بعيد عن أهله و أصدقائه و معارفه , بل و وطنه و قومه و عشيرته و قد يعيش في المنفى جبرا ً بعيدا ً عن كل هؤلاء ... و لكن الغريب قد يعيش بين ظهراني هؤلاء , و يعيش عيشة هنيئة , و مع هذا فهو يشعر بالغربة , إذا ً هم الغرباء في هذه الدنيا :
1- الشباب المتعفف الخلوق المتدين , لسانه رطب بذكر الله تعالى , و صمته فكرة و نظره عبرة , يصوم النهار و يصلّي الليل تطوعا ً لله تعالى ... و لكن يعيش أمثاله و أقرانه من أتباع الشهوات و الضلالات .
2- و المعتصم بالقرآن و السنة بين أحلاس البدع و الفوضى و الخرافات .
3- الموظف في الدائرة : و الذي يستطيع أن يحصل على الملايين من الدنانير فيصبح من الأثرياء و لمدة قليلة و ذلك عن طريق الرشوة و لكن يمتنع عن ذلك خوفا ً من الله تعالى ... بينما أقرانه من الموظفين في نفس الدائرة لا يخافون و لا يستحون من الله تعالى و حتى من البشر فيأكلون أموال الناس بالباطل .
4- الطالب الذي لا يغش في الامتحان , بينما كل الطلاب في شعبته يغشون و ذلك بسبب سوء المراقبة و التساهل فيها .
5- الرجل الذي يقول كلمة الحق أينما كان ولا يخاف في الله لومة لائم , بينما كل الأشخاص الحاضرين يسكتون كالشيطان الأخرس .
أولئك جميعا ً و أمثالهم غرباء . غرباء . غرباء .
العاملون للإسلام و الدعاة إلى الله سبحانه و تعالى بحق يشعرون بالغربة , و إن تكاثر من حولهم الناس , لكنهم رغم غربتهم يستكثرون أنفسهم و إن كانوا قليلا ً لأنهم مع الحق , ذكر شيخ الاسلام ابن تيمية في باب الغربة هذه الآية و هو قوله تعالى (( فلولا كان من القرون من قبلكم , أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض , قليلا ً ممن أنجينا منهم , و اتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه و كانوا مجرمين )) هود : فالغرباء في العالم دورهم النهي عن الفساد , و صدّ الظلم و الظالمين و تعبيد الناس لربهم , و هم صمام الأمان للأمم و الشعوب , إن هذا الصنف من الغرباء أشار المصطفى (صلى الله عليه و سلم) في قوله ((بدأ الإسلام غريبا ً و سيعود غريبا ً كما بدأ , فطوبى للغرباء , قيل : و من الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون إذا أفسد الناس)) و في حديث آخر ((بدأ الاسلام غريبا ً و سيعود غريبا ً كما بدأ , فطوبى للغرباء , قيلوا : من الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي و يعلمونها الناس)) .
قال نافع عن مالك ((دخل عمر بن الخطاب المسجد , فوجد معاذ بن جبل , جالسا ً إلى بيت النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو يبكي , فقال له عمر : ما يبكيك يا أبا عبدالرحمن ؟ هلك أخوك ؟ قال : لا , و لكن حديثا ً حدثنيه حبيبي (صلى الله عليه و سلم) و أنا في هذا المسجد , فقال : ما هو ؟ قال : إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء , الذين إذا غابوا لم يفتقدوا , و إذا حضروا لم يعرفوا . قلوبهم مصابيح الهدى , يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة)) هذه صفات الغرباء كما حددها إمامهم و قائدهم (صلى الله عليه و سلم) و لقلتهم في الناس سمّوا غرباء , لأن أكثر الناس على غير هذه الصفات .
فأهل الاسلام في الناس غرباء , و المؤمنون في أهل الإسلام غرباء , و أهل العلم و العاملون للإسلام في المؤمنين غرباء , نعم : إيمان صادق و علم نافع , و محاربة البدع و الأهواء , و دعوة إلى الله و رسوله , و جهاد في سبيله و صبر على الأذى في مرضاة الله .
لكن هؤلاء الأبرار هم أهل الله و خاصته , و هم حزه و جنده فلا غربة عليهم , لأنهم يعيشون مع الله فلا يغفلوا عنه أبدا ً , و إن كانوا يعيشون في صحراء قاحلة أو في منطقة نائية , لأنهم دائما ً يشعرون بمعية الله تعالى و القرب منه , لصدق توجههم .
و إنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم ((و إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)) . و لما خرج موسى (عليه السلام) هاربا ً من قوم فرعون إنتهى إلى مدين , وحيدا ً غريبا ً خائفا ً , و قال يارب : وحيد مريض غريب , فقيل له : يا موسى الوحيد , من ليس له مثلي أنيس , و المريض من ليس له مثلي طبيب , و الغريب من ليس بيني و بينه معاملة)) .
و الحق أن المسلم إذا شرح الله صدره للإسلام , و ملأ قلبه بالإيمان , يستعذب في سبيله كل عسير , فإذا بالسجن خلوة , و النفي سياحة , و القتل شهادة , و من ثم فهو في غربته عن الناس و صلته بربه , فرد في قوة كتيبة , بل أمة مجتمعة ((و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين)) , و المرء يحب الانس بغيره من بني جنسه , فإذا سما بنفسه بين الهابطين , و أحس َّ بوحشة من الناس , فإن له في القرب من ربه السلوة و الأنس و الراحة ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) . و قد حدَّثنا النبي (صلى الله عليه و سلم) بأن الاقبال على الله في أيام الشدائد و الفتن يعادل صحبته في حياته فقال : ((عبادة في هرج كهجرة إليَّ)) , عن عبدالله بن عمرو قال : ((توفي رجل بالمدينة فصلى عليه رسول الله (صلى الله عليه و سلم) و قال : ليته مات في غير مولده , فقال رجل و لم يا رسول الله؟ فقال : إن الرجل إذا مات قيس له من مولده إلى متقطع أثره في الجنة)) , و الحديث يشير إلى الهجرة و الحركة على ظهر الأرض و هم بهذا أفضل من غيرهم لأنهم يحملون الخير إلى كل مكان يحلون فيه , رحم الله الغرباء و آنس وحشتهم و قوي يقينهم و رفع شأنهم, اللهم آميـــــــن.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
غرباء في هذه الدنيا
- التفاصيل