أكتب إليكم بعد أن نصحتني أمي بعرض نفسي على طبيب أمراض نفسية، وقد صدمني كلامها ذاك.. فمشكلتي من وجهة نظر أمي (وهي الصديقة المقربة إلى قلبي) أني غير راضية ومتمردة على حياتي، بالرغم من النعم الجمّة التي أنعم الله بها عليّ، وحرمت منها الكثيرات، أنا أعذر أمي السيدة البسيطة التي عانت في تربيتنا، فهي تقارن حالي بما كانت عليه هي. أنا سيدة في منتصف الثلاثينيات، أرى نفسي جميلة وذكية ومثقفة وأستحق الكثير، متزوجة وعندي ثلاثة أولاد؛ ولدان وبنت في المرحلة الابتدائية، زوجي يحبني وعلاقتنا علاقة زوجية عادية رغم أن زوجي يرى أنها رائعة. أحوالنا المالية - كما تراها أمي - ميسورة، ولدينا ما يتطلبه المنزل العصري من احتياجات وكماليات طبعاً، رغم أنني أبذل مع أولادي جهداً فائقاً، فإنهم غير متميزين دراسياً، فمعدلات نسبة درجاتهم في التسعينيات، لم يحقق أحدهم آمالي بأن يحصد المركز الأول على المدرسة مثلاً؛ لأن أكبرهم يقضي معظم وقته في لعبة الشطرنج، وقد دعاني مرة لحضور مباراة على المركز الأولى في النادي فسخرت منه قائلة له أهذا هو التفوق؟!.. أما أخته الوسطى فكل وقتها مع الأوراق والألوان من كل نوع، والتي ملأت رسوماتها حوائط غرفتها، وللأسف فإن والدهم هو مشجعهم الأول على تضييع أوقاتهم في تلك الهوايات التي لا تفيدهم بشيء.. أما زوجي فهو رغم ذكائه وتفوقه في عمله، لكنه موظف، وفشلت محاولاتي معه لاستغلال طاقته لذاته بدلاً من توظيفها لدى الآخرين، ويعلل ذلك ويتساءل: هل ينقصك شيء؟! دعينا نتمتع بحياتنا وأولادنا مادام الله قد منَّ علينا براتب يكفي كل متطلباتنا وندخر منه ولله الحمد، وإن طالبته بالبحث عن عمل إضافي حتى نتمكن من السفر صيفاً مثل باقي البشر في أوروبا أو غيرها يرد قائلاً: حتى لو تحقق لك ذلك فستطلبين زيارة القمر، ماذا أنا فاعل حتى أرضيكِ؟! إن ما يؤلمني أن بعض صديقاتي الأقل مني حظاً في كل شيء يعشن في رغد من العيش أكثر مما أنا فيه، وحققن نجاحات يفتخرن بها، وما عليَّ إلا أن أردد الحمد لله على كل حال ولسان حالي يقول: لماذا أنا أعاني من هذا الحظ العاثر..

إن صديقاتي اللاتي تستشهد بهن أمي كم هن سعيدات بسبب رضاهن بما قسم الله لهن، وعندما أقارن حالي بحالهن أرى أن لديهم ما يجعلهن حقاً سعيدات، كم حلمت وأنا فتاة في مقتبل عمري بحياة رائعة وردية. عندما أقارن أحلامي بواقعي تنهمر دموعي ناعية حظي المتعثر.. هل لديك حل كيف أحقق أحلامي، أم أعرض نفسي على طبيب نفسي كنصيحة أمي؟ ابنتي الفاضلة، لن أدلك على كيف تحققين أحلامك كما تريدين، ولكن والأهم أسأل الله تعالى أن يوفقني وأدلك على كيف ترضين وتنعمين في الدارين. أولاً: يجب التأكيد على أنه لا علاقة بين رضا الإنسان وما قد يدركه من نعم ظاهرة أنعم الله بها عليه، فهناك العديد من النعم الباطنة، لن يستطيع العبد أن يحصيها؛ {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ "18"}(النحل) ثانياً: إن نعمة الشعور وتقدير قيمة النعمة هي خير من النعمة بذاتها؛ لأن الشعور بالنعمة وفضل الله بإنعامه بها علينا هو الذي يدفعنا لشكر المنعم والإحساس بفضله والافتقار إليه، ومن ثم حسن استغلال النعمة بما يرضي الله سبحانه، فيبارك الله فيها، وترضى نفوسنا بما قسم الله لنا. ثالثاً: إن ما أقصده بالرضا هو الرضا الإيجابي، وهو أن نبذل الجهد المناسب لتحقيق الغاية المناسبة لنا ولإمكاناتنا، ومن ثم اليقين بأن قضاء الله هو الخير سواء حققنا الغاية المنشودة أو لم نحقق، ثم الرضا بما قسم الله. رابعاً: إن عطاءات الله تنقسم إلى نوعين؛ الأولى: تكون هبة ومنة من الله لا دخل لنا فيها إلا الدعاء مثل الذرية؛ {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ "49" أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ "50"}(الشورى).. أما الثانية: فهي توفيق من الله لجهود تُبذل ثم إن شاء الله يمن على عبده بتحقيق غايته؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ "7"}(محمد)، فالنصر ليس هبة، ولكنه توفيق من الله لجهاد وصبر ومثابرة وتضحية بالنفس والمال ومع الدعاء يتفضل الله ويمنّ بالنصر. إن الرضا ليس هبة من الله، ولكنه توفيق منه جل وعلا، ومنّة على العبد الذي جاهد نفسه وألزمها بالرضا بما قسم الله وقضى له، فينعم العبد الراضي بما تفضل الله به عليه راضياً شاكراً لأنعمه، إذن الرضا هو قرارنا، وعليه فكيف نتخذ القرار بالرضا؟ إن الرضا قناعة عقلية واطمئنان قلبي وسكينة نفسية. 1- قناعة عقلية: بمعنى أنه يجب إعمال العقل حتى نقتنع ويرسخ في وجداننا الرضا، فلا يطرح السؤال: هل نرضى بما قدر الله لنا أم لا؟ فالرضا أولاً غير نسبي؛ بمعنى أنه يجب ألا يزيد أو ينقص رضانا بمقدار شعورنا بنعم الله تعالى، ولكن حيث قال المنعم عز وجل: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ "18"}؛ لذا فأنا على يقين أن الغني الكريم قد أنعم عليّ بنعم لا تحصى، لذا فيجب على كل مؤمن أن يستشعر ويبحث في نعم الله عليه الظاهرة والباطنة حتى يبعث في نفسه الرضا، إن المعرفة واليقين والحياة بمعية أسماء الله الحسنى وصفاته العلا تؤكد القناعة العقلية بالرضا. إن استشعار العبد بأنه عبداً للعليم؛ فهو سبحانه أعلم به من نفسه التي بين جنبيه؛ { يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ "4"}(التغابن). الحكيم؛ وهو سبحانه الحكيم في قضائه وقدره وحكمته جل وعلا بعلمه الشمولي؛ { اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ "8"}(الرعد)، فهو سبحانه يقدر لنا ما يصلحنا.. إن قصة ثعلبة معروفة حيث كان من أوائل من يهرعون إلى الصف الأول، ولما ضاقت شعاب مكة بما أنعم الله عليه من الأنعام رفض إعطاء الزكاة؛ { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ"27"}(الشورى). القادر؛ وهو سبحانه على كل شيء قدير. الغني؛ سبحانه لا يعوزه شيء، عن النبي "صلى الله عليه وسلم"، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ أَنْ يُغْمَسَ الْمِخْيَطُ غَمْسَةً وَاحِدَةً». الرحمن الرحيم؛ فهو سبحانه أرحم بنا من أمهاتنا، ومن رحمته أن يقدر لنا ما فيه الخير لنا. فإذا كنا قد آمنا طائعين بأننا عباداً للعليم الحكيم الرحمن الرحيم الغني؛ فثمرة هذا الإيمان الرضا بما يقسم لنا، وإن تتبين لنا أنه على غير ما كنا نأمل؛ { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ "216"}(البقرة). وإذا أمعنا النظر في قوله سبحانه وتعالى في صفة عباده الصالحين «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ»، وكما يقول العلماء: إن بين العبد وربه رضاً متبادلاً، فإن رضي العبد عن الله أي بما قدر له الله رضي الله عنه، وكما يقول المصطفى "صلى الله عليه وسلم": «إن اللهَ يقضي بالقضاءِ فمن رضي فله الرضا ومن سَخِط فله السُّخْطُ». 2- الاطمئنان القلبي: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ "28"}(الرعد)؛ أي أن ثمرة ذكر الله هو اطمئنان القلب، وهي العبادة الوحيدة التي قال الله فيها: { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا "35"}(الأحزاب)، وأنواع الذكر كثيرة، لكن قرار ذكر الله هو قرارنا ومحصلته اطمئنان القلب الذي يهيئه للرضا بما قسم الله تعالى. 3- سكينة نفسية: إن من ثمرة الإسلام أن تسكن النفس وتهنأ بمعية الله سبحانه، وتسلم أمرها لبارئها فتنعم بالسكينة والرضا.. وعليه، فمن هيأ نفسه لأداء شعائر الإسلام وتفاعل معها وحرص على مقاصدها الشرعية نعمت نفسه بالسكينة والرضا بما قدره الله تعالى، مع كل ذلك لن يتركنا الشيطان، وإذا يئس من تزيين ارتكاب المعاصي؛ فإنه لن يتركنا ننعم ونستشعر نعمه سبحانه وتعالى، ونرضى بقضاء الله وقدره فيرضى الله عنا.. فإذا وجدتِ في نفسك تطلعاً لما ابتلى الله به الآخرين تذكري هذه الآية: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى "131"}(طـه)، وسارعي وتوضئي وصلي ركعتين واستغفري الله وأحضري أربع ورقات وقلم. الورقة الأولى: ضعي عنواناً للأولى بما مر بك من ابتلاءات وتفضل عليك بالمعافاة منها، ثم عندما تذكرين هذا الابتلاء حاولي استشعار الآلام النفسية والعضوية التي كنت تعايشينها لمدة دقائق ثم احمدي الله وانعمي بعفوه ومعافاته. الورقة الثانية: عنونيها بابتلاء الغير، تذكري ابتلاءات مَنْ حولك، وعيشي مع كل مُبتلى بعض الدقائق، وحاولي أن تشعري بآلامهم ومعاناتهم وآلامهم النفسية والعضوية، ثم احمدي الله الذي عافاكِ مما ابتلى به غيركِ وفضَّلك على كثير من عباده، واسألي الله لهم العفو والعافية. الورقة الثالثة: عنونيها بالنعم التي تدعين الله تعالى أن يديمها عليكِ، وحاولي أن تستشعري حالكِ إن ابتلاكِ الله بفقْد إحدى تلك النعم. الورقة الرابعة: عنوانها المخاوف والهواجس التي أبعدها الله عنكِ.. إن الآلام النفسية لتوقع حدوث مصيبة ما قد تفوق وقوع المصيبة ذاتها، فتذكري كما عانيتِ من خوف وتوجس وترقب حدوث مصيبة ما، ثم منَّ الله عليكِ ولم تقع بقدرته ورحمته. أظنك وقد تعرفت على قبس من فضل الله عليكِ قد سارعتِ ساجدة لله متذكرة حديث الحبيب "صلى الله عليه وسلم": «من أصبحَ منكُم آمِناً في سِربِه، مُعافى في جسَدِه، عندَه قوتُ يومِه، فَكأنَّما حيزت لهُ الدُّنيا»، أسأل الله تعالى أن يعينك على اتخاذ القرار بالرضا بما أنعم الله به عليكِ، لتهنئي برضاه جل شأنه في الدنيا والآخرة.

المجتمع

JoomShaper