الدكتور /محمد الدسوقى
يقول الله تعالى في سورة النازعات ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى{40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{41} ﴾ طريق واضح محدد المعالم يدل المسلم على النجاة والفوز بجنة المأوى بكلام معجز ومنهاج مبهر ولكن أين المشمرون العاملون ونتحدث في هذه المقالة عن الشق الأول الذي يُبْنَى عليه الشق الثاني ليكون الفلاح المبين .
وتعالوا ننقل كلاما قيما لابن القيم في كتابه مدارج السالكين فيقول :
الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال الخوف ضلوا ، والخوف لا يكون إلا من العظيم الجبار ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
المؤمن دائما بين الخوف والرجاء ، بين الرغبة والرهبة
منزلة الخوف :
الخوف من الجليل مَنْزِلَةٌ مأمور بها ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ آل عمران175 ، وقال ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ البقرة40 ، ومدح الخائفين منه وأثنى عليهم ﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ المؤمنون57
وروي عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت للرسول ﷺ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ المؤمنون60 ، أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال « لا يا ابنه الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلى ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه » رواه الترمذي ، قال الحسن : عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها ، وخافوا أن ترد عليهم ، إن المؤمن جمع احساناً وخشيه والمنافق جمع إساءة وأمنا .
معنى الخوف : الخوف ، والوجل ،و الخشية ، والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفه .
قال الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس ، وقيل : الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف . وقيل : الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره .
والخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ فاطر28 ، فهو خوف مقرون بمعرفه . وفي الحديث « إني أتقاكم لله وأشدُّكم له خشية » رواه البخاري ومسلم .
والرهبة امعان في الهرب من المكروه . وهي ضد الرغبة في سفر القلب في طلب المرغوب فيه .
وأما الوجل فرجفان القلب ، وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته ، أو لرؤيته . وأما الهيبة فخوف مقارن للتعظيم والاجلال ، تعظيم مقرون بالحب .
وأول الخوف : الخوف من العقوبة . وهو الخوف الذي يصح به الإيمان . وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ، ومراقبة العاقبة .
والخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء ، والهيبة للمحبين ، والإجلال للمقربين . وعلى قدر العلم والمعرفة تكون الخشية قال ﷺ « إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشيه » وراه البخاري ومسلم ، وقال « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى » رواه الترمذي وابن ماجه
قال ذو النون : الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف ، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق .
والخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل ، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط .. وَصِدْقُ الخوف : هو الورع عن الآثام ظاهراً وباطنا .
والخوف الصادق من علامات صحة الايمان والمؤمن بين الخوف من العقوبة والطمع فيما عند الله والرجاء في عفوه ورحمته .
والخوف والرجاء جناحان لطائر الإيمان . واستحب أهل السلف أن يقوى جناح الخوف على جناح الرجاء ، ذلك في حالة الصحة . أما في حالة الخروج من الدنيا ، فإنه يستحب تقوية جناح الرجاء على الخوف .
وقال البعض أكمل الأحوال : اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب ، فالمحبة هى المركب ، والرجاء حادٍ ، والخوف سائق ، والله المَوصِلُ بمنِّه وكرمه .
وأحب أن نعمق هذ الكلام الطيب في نفوسنا ونحوله إلى واقع عملي في حياتنا لننهض ببلدنا وأمتنا ، وأدعوا أحبائي في كل ربوع مصر إلى الوصايا العملية الآتية :
1) زيادة الخوف من الله تبارك وتعالى بالتزام العبادات والتقرب إليه عز وجل بالطاعات والبعد عن المنكرات .
2) زيارة المرضى وأصحاب الحاجات ومعايشة الفقراء والسعي على الأرامل .
3) ذكر الموت والاستعداد له وزيارة المقابر واتباع الجنائز .
4) الوقوف بين يدى الخالق في ظلمة الليل وتذكر القبر ووحشته .
5) مطالعة أخبار الآخرة والجنة والنار والحساب وأحوال يوم القيامة .
6) دراسة سيرة الناجين من الصالحين والتحلي بأساليب تزكية النفس والتزام المحاضن التربوية في اللقاءات الإيمانية والتعلق بالمساجد .
7) معرفة قيمة الدنيا والزهد والعمل لما بعد الموت .
8) السعي إلى علو الهمة في أعمال الدنيا والآخرة وترك حياة الدعة والكسل .
ويحول الخوف من الله عز وجل إلى برنامج عملي لبناء نهضة الأمة من خلال :
1) العمل والجد والإتقان والإنتاج لمصلحة الوطن .
2) البعد عن التنازع والتشاحن والتنافر .
3) التزام المنهج الإسلامي ومراقبة الله .
4) تذكر أن اليوم عمل بلا حساب وغدا في الآخرة حساب بلا عمل .
5) إعلاء المصلحة العليا على المصلحة الشخصية الضيقة .
6) محاربة الشائعات والأكاذيب وَتِبْيان الحقائق للناس .
7) تجنب الغيبة والنميمة والكذب والافتراء وسوء الأخلاق خوفاً من عقاب الله ودعماً للاستقرار المجتمع وحفظاً للعلاقات بين الناس.
ومن سمات غياب الخوف من الله حتى نحذرها :
1) تغليب المصالح الشخصية على المصالح العامة وإتباع منهج الغاية تبرر الوسيلة .
2) التغيب عن العمل في أي ميدان واستحلال المرتب وتعطيل مصالح الناس .
3) الكذب والتضليل والافتراء وسوء الأدب خاصة في وسائل الإعلام المختلفة .
4) قطع الطريق تحت أي مبرر وإشاعة الفوضى من المجتمع .
5) العدوان على الآخرين في الأموال والأنفس والدماء بغير حق .
6) التخوين وإثارة الفتن والوقيعة والابتزاز بكل أشكاله .
7) تعطيل الإنتاج وزراعة اليأس والسلبية في النفوس .
8) إفساد ذات البين ومحاولة تمزيق المجتمع .
9) اللدد في الخصومة ومحاولة الانقضاض على الشرعية المنتخبة .
10) العمل لحساب أعداء الوطن والبلطجة وترويع الآمنين والتحريض على القتل ولو بكلمة .
هذا جزء من كل وأدعو من يقترفون هذا أن يتوقفوا ويخافوا الله حتى لا يندموا ويخافوا من الآخرة ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
وأخيرا إن آخر ما نزل من القرآن الكريم ﴿ وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ البقرة281 فهذا هو الخوف بين يدي الله تبارك وتعالى الذي يؤدي إلى نهضة المجتمع وإلى نجاة الأفراد بعد تحقيق الشرط الثاني وهو ﴿ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾ وهذا حديث آخر .. والله الموفق ..,,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طريقان للجنة
- التفاصيل