محمد بركة
اعتنى الإسلام بمسائل الجمال والتجمل والذوق الجميل والحس الجميل عناية فائقة، وتحدث القرآن الكريم عن الجمال والزينة والطِّيب، وبيَّن للإنسان ما في عالم الموجودات من جمال وزينة، وأنّ له الحقّ في التجمّل والتطيّب والتزيّن والاستمتاع.
قال الله تعالى: [إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا]. (سورة الكهف: 7).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله جميل يحب الجمال، ويحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتباؤس).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (التجمّل مروءة ظاهرة).
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الرائع والقدوة الحسنة في الأناقة والتجمّل وسمو الذوق والتطيّب.
إنّ التربية الذوقية والجمالية والحسّية تربّي لدى الإنسان -لاسيما الشباب- الذوق الجميل، وتجسّد الحسّ السليم، ولها تأثير عظيم في أنماط السلوك الإنساني والروابط الاجتماعية.
وهي أيضًا تفتح الأفق النفسي والعقلي والوجداني لدى الإنسان، وتشدّه إلى مبدع خلائقه ومصوّر جمالها في هذا الوجود الله عزَّ وجلَّ، الخالق المبدع المصوّر الخبير العليم.
فالجمال والتربية الجمالية والخيال الخصب والذوق الجميل والحسّ الرقيق يعتبر طريقًا إلى معرفة الخالق جلّت قدرته؛ لأنّ ذلك دليل على عظمته سبحانه، وعلى الارتباط العقلي والوجداني به تعالى.
فهذا الكون من سماء وأرض؛ كلّ ما فيهما من تناسق وجمال وروعة ونظام وترتيب ما هو إلا لوحة فنية خلابة، ومصدر إلهام فنّي وذوقي وجمالي.
وقد أكّدت بحوث علماء الإسلام القيم الإنسانية والمثل العليا (الحقّ والخير والجمال)، وجعلتها هدفًا ساميًا في هذا الوجود، يسعى المرء لبلوغها، وتحقيق مرادها، وبناء الحياة على أساسها. وأقاموا قيمًا وأسسًا ومفاهيم تشريعية لتنظيم السلوك الفردي والعلاقات الاجتماعية والروابط الإنسانية، فجعلوا الحسن والجمال أساسًا لبناء الحياة.
ومن نظرة الإسلام العظيم إلى الحسن والجمال يتعيّن على الآباء والمعلّمين والمربّين تأصيل وتعميق هذا الشعور الإنساني اللطيف في نفس الأولاد منذ طفولتهم، وتحبيب الجمال والتجمّل إليهم؛ فإنّ تربيتهم على هذه القيم تعني تنمية الذوق اللطيف والحسّ الجمالي لديهم وتعمل على تهذيب سلوكهم وأخلاقهم، وإرهاف حسّهم الذوقي، وتجذير قدرتهم على التمييز بين الشيء الحسن والآخر القبيح، والتفاعل مع الجمال المادي والمعنوي.
إنّ تعويد الإنسان منذ نعومة أظفاره على الأناقة والجمال والزينة، والذوق الأدبي والأخلاقي، ولمسه للعناية الأسرية بهذه المظاهر اللطيفة، ومشاهدته آثار الجمال على البيت، من هندسة بنائه وترتيب حديقته، وتنظيم أثاثه، وترتيب الطعام على المائدة، وكذلك استصحابه في التجوال والسفر، وتمتّعه بمشاهدة الطبيعة الجميلة، وانتباهه إلى مواطن الجمال، وكذلك غرس الأبوين في نفسه روح التأثّر بالمظاهر الجمالية، كلّ هذا يوجِد فيه حسًّا ذوقيًّا وجماليًّا لطيفًا.
كما أنّ الإطراء والمدح على اهتمامه بمظهره وقيافته، وعنايته بترتيب لوازمه وأدواته، وتنظيم وتصفيف لعبه، وكذلك تشجيعه على إنتاجاته الفنّية المرهفة والذوقية مهما كانت بسيطة، كلّ ذلك يعدّ من المحفّزات الضرورية لتنمية الذوق الجميل والحسّ الفنّي والقدرة الإبداعية والأداء الفني الجميل.
كما أنّ نقد وتقبيح مظاهر القبح، وإشعاره بالنفور والتقزّز من المظاهر والمناظر القبيحة والفاقدة للجمال، يكوّن لديه حسًّا نقديًّا وتمييزيًّا، وذوقًا سليمًا، ويركّز في نفسه الإقبال على الحسن والجمال من الفعل والقول والسلوك والأشياء، والنفور من أشكال ومظاهر القبح والفساد ومعانيهما.
وينبغي أن نربّي أولادنا على أنّ الجمال كما يتجسّد في الموضوعات الحسّية -كالمظهر في اللباس والعطر والحدائق وطراز بناء البيوت وهندسة الشوارع وتخطيط المدن واللوحات والواجهات الفنية- فإنّ الجمال كذلك يتجسّد في القيم الأخلاقيّة العليا، والمثل الأدبية السامية الرفيعة، وكذا في الكلمة الطيّبة والمنطق الحسن والكلام المؤدبّ والأسلوب المهذّب، والمعاملة الحسنة والمعاشرة الجميلة، وفي فعل الخير واحترام حقوق الآخرين. وذلك حتّى ينشئوا ويكبروا على القيم الأخلاقية النبيلة، والتحسّس للجمال، وتوظيفه في تهذيب السلوك وتسامي الذوق ورفعة الأدب والأخلاق الكريمة.
ولاهتمام الإسلام بالجمال، وطبع شخصية الطفل بطابعه، وتوفير العناصر الجمالية في حياته تراه قد دعا الناس إلى انتقاء المرضعة الحسنة، وكرّه أن ترضعهم المرأة القبيحة.
فلو أعددنا شبابنا الإعداد الفني والذوقي والجمالي الحسي، فإنّنا في الحقيقة نكون قد أعددنا مجتمعًا إسلاميًّا ذوّاقًا ساميًا مرتّبًا منظّمًا قويًّا، وذلك من مظاهر القدرة والمنعة ومن عناصر الحضارة ومعالم رقيّها.
وفي ذلك يقول المفكر الجزائري المسلم مالك بن نبي (1905-1973م): لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل أو بالأفكار الكبيرة فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالاً أقبح والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة لابد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه... إن الجمال هو وجه الوطن في العالم فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا ونفرض احترامنا على جيراننا الذين ندين لهم بالاحترام نفسه.
الذوق سلوك إسلامي
ويُعد الذوق عنصرًا هامًّا من عناصر السلوك الحياتي سواء ما كان بين الإنسان وربه، أو بين الإنسان والإنسان، أو حتى ما يقوم بين الإنسان والحيوان من علاقات وصلات شتى. كما أن نظرة الإسلام الإنسانية الرفيعة الشاملة تتناول جميع مجالات و أساليب الحياة وتُقِيمها على أسس سامية من الذوق الرفيع بحيث يبدو صاحبها ومؤديها إنسانًا سامي الخلق، رفيع الذوق، سوي السلوك.
وتعد الضيافة سمة من سمات المجتمع العربي والإسلامي وخصيصة من خصائصه الفريدة في العالم، وأسلوبها ينضبط بضوابط أخلاقية وشرعية على مستوى الفرد والجماعة، وكلما توافقت الضيافة والزيارة مع التقاليد والأصول الشرعية قويت العلاقات وتوثقت الروابط.
لقد تعوَّد كثير من الناس أن يفاجئوا أقاربهم أو أصدقاءهم بالزيارة، فحينما يجدونهم وتكون زيارة غير متوقعة وغير محسوبة، فربما يكونون على موعد لمغادرة المنزل، أو يكون لديهم من الظروف ما يحول دون إعطاء الزيارة حقها، ومع كل هذه العوامل فلا بد من استقبالهم بالبشاشة والترحاب. والمثل الشائع يقول: (لاقِيني ولا تغديني).
والقرآن الكريم قد نبَّه إلى وجوب الاستئذان قبل الزيارة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأنسوا وتُسلموا على أهلِها}. (النور : 27).
وقد يحدث للمضيف حرج لظروف أسرية أو مادية أو ضيق في السكن، ولهذا جعل الله لمثل ذلك مخرجًا ومندوحة في قوله تعالى: {وإن قيل لكمُ ارجِعوا فارجِعوا هو أزكى لكم} (النور: 28). وعلى المضيف في مثل هذه الظروف أن يتصرف بحكمة ولباقة حتى لا يفسد ود القلوب. وعلى الضيف أن يتقبل الرجوع عن الزيارة بصدر رحب. ولعل بعض الإخوة لا يستريح لهذا، والأولى أن يعاتب نفسه ويلزمها بأدب الإسلام والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
بعض الإخوة يتوجهون لزيارة أحدهم فيطرقون الباب عدة مرات، وقد حددت الآداب الإسلامية قواعد الاستئذان في زيارة صديق أو جار وذلك بالطرق أو استعمال (الجرس) ثلاث مرات فقط؛ الأولى لإعلام صاحب الدار أن هناك من يود زيارته، والثانية لاستعجاله إذا تأخر، والثالثة بمثابة اعتذار بأنه سوف يغادر المكان، ثم لا يزيد على ذلك احترامًا لمشاعر صاحب الدار؛ فقد يكون غير متهيئ للاستقبال، أو قد يكون غير موجود أصلا في المنزل.
وبعض الإخوة ينصرف ثم يعود بعد فترة ويعاود ما سبق دون جدوى.
وأنصح الزائر قبل أن يتوجه للزيارة أن يجهز بطاقة يكتب فيها أنه قد حضر للزيارة ويأسف لعدم اللقاء ثم يحدد فيها ما يريد أو يحدد موعدًا آخر أو يترك عنوانه ورقم تليفونه كي يتصل به عند العودة.
ومن الحكايات التي تُروى في مثل هذا الباب ما قرأته عن الشيخ/ عبد العزيز البشرى الذي ينفرد بأسلوبه في معالجة مشكلة الزيارات المفاجئة، فكان من عادته أن يضع عمامته وجبته خلف باب الشقة التي يسكن فيها، فإذا طرق أحدهم الباب لبس جبته وعمامته وأمسك عصاه، فإذا كان الضيف مرغوبًا فيه استقبله أحسن استقبال وقال له: الحمد لله الذي جاء بي من الخارج الآن، وإذا كان الضيف ثقيل الظل وغير مرغوب فيه قال: الحمد لله الذي جاء بك قبل أن أخرج لأنني على موعد الآن!
وبعض الأفراد ممن عندهم فراغ أو متسع من الوقت يقضون وقتهم عند من لا يجد متسعًا من الوقت لإنهاء ما تراكم عليه من واجبات؛ (فالوقت هو الحياة)، (فعاون غيرك على الانتفاع بوقته).
وقد يتزايد الزوار ولا يفكر الزائر الأول في الانصراف لأن (القعدة احلوت)، وبعضهم -وخاصة غير المتزوجين- لا تحلو لهم الزيارة إلا في وقت متأخر وغير مناسب؛ لأنهم لم يمروا بهذه التجربة بعد، والمثل يقول: (يا بخت من زار وخفف)، وإذا أبديت بعض التلميحات تنبيها لمجافاة هذا السلوك للتقاليد والعادات قيل لك: (إننا نحبك في الله تعالى)! وليس الحب في الله تعالى إلا في إظهار الذوق والأخلاق وضوابط العرف. وإذا نوهت إلى أن مثل هذه التصرفات تُرهق وتضيع الوقت قيل لك: (اللي يعمل جمل لا يبعبع من العمل)! وهل أنا جمل؟ إنما أنا...!
التربية والسلوك الذوقي والجمالي
- التفاصيل