الشيخ محمود القلعاوي /خاص ينابيع تربوية
درس عظيم أن يرتبط تاريخنا الهجرى بهذا الجيل النورانى الذى صُنع التاريخ على يده .. هذا الجيل الذى بتضحيته وببذله وبعطائه بعد فضل الله عليه قام بهذا البناء ، إشارة إلى أن الأمم لا تقوم لها قائمة ولا يُصنع لها مجد إلا بمثل هذا ..
ويعرف الإمام البنا التضحية : " أريد بالتضحية : بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل، ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم " ..
وقد حدد الإمام البنا ملامح الشخصية المضحية المجاهدة : " أستطيع أن أتصور المجاهد شخصاً قد أعد عدته وأخذ أهبته وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه ، فهو دائم التفكير عظيم الاهتمام على قدر الإستعداد أبداً ، إن دعي أجاب وإن نودي لبى ، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وإرادته ، يجاهد في سبيلها ، تقرأ في قسمات وجهه وترى في بريق عينيه وتسمع في فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوىَ لاصق وألم دفين ، وما تفيض به نفسه من عزيمة صادقة وهمة عالية وغاية بعيدة " ..

وقد ضرب صهيب الرومي بن سنان المثل الرائع في التضحية بالمال في سبيل الله ، واستبدل بعرض الدنيا الزائل ثواب الله الباقي، يرجو تجارة لن تبور، فقد كانت عنده من المال الكثير أواقٍ من ذهب وغيرهم ، فلما همَّ بالخروج مهاجرًا اعترضه ظلمة قريش، فحبسوه مساومين له أن يتنازل عما معه مقابل أن يتركوه وشأنه ، فلما قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم ، بشره الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا يحيى، ربح البيع . ثلاثاً ، فعندئذ قال صهيب، يا رسول الله، ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل عليه السلام .. أخرجه الحاكم في مستدركه .

يقول  د.ماهر عباس جلال : " وما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لصهيب، إنما هو لكل مسلم أو مسلمة يضحي بماله في سبيل الله، ولنصرة الإسلام والمسلمين، ولوضع لبنة في صرح الحضارة الإسلامية، إذ المال عصب الحياة، وشريان الحضارة، ووقود التقدم والرقي، فحينئذ يقال لكل من ضحى بماله في سبيل ذلك كله: ربح البيع يا عبدالله! ربح البيع يا أمة الله ! "

وهيا إلى ليلة العمر التى يحلم بها كل شاب وما فعله حنظلة بن أبي عامر الراهب فيها ، فعندما سمع داعي الجهاد ليلة زفافه ، نهض من فراش عروسه إلى المعركة ، دون أن يغتسل، ولقي ربه شهيداً، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه رأى الملائكة تغسله بين السماء والأرض، وسمي "غسيل الملائكة"، ضحى بحياته كلها وضحى بعروسه في ليلتها الأولى ..

ويحدثنا التاريخ عن هذه الروح التى يحملها العملاق عمرو بن الجموح رضي الله عنه حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى غزوة أُحُد يشكو إليه أبناءَه الذين يمنعونه من الخروج ، قائلين له : "لقد عذرك الله - وكان ذلك بسب عرج في رجله- ونحن نقاتل عنك، وإني يا رسول الله أحبُّ أن أجاهدَ معك فأُستَشهد فأددخل الجنة فأطأ بعرجتي هذه الجنة ".. فقال صلى الله عليه وسلم لأبنائه : (اتركوه، لعل الله يرزقه الشهادة )، وخرج معهم إلى أحد .. وهنالك نال ما كان يتمناه الشهادة في سبيل الله

أما مصعب الخير  مصعب بن عمير الذي عاش مترفاً، تراه يؤثر العيش الخشن في جوار رسول ربه  صلى الله عليه وسلم ، وقد رق له صلى الله عليه وسلم ذات مرة وأشار إليه قائلاً : " انظروا إلى هذا الفتى الذي نوَّر الله قلبه ، وصل به حب الله وحب رسوله إلى ما ترون، ولقد رأيته في مكة بين أبوين يغذوانه أطيب الطعام ويلبسانه أفخر الثياب ".

أما أبوخيثمة في جيش العسرة فقد أعدت امرأته طعاماً شهياً وماء بارداً ومجلساً ليناً وظلاً ظليلاً، فصرخ : رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر وأنا هنا ؟! جهزاني ، وما نزل عن راحلته حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم .

بمثل هذه النماذج وهذه الروح وهذه التضحية نبنى بلادنا ونسعد بدنيانا وآخرتنا ..

JoomShaper