د. أحمد قطران /خاص ينابيع تربوية
ثمة مقدمات لصناعة الحضارات ، وما لم تؤخذ تلك المقدمات بعين الاعتبار فإن بناء الحضارة أضغاث أحلام.
وفي تصوري أن أهم تلك المقدمات هي الحرية ، الحرية بمعناها المطلق ، الحرية التي تتيح فرصاً متساوية للظهور لكل الأفكار والآراء ويتاح للجميع فرصة للتنافس الأمر الذي يوصل الى نتيجة البقاء للأصلح أو البقاء للأصوب.
- الذين يخافون من الحرية
ينطلق البعض في خوفه من الحرية من منطلق أنها تتيح الفرصة للأفكار المنحرفة أن تظهر وتفتح الأبواب مشرعة لكل من هب ودب أن يقول ما يشاء متى شاء وهذا التخوف يستند إلى الخوف على الحق والخوف على الحق غير مبرر لأن الحق يحمل خاصية بقائه في ذاته،والخوف يجب أن لا يكون من الحرية وإنما يكون الخوف من الاستبداد ، فالحرية المطلقة وان شابها بعض الهنات الا أنها أفضل بكثير من الاستبداد.
- والذين يخافون من الحرية أيضاً ينطلقون من منطلق أنا صاحب الصواب وغيري لا يمتلك غير الخطأ ، وهذا الشعور مستنده ضعف في إدراك طبيعة الأفكار والتي من أهم خصائصها أن الصواب فيها نسبي ، وقد أدرك هذا سلف المسلمون فقال بعضهم قولي صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ، والقرآن الكريم أشار إلى الحوار – في أكثر من آية ، والحوار له ثلاثة أركان المتحاوران موضوع الحوار ،ومالم يكن لكل من المتحاورين كامل الحرية فإن الحوار منقوص ولا بد أن يكون أحد المتحاورين يحمل فكرة خاطئة من وجه نظر المتحاور الآخر،ولكي يصحح الفكرة الخطأ، فلا بد من إتاحة الفرصة كاملة لمن يحملها أن يعرضها،وقد استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم شاباً كان يحمل فكرة خاطئة عن حكم الزنا، فقد جرأته معرفته برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع لكل الأفكار فقال يا رسول الله إذن لي بالزنا، فكانت ردة الفعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم عادية جداً لم يغضب ولم يأمر بسجنه أو بإخراجه وإنما أخذه في حوار رائع- من غير إكراه ولا ترهيب- أوصلة إلى القناعة التامة بحرمة الزنا وضرره على المجتمع وبأن الفكرة التي كان يحملها كانت خاطئة مع أن بعض الصحابة ابدى ردة فعل قاسية لكن رسول الله ردعه.
- والذين يخافون من الحرية أيضاً ينطلقون من اعتقادهم أنهم حماة الحق وأوصياء عليه ويخلطون بين دور المرشد ودور الحامي ،وبالمناسبة كنت في حوار مع أحد شيوخي حول تطبيق الشريعة الإسلامية فقال لي دورنا أن نعلم الحكام أن يحكموا بالشريعة وليس لنا إلا الإرشاد فإن التزموا فذاك ما أردنا وإن رفضوا فليس علينا هداهم.
والقرآن وضع قاعدة عظيمة: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف/29) حرية تامة يتحمل تبعات اختياره،فليس لنا أن نقسره على شيء وان كان صوابا إنما علينا البلاغ المبين.
الحرية بين الإطلاق والتقييد.
ثمة فارق جوهري بين حرية القول والفكر وحرية العمل ، فحرية القول والفكر لا تحد بحد ولا تقييد بقيد ولا يجوز مواجهتها إلا بالقول والفكر- عدا ما يتعلق بالإعراض- والحوار هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة الأفكار، وإذا تم مواجهة الأفكار بالقمع والترهيب،فإن خطر الفكر السيئ سيكون أكبر وسيتجه أصحابه إلى الغنوص وتكوين التيارات الباطنية،وهذا النوع من التيارات كان له الأثر السيئ على الأمة عبر تاريخها ، وانعدام حرية الفكر في العالم الإسلامي في التاريخ الحديث أسهم في تكوين تيارات وأحزاب خلف الكواليس وفي أطر ضيقة تكتلت حول ما تحمل من الأفكار الأمر الذي أوجد ثقافة إلغاء الآخر ، فعلى سبيل المثال:
اليمن قبل الوحدة كان ثمة أحزاب وتيارات سرية وكان كل تيار يعتقد أنه الصواب وما عداه خطأ وانسحب الأمر إلى ما بعد الوحدة بسنوات ثم بدأت ثقافة الحوار تسود والتقت أحزاب في تحالفات ، ما كان أحد يعتقد تقاربها.
إذاً فحرية الفكر والقول ليس ثمة ما يقيدها،ولا ينبغي تقييدها ويجب أن تترك لقاعدة البقاء للأصلح أو البقاء للأصوب ، وعلى من يعتقد أنه يحمل الحق أن لا يخاف من الحرية ، فإن كان ما يحمله حقاً سيظهر لا بالإكراه وإنما بالحرية التامة وعلى كل من يحمل فكراً أن يدرك أيضا أن الصواب نسبي.
أما حرية العمل فتقيد بعدم التعدي على حق الغير،فحرية العمل تقف عند حدود ملكية الآخرين،وقد شرع الإسلام للعمل العقود المختلفة لتنظيمها وصيانتها ويعرف كل ذي حق حقه،والحرية في جانب الفعل مطلقة في كل نافع للأمة ولا بأس بالتوجيه باختيار الأجود والأكثر نفعاً للأمة،على أن تكون حرية الاختيار والتملك هي السائدة ، ولهذا فيحرم الغصب ، وخيانة الأمانة ، والغش والغرر وكل ما من شأنه تغيير الإرادة والعبث بها .
إذاً فالحرية القولية والفكرية مطلقة وحق الفرد مصان لا يجوز أن يمس ، أما حرية العمل فلا يجوز المساس بحرية الفرد ما لم يتعدى على حق آخر ، ولا تصادر حرية الفرد إلا للمصلحة الجماعية الحقيقية لا المتوهمة وبقواعد وضوابط تكفل العوض المناسب من غير حيف.
قوة الحق تستمد من الحرية المطلقة
لا يمكن أن يحفظ الحق قوته وبقائه بفرضه على الآخرين بالقوة ، ولا بسيطرته على الساحة بفضل ما يسنده من قوة عتاديه أو عسكرية.
إنما يستمد قوته من الحرية المطلقة وفق قاعدة البقاء للأصلح أو الأصوب ، وهذا ما أدركه النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية ، وفي وثيقة المدينة ، ففي صلح الحديبية اكتفى صلى الله عليه وسلم بالفرصة المتساوية لنشر الأفكار من أحب أن يدخل في حلف محمد دخل ومن أحب أن يدخل في حلف قريش دخل ولأن بنود الصلح الأخرى كان في ظاهرها إجحافا واضحاً لم يستطع عمر بين الخطاب رضي الله عنه أن يتقبلها فجاء إلى أبي بكر رضي الله عنه وتناقش معه ولقوة طرح عمر رد عليه أبو بكر رضي الله عنه : أنه رسول الله،ولم يتوقف عمر بل ذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم ودار حوار كان عمر يقول: لم أزل أجد في نفسي خوفاً مما بدر مني يوم الحديبية ، ومع أن بنود الصلح كانت في معظمها مجحفة في حق المسلمين إلا أن القرآن سماها فتحاً.
أما في وثيقة المدينة فقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصاً متساوية لكل سكان المدينة من اليهود وغيرهم في اختيار ما يشأون من الأفكار، وتلك الوثيقة هي أول وثيقة عرفتها البشرية تكفل حرية الأفكار وحرية التدين بل وحرية العمل ولم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عاقب أحداً على وجهة نظر قالها مهما كان عوارها، فالحق إنما يظهر تميزه إذا نافسه غيره،أما إذا كان بمفرده فلا يمكن تبيين تميزه ولهذا قالوا : وبضدها تتميز الأشياء .
ويمكن أن نقول : حرية مطلقة تمنح الحق قوة وظهوراً وتميزاً ، وحرية مقيدة تضع على الحق غبشاً وضعفاً،بل الحرية المقيدة هي عين الباطل،وإن ظنها البعض حقاً.
الحرية المتكاملة تصنع الحضارة
نقصد بالحرية المتكاملة تساوي أفراد الأمة ، وانعدام التفاوت المستند إلى الجنس أو اللون أو المكان، وخضوع كل شيء في الحياة للمنافسة المتساوية ، ففي المجال السياسي يجب أن تكون المناصب السياسية محل تنافس ليصل إليها الأصلح بغض النظر عن جنسه أو نسبه أو مكانته الاجتماعية،وفي مجال العمل لكل فرد أن يعمل وينتج دون أن يجد عائقاً يعوقه طالما يسير وفق النظام والقانون الذي يجب أن يكون دافعاً للتنافس ، ولا يخضع التنافس للمحاباة والقرابة وإنما للكفاءة فقط .
فحرية الفكر جزء من الحرية وحرية التدين جزء من الحرية ، وحرية العمل جزء من الحرية .
فالحرية المتكاملة هي التي تشمل جميع مناحي الحياة سياسة ، وفكراً ، واقتصاداً ، وكل ما من شأنه أن يصنع حراكاً في الحياة .
ونحن عندما نستقرأ أحداث التاريخ نجد أن المسلمين في الدولتين الأموية والعباسية نالوا قسطاً كبيراً من حرية التفكير والعمل فأبدعوا حضارة بديعة غير أنها غير متكاملة لأن الحرية السياسية كانت منعدمة،ولهذا ما بناه الفكر والعمل هدمته السياسة ومع تراكم الأحداث السياسية وسيادة الصراع تم القضاء على كل جميل،وكذا المسلمين في الأندلس نالوا وفرة في حرية الفكر والإيداع فأنتجوا وأبدعوا غير أن إنعدام الحرية السياسية دمر ما أبدعه المبدعون،لذلك ما لم يكن ثمة حرية سياسية حقيقية الحاكم فيها وكيلاً لا مالكاً،فإن الحرية منقوصة وإذا قامت حضارة فإنها أيضاً منقوصة ومهددة بالزوال والنكال .
فالأمة الحرة حرية متكاملة هي التي تبني حضارة متكاملة متجددة .
والحرية السياسية هي رأس الحربة لأن غيابها يعني أن ما يبنيه المفكرون الأحرار سيهدمه الساسة الشطار .
العدل والحرية صنوان
لا يمكن للعدل أن يتحقق بغير حرية مطلقة ، ولا للحرية المطلقة أن تتحقق بغير عدل ومن أعتقد أن العدل يتحقق بمعزل عن الحرية فهو مكابر،أو أن الحرية تتحقق بمعزل عن العدل فهو مباهت ، فالحر العادل يساوي العادل الحر ، فالحر هو الذي ينصف الآخرين من نفسه دون أن يطلب منه ذلك، والعادل هو الذي يعطي الحرية لغيره كما يحب أن يعطوه إياها ، والصورة تنسحب من أدنى إلى أعلى والعكس ، فالحاكم العادل هو الذي لا يغضب من نقد ناقد ولو كان مخطئاً في نقده ، والحاكم العادل لا يهدد ولا يتوعد ولا يكذب ولا يدلس ولا يخلف وعداً ولا ينقض عهداً ، ولا يشتري ذمة،ولا يعبث بحق،ولا يفرض نفسه على أحد ، ولا يجعل أحداً يخشاه أو يتهيب في مخاطبته فقد قال محمد صلى الله عليه وسلم لرجل: لا تخاف إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة، فإذا عمل الناس حساباً لمشاعره وخافوا غضبه أو انتقامه أو حتى تهديده فالعدل منه براء،والحاكم العادل هو الذي لا يحتاج أن يصرف الملايين من أموال الأمة لأمنه وراحته الشخصية أو راحة أسرته .
والحاكم العادل هو الذي لا يميز نفسه على أحد من رعيته لا بمأكل ولا بملبس ولا بمسكن ولا بمركب،فمن يتخذ لنفسه البساتين والحدائق والمأكل والملبس الفاخر والمركب الفاره فالعدل بواد وهو بواد ولا يرجى منه العدل إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ، والحاكم العادل لا يحتاج إلى تأمين الطرقات لكي يسير فيها فالعدل هو الذي يحميه ، ولهذا فقد قيل من أنصف الناس من نفسه فقد أمن .
والحاكم الحر هو الذي لا يعتقد أن الحرية بيده يمنحها لمن يشاء متى يشاء ، إنما هو الذي يعتقد أن الحرية هبة الله ليس لأحد أن يقيدها أو يجزأها ، وأنها جزء من خلق الإنسان .
الحرية المطلقة لا تخيف إلاّ الضعفاء
الحرية المطلقة يخشاها ثلاثة ألأول: متسلط بني سلطته على الزيف والتآمر والكيد والحيف ، فإذا كان ثمة حرية افتضح زيفه ، وانكشف تآمره ، وبطل كيده وانحسر حيفه،وانتهى به الأمر إلى مزبلة التاريخ مع نيرون ، وتشاوسكي ومن قبلهما فرعون وهامان والنمرود .
أما الثاني : فصاحب فكر اتخذ فكره للتكسب ، والتقرب ، وتنمية مصالحه ومكانته فإذا جاءت الحرية المطلقة،سقط عنه قناعه،وبطل تكسبه،وانعدم تقربه،وذابت مصالحه،وهوت مكانته،وانتهى به الأمر إلى بالوعة التاريخ مع السامري ، وبلعام بن باعورا ، والنظر بن الحارث ، وعبد الله بن سلول ، وابن سباء وغيرهم .
الثالث: يحمل حقا لكنه يخشى عليه من الأفكار السيئة موهما نفسه أنه الحامي والحارس لذلك الحق ،وان الحرية اذا فتحت فسينحسر ذلك الحق وهو لا يعلم أن الحق يحمل خاصية بقائه في ذاته والباطل يحمل خاصية فنائه في ذاته وشتان بين الحق والباطل إذا أعطيا فرصة متساوية في التواجد.
فالحرية المطلقة لا تخيف إلاّ الضعفاء ، الذين بنوا مكانتهم على شفا جرف هار .
وأخيراً : أعطني أمة حرة أعطيك الحضارة .
الأمم الخانعة الذليلة التابعة،المستبد بها،التي تُحكم بالمنطق الفرعوني" ما أريكم إلا ما أرى "لا تصنع مجداً،ولا تبني حضارة،ولا يعول عليها إنما هي من سقط المتاع فمن صفق دون وعي،وهتف دون إدراك،فلا يطلب منه أن يركب الوغى ومن خاف أن ينتصر للحقيقة ويقف إلى جوارها،فلا يرجى منه انتصاراً، فقد قال صلى الله عليه وسلم(إذا خشيت أمتي أن تقول لظالم يا ظالم فقد تودع منها) أي لا يرجى منها نهضة ولا نصراً .
فالحضارة لا يبنيها إلاّ الأحرار والمجد لا يبنى إلاّ بالحرية المطلقة فالحق مع الحرية المطلقة ، والباطل صنو الاستبداد وظله الظليل .
الأمة الحرة هي التي تصنع الحضارة
- التفاصيل