غالبًا ما يصارع ذلك الضعيف العقلَ، ويجرُّ علينا ألسنة طويلة، ويسحبنا إلى متاهات غزيرة.
دائمًا يتنبأ الأفضل المُحال، ويتمرد على شتَّى الأحوال، أفكاره عديدة، وأفعاله شحيحة.
دائمًا يُعارك الواقع، أو "ربما أراده الله كذلك".
كل الأمور مرفوضة عنده وإنْ قَبِلها لقليلٍ من الوقت، دائم التمردِ لا تسرُّه طرائف الجاحظ، ولا تُحزنه مراثي مالك.
لا يفرح من شيء، ولا يبكي على أمر، يجرحه طفلٌ ما لبث أن بدأ بالنطق، يفرح من كل حال، ويبكي بعد كل هزال، تروق له جميع الأوضاع، توجعه ما راقت له من الأوضاع، يحب بحقد، يكره بعطف، يستهجن الجميع، يولع بالرضيع، كل الناس إخوته وأغلبهم أعداؤه، وكل الناس أعداؤه وأغلبهم إخوته، يهيم بالفتيات، يتكدر من كل البنات، يحب من يكرهه، ويكره من يحبه، يعاقب بحق ويندم بغير حق، يُظلم وقاحةً ويَسْتعطِف حماقةً، يثور ويثور ويهدأ.
• ويثور.
• يهدأ.
• يطير ويهبط.
• يذكر وينسى.
• يحقد ويصفح.
• ويحقد.
• يصفح ويحقد.
• ويصفح.
• يهيم ويتوهم.
يصرُّ على التفريق لكنه يجمع.
يبدو صغيرًا وأحسبه هَرِمًا.
أحسبه صغيرًا وقد أضحى هرمًا.
يبعث على الفوضى لا يهدأ لا يهدأ.
أقلبي الصغير اهدأ اهدأ.
حسبك الله يا قلبي الصغير. لا لا أظنك صغيرًا، فما تحمله في نبضاتك أهوال حمراء حمراء، أضرمت قلوبًا وقلوبًا.
في القلب.. في القلب فوضى لا تفسره عبث الكلمات، ولا تشفيه فصيحة العبارات، تعجز عنه بوح اللغات.
في القلب.. قلبٌ هادئ ووقور، يحب بصدق، يعشق بعقل، يترفع عن المشاعر الدنيئة، يتمنى كلّ الخير، يضع حدًّا وغير حدٍّ لهواجس النفس.
في القلب.. صور عديدة، ما زالت صورة منها تطاردني، صورة التقطها رجل في أمجاد الحضارة الإسلامية العربية، ورثها منه آخر لم يدرِ ما قيمتها، وكيف التقطها، فما كان له إلا أن يهملها ويدرس ملامحها.
في القلب.. قلب دائم البكاء، عشش فيه الحزن، فرَّخ فيه التذمر، كاد يصله اليأس.
في القلب.. ثمة شعور يبعث على الاشمئزاز؛ حين تشاهد من تفتخر بتبرُّجها، فتبًّا وألف تب لمقابر الأجيال، وتحية إكبار لكل "أنثى" في زمن "المتشبهات السافرات".
في القلب.. أفكارٌ تغزوك لتوهمك بأن قيمتك منتقصة، فتقتحمك جحافل إبليس.
يحدث أن تستمر الفوضى، فتريد أن تبحث عن سببها فتصاب بها أثناء محاولتك علاجها، فتستمر وترسخ، فتبقى هي، لا أطال الله عمرها.
يحدث أن تواجه عارضًا ما، فتعرضه على عقلك فيدلك إلى النجاة، فتشرع بتطبيق نصائحه فينتزعك القلب من دروب العقل إلى دروب المتاهة، فتعود صِفْر اليدين، وتبقى تعاني مما "في القلب".
لا أعلم لأي مدى تستمر بي هاته الحال، فالأمر صعبٌ حقًّا، لا أدري إن كنت سأطيق زعزعةً أخرى، وبعثرةً وإن كانت صُغرى، فالأمر ليس على ما يرام، فلا أريد ولا تريد وما من أحد يريد أن يبقى رهينة لدى قلبه، يخطو به ما يوافق هواه، ويستقر به إلى ما لا تحمد عقباه، فرفقًا بنا أيها الصغير الهَرِم، وتحاشَ من الأفعال ما حقه الجزم، ورفقًا به يا دنيا السأم، فعماده أوشك أن ينهدم.
في القلب
- التفاصيل