حامد الإدريسي
هي ليست وليمتي أو وليمتك أو وليمة واحد من الناس، إنها وليمةٌ، المولم فيها خير من مست يده الطعام، ووطئت رجله التراب، وتنسم صدره الهواء، فيا سعادة أرنبة استنشقت هواء انبعث من ذلك الصدر الشريف، ويا فرحة يد لامست ألين من الديباج والحرير، ففي طيب ذلك النفس هام المحبون، وفي إشراقة ذلك الوجه سار المدلجون، وبأنوار ذلك الطالع استضاء الأولياء والصالحون، وجه عرج إلى قاب قوسين، وأم الأنبياء والمرسلين، لا حرمنا الله من كفه شربة، ومن وجهه نظرة، ومن شفته كلمة، برحمة من أظهر به تجليات رحمته، وجلى به عظمة ربوبيته، وإني عند ذلك لمن الفائزين، فنظرة منك يا أبا القاسم منتهى أمل العاشقين، وجلسة معك في رياض الفردوس أقصى مطمع العابدين، من الأولين والآخرين، فصل يا رب عليه صلاة ممتدة امتداد الأفق، منتشرة انتشار الهواء، بكل كلمة قالها، وبكل خطوة سارها، وبكل آية تلاها، ما ذُكر اسمه في الملأين الأعلى والأدنى برحمتك يا أرحم الراحمين.
أجدني قاصرا عن أداء التمجيدات اللائقة بمقام الاستنباط من أخلاق هذا الرسول الكريم بذكر لمعة من لمعات محبته في قلوب المحبين، فحقٌ استحقه من عرفنا به الحق حقيق أن لا نقوم به حق القيام، ولكننا نتقدم بالأعذار بين يدي مقام الألوهية أن يتقبل منا الشكور بمنه وستره هذه الكلمات عرفانا بعظيم قدره وجليل جنابه عليه الصلاة والسلام وعلى آله الأخيار.
ومن هي العروس في هذه الوليمة، إنها ليست أختي أو أختك، إنها ليست أنثى شرفها أب أو مال أو نسب، إنها أنثى نالت شرف أن تأكل مع محمد وتشرب مع محمد، وتنام إلى جنب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، جنبٍ أثّر فيه الحصير من التواضع، بينما خضعت له الأرض بشجرها وحجرها ونباتها، واشتاقت له بجذوعها وأغصانها، ودانت له الصدور بقلوبها وضلوعها، إنها ليست امرأة فحسب، إنها زوجة من رؤيته تنقذ من النار، وتنقل إلى مرتبة الصحابة الأخيار، قعيدة خلاصة التجليات النورانية، ونهاية كمال الخلقة الإنسانية، ومجلى اللطائف الرحمانية، فكان لها بزواجها منه غاية الشرف ومنتهى الرفعة، فصارت أما للمؤمنين، واستوجبت البر إلى يوم الدين، إنها صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها.
ومن هم المدعوون في هذه الوليمة، إنهم ليسوا أنا وأنت، إنهم العظماء الكبراء الوجهاء الأتقياء الأنقياء الأوفياء الشرفاء، السابقون الأولون، الصادقون المفلحون، من آزروا الزرع حتى اشتد فاستغلظ واستوى على سوقه، جلّى الرحمن ذكرهم في محكم تنزيله، وأثنى عليهم بأنوار حروف كتابه، فتكلم الباري بتبجيلهم، وسعدت السماء ليالي بترتيلهم، سيماهم في وجوههم، وأنوارهم في قلوبهم، وسيوفهم في أغمادهم يضربون بها فوق الأعناق، ويضربون بها كل بنان، نصرة للدين وحماية للنبي الكريم، فيالهم من مدعوين ويالها من وليمة وياله من مشهد.
وهاهو نبي السماء يبتدئ درسه للإنسانية ذلك اليوم بإعلانه عن وليمة لم يسمع بها الناس، وليمة عظيمة على تواضعها، دسمة على قلة ما فيها، وددت لو حضرتها بنفسي ومالي وأولادي، وليمة تعلم البشرية معاني اليسر والسمو والعظمة، وتفصل بين الإنسان والمادة، وتطعن الكبر وتقتل الرياء، وتقول للملوك هاكم العظمة علموها بني ساسان وبني الأصفر، ومن يأتي بعدهم من أمم الأرض، فهنا تنحني عقول المفكرين وفلاسفة الدنيا دهشة وإجلالا، فماذا كانت وليمة قائد ظفر بأعدائه، وفتح الله له الأرض والديار وأرضا لم يطؤوها، قائد تزوج بنت سيد بني النضير.
لقد دعا بنطع من أدم فوضع على الأرض، وطلب من كل واحد أن يأتي بشيء مما لديه، فألقى هذا تمرا، ووضع هناك بر، وأتى هذا بخبز وعصر ذاك من قلة سمنه، ثم اجتمعوا يأكلون، وهم سادة العالم إلى اليوم وإلى يوم الدين.
فهل عجز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يشتري أو يقترض من أصحابه ما يولم به؟ لكنه سن بتلك الوليمة سنة عظيمة غفل عنها الناس وردمتها عادات الآباء الأولين.
فهيا نحيي هذه السنة النبوية العظيمة ونقول باسم الله نولم وليمة صفية.
نعم سوف تكون وليمة صفية سنة متبعة يبدؤها الأغنياء لكي يعتذر بهم الفقراء، فيسهل عليهم الزواج، وستقوم أنت يا قارئ مقالتي هذه، وأنت يا قارئة مقالتي، ويا محبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، سوف تدعو أصدقاءك إلى وليمتك أو وليمة ابنك، وسيأتون بطبخ أعدّوه في بيوتهم، كل بما تيسر، فيأتي هذا بدجاجة مشوية، والآخر بشيء من لحم لذة للآكلين، وذاك بخبز حديث عهد بتنور، ويتخير الآخر من فواكه قد صفها بإناء شهوة للناظرين، فيمد كل ذلك في السماط، وتتلون المائدة بالألوان، وتختلط فيها الأطباق والأذواق والأعراف والأصناف، ثم يعلن صاحب الوليمة هذه السنة أمام الناس، وإن كان من أهل اليسار فأقترح له أن يعلن تبرعه بمال الوليمة لمحتاج أو يتيم أو مسكين، فيتبارك هذا الزواج من جهتين، جهة إحياء هذه السنة الميتة، وجهة إحياء سنة حسنة، يكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، فيأوي الناس إلى بيوتهم مسرورين بذلك الزواج وبتلك الأطباق، وبهذه السنة النبوية العظيمة التي سيكون لمبتدئيها أجر من عمل بها إلى يوم الدين.
إننا بهذا نعلن مظهرا ساميا من مظاهر التكافل الاجتماعي، ونسقط عن العزاب عقبة من أهم عقبات الانضمام إلى ركب الزوجية، ونمكن هذا الأعزب من حقه كإنسان أن يعيش في ظل دين جاء ليرفع عنه العناء، من نبي رحمة للعالمين، صلوات ربي وسلامه عليه.
اللهم بارك في زواج من سيعمل بهذه السنة النبوية العظيمة، واكتب له سعادة متصلة ببركة من أحيا سنته، واكتب له صدقة جارية بأجر من سيعمل بها إلى يوم الدين، وزده من مزيدك ما يليق بالكريم الشكور الغني الرؤوف الودود، سبحانك ما تتحرك الأنامل ألا بأمرك ولا ترسم الأحرف إلا بعلمك.
وليمة صفية
- التفاصيل