مالك فيصل الدندشي
هل يشترط لنجاح الدعوة والرسالة بقاء الرسل أحياء؟ إذا كان الجواب بالنفي ـ وهو الصحيح ـ فمن يستلم الراية بعد الأنبياء ولاسيما في ملتنا الغراء؟ من يحق له أن يتحدث باسم الرسالة؟ أو يستفتى في قضايا الأمة وأعمال البشر وفق رؤية المنهج الإلهي ومقاصده؟.
و إذا كان الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم – لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولم يتركوا عقارا ولا متاعا؛ وإنما ورثوا أتباعهم ثروة من العلم، وكنزا من العمل، وبحارا من الحكمة، وأنوارا من الشرائع والشعائر والأخلاق ـ فمن له الحق في هذا العطاء؟ ومن له الحق في استنباط الأحكام، واستنتاج المقاصد والكليات والحكم عليها في ضوء الشريعة الإلهية السمحاء؟.
إن العلماء الأتقياء الأنقياء الراسخين في العلم العاملين بما عملوا هم الموقعون عن الله ورسوله فيا لها من مهمة جسيمة، ويا له من تكليف شاق! وويل لمن حمل هذه الأمانة فزاغ عنها، وصد عن آيات ربه إرضاء لمخلوق مهما كان شأنه، وعلت مكانته!.
وماذا يكسب العالم إذا أطاع هواه وسيده وعصى خالقه ومنهجه؟!!.
فالعلماء – في الإسلام – هم كهف الأمة تأوي إليهم عند المحن، وبلسمها المهدئ إذا اضطربت الأمور، ودفئها عندما ينزل بها برد العدو، ودواؤها عندما يعسف الظالمون بها، وملاذها عند الفتن والمحن و محجتها البيضاء عندما يكثر الهرج والمرج، وهم قادتها في الحروب وهم مصابيحها في السلم، وينبغي أن يكون منهم الحاكم العادل والقاضي المخلص والشجاع الذي يثبت في المواقف.
ولما كانت منزلة العلماء رفيعة بهذا الشكل، ولما كان للعلماء هذا الدور الخطير في حياة الأمة ولما كان المجتمع المسلم يتعلق بعلمائه تعلق الوليد بأمه – فقد دأب أعداء الأمة على وضع الخطط كي يفصلوا الأمة عن مرجعيتها، ويجعلوا بينهم وبينها فجوة بعيدة؛ ليبقى العلماء بلا سند، ويبقى المجتمع بلا هاد يدلهم على الطريق الصحيح السليم.
إن أهم هدف وضعه الأعداء ليحولوا بين الأمة وعلمائها هو زعزعة الثقة بين العالم والعامة، وسلكوا إلى تحقيق ذلك أساليب عدة أوجزها هنا كي ينتبه المسلمون إلى ما يدبر لهم:
إن هذه الأساليب تنصب كلها على تشويه صورة العالم أو توهينها، والسخرية منها وإبرازها بأشكال تشمئز منها النفس حتى إذا ما اهتزت هذه الشخصية، وضعف تأثيرها رموها في سلة المهملات أو أهانوها أو ألصقوا بها أشياء لا تمت إلى الحقيقة بصلة أو ربما تمكنوا من أن يغيروا في سلوكية بعضها، فتسقط في أعين الناس، ولن تعود – في نظرهم – مرجعا يفيئون إليه كما كانوا من قبل.
من هذه الأساليب:
1 – الإغراء: وهو أنواع: مادي، وظيفي، علمي......... أي إنهم يحاولون شراء العلماء بالدرهم والدينار أو بإعطائهم مناصب تتناسب ومقامهم العلمي (في وزارة الأوقاف والقضاء والعدل) أو يمنحون ألقابا مستحدثة (مدير مركز إسلامي أو رئيس جامعة أو عميد كلية أو منصب إفتاء) ......إلخ
2 - التهديد: وهو أنواع: إما أن يكون بالفصل أو الإبعاد أو بالسجن، أو بالتخويف بأية صورة كانت مما يتقن التفنن به عملاء السلاطين، وقد يكون بالسخرية أو إلصاق التهم الكاذبة، أو فرض إقامة معينة عليه أو الحرمان من حق العمل، أو تحديد فرص التحرك في الحياة.
3 - الإفساد: إذا فشلت تلك الإغراءات أو التهديدات، فإنهم يسعون إلى إفساد بيت العالم المسلم سواء إفساد أولاده أم بناته أم عائلته، ولهم في ذلك برامجهم التي وضعوها بإحكام.
4 - التهييج: ويقصد به إثارة العلماء بعضهم على بعض؛ وذلك بتشجيع مناطق الخلاف والاختلاف سواء تعلق بالعقائد أم بالشرائع أم بالشعائر أم بالمواقف والرؤى وغير ذلك، والمعارك من هذا النوع من أخطر المواجهات؛ وذلك إذا تجاوزت الحدود المعقولة، وبدأت تطلق عبارات التفسيق والتكفير و التبديع و.. و..... .
5 - تحميلهم أوزار غيرهم: وأقصد به إشراك العلماء في قضايا الأمة ومشكلاتها وهم ليسوا طرفا فيها، و لا علاقة لهم بتداعياتها، ولم يكونوا طرفا مسببا في وجودها، ولا مصلحة للإسلام فيها، وربما يتبين – فيما بعد – أن هذه الأمور مفتعلة بين الساسة؛ ثم تنكشف القضية على مصالحة بين هؤلاء، ويبقي وزرها على العالم.
6 – استصدار فتاوى تخدم أصحاب القرار: يستدرج بعض الحكام العلماء كي ينظروا في مسائل يحرص الحاكم على إيجاد مسوغ شرعي لها؛ لذلك يضعف بعض العلماء تحت ضغط الحكام، فينظرون في القضايا لتكون – أخيرا – محل قبول عند الساسة، ولا يهم بعد ذلك أوافقت مقاصد الدين أم خالفتها.
7 – تطويع نصوص الدين ولي رقابها: هناك بعض العلماء من طوعوا الأدلة لتجيز الواقع، وتعترف به على الرغم من أنه واقع مذموم ومرفوض، ومن أهم مشكلات الواقع الآن:
هي طرح مشكلة التعايش بين الأديان، ومفهوم جهاد الكفار، وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، وقضايا المرأة، ومفاهيم الولاء والبراء وشكل نظام الحكم وووووو..........
8 – أسلوب الإحراج والاستعجال: يلجأ بعض الإعلاميين إلى إجراء بعض المقابلات الصحفية مع الدعاة أو العلماء، ثم يطرحون عليهم أسئلة عامة أو خاصة، ويطلبون منهم إجابات صريحة، والهدف من هذه المقابلات استصدار فتاوى أو مواقف من هؤلاء العلماء الذين لم يعدوا أنفسهم لهذا الحوار، ولم يخطر على أذهانهم أن ما يقوم به الصحفيون و الإعلاميون هي فخاخ تنصب لهم ليقولوا ما يقولون دونما تثبت أو معرفة كاملة بالواقعة وظروفها وملابساتها؛ لذلك يقع كثير من العلماء والدعاة في تحليلات خاطئة، أو تصريحات مرتجلة أو فتاوى مضطربة، وربما حكموا على أشخاص أو دول أو مذاهب حكما خاطئا بسبب جهل هذا العالم أو الداعية بحقائق الأمور وبواطنها؛ لذلك على العلماء ألا يتسرعوا في تصريحاتهم، وأن يحذروا أسلوب الإحراج والاستدراج.
9 – استكتاب العلماء من قبل جهات غامضة في نواياها كي يكتبوا إلى تلك المؤسسات العلمية بحوثاً ينتفعون بها في خططهم؟؟؟.
10 - استدعاء العلماء والدعاة إلى مؤتمرات مشبوهة يضفي حضورهم إليها تسويغاً لإقامتها؛ وما هي إلا مؤتمرات قصد منها خدمة الأهداف الاستخرابية لأعداء الأمة من ماسونيين وصهيونيين ومستشرقين، والذين ينشدون الاستدمار إلى هذه الأمة.
فالله الله أيها العلماء والدعاة أن يؤتى الإسلام والمسلمون من قبلكم، ولا تخدعنكم بروق الشعارات ومسوغات المصلحة بأن تقولوا ما لا يرضاه الله ورسوله، فإن قولكم يقود الأمة إلى وضع لا بواكي تبكي عليه وتندبه.
أيها العلماء والدعاة، إذا كانت هذه هي منزلتكم في الأمة وإذا كان لكم هذا الحضور الهام في واقع مجتمعاتكم، وإذا كانت هذه أساليب أعداء الإسلام تستخدم معكم كي يقطعوا بها حبالكم التي تربطكم بمصائر أمتكم ؛ وربما هناك أساليب أخرى لم أتعرض لها ، واكتفيت بذكر أهمها –فأنا أقترح عليكم ما يلي :
ما الذي يمنع أي واحد منكم أن يتجنب أي حديث أو أي تصريح لم يستعد له، أو لا يجد فيه فائدة واضحة؟.
وماذا يضيره لو أنه اتخذ له بطانة خير من أبناء المسلمين من أصحاب الخبرات يستشيرهم فيما يلتبس عليه من أمور قبل أن يدلي بكلام، أو يعطي رأيه في مسألة؛ أو يسألهم عن حقيقة كثير من الجهات والمؤسسات ذات الهوية الغامضة ؟؟؟
وماذا عليه لو أنه – بعد كل هذه الاحتياطات – أن يتشاور معهم حول جدوى المشاركة في مؤتمر ما أو هيئة معينة، أو كتابة مقال أو بحث إلى جهة مجهولة الأهداف.
ولماذا أيها العلماء لم تحرصوا على تفعيل وتنشيط ما يسمى بفقه الأولويات والموازنات، وتقديم المصالح وترتيبها بحسب أهميتها، وتأجيل بعضها إلى وقت تتحقق فيه المصلحة العليا؛ ثم لماذا لا تحرصون على درء المفاسد التي تسعون إلى إزالتها، ولو أدى ذلك إلى تفويت بعض المصالح التي لا يشكل غيابها ضررا على أمتكم؟؟.
وأقترح عليكم – أيها العلماء والدعاة - ألا ينفرد أي واحد منكم برأي أو عمل، أو موقف، وعلى كل عالم وداعية أن يعمل في إطار هيئة علمية أو مجمع فقهي يضم نخبا من صالحي علماء الأمة من مختلف البلدان.
أناشدكم – أيها العلماء والدعاة بأن تبتعدوا عن كل ما يثير الفرقة بينكم، ولاسيما في المسائل الاجتهادية والقضايا المحتملة، وليسعكم ما وسع من قبلكم في زمن عافية الأمة، فكيف وهي في حال المرض والتمزق؟؟؟ ألا فلتسدوا كل أبواب الفتنة والوهن، ولا تنقلوا خلافاتكم إلى العامة، وقدموا مصلحة الدين على كل مصلحة.
لم أشأ في هذا المقال أن أقدم الأدلة والشواهد حتى لا أثير غبارا يعكر جو الكلام، فالهدف منه هو انتصار للحق، وبيان للحقيقة، وإيثار للوحدة التي تلم الشمل، وترأب الصدع قبل أن يتسع الفتق على الراتق.
والله أسأل حسن الختام وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الهدى الأمين.
يا علماء المسلمين ودعاتهم انتبهوا
- التفاصيل