بقلم: أ.د. عماد الدين خليل
ما أجمل تعاليمك يا رسول الله... إنها تريد أن تجعل الحياة الاجتماعية مترعة بالألفة والمحبة والانسجام، وأن تكون العلاقات بين الناس خالية من شوائب الأذى والكراهية، والجفاء والبغضاء. ونحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى هذه التعاليم الوضيئة.. أن تسود المودّة بين المواطنين، وألاّ يسمع بعضهم بعضاً إلاّ الكلمات العذبة الودودة، التي تزيد الروابط الاجتماعية قوة، والتي تمنح الحياة اليومية طعماً عذباً.. في البيت.. في المدرسة.. في المسجد.. في السوق.. في الشارع.. في المؤسسة.. وفي كل مكان. ولنتذكر أن نقطة الارتكاز في بناء أي مجتمع متحضر على مدى التاريخ إنما هي منظومة القيم الخلقية والسلوكية، وأن تنميتها والحفاظ عليها هي التي تجعل المجتمعات تمضي قدماً في سلّم الحضارة، ولهذا قال الشاعر أحمد شوقي: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا .
والكلمة الطيبة هي واحدة من هذه القيم التي تلعب دوراً كبيراً في بناء المجتمع، وتماسكه، وتمكينه بالتالي من المضي في طريق التقدم. ومن منّا لم يتلقّ يوماً كلمة سامة، أو عبارة جارحة تصدر عن أناس لم يتحصّنوا بالأخلاق فتكون كالسكاكين التي تدمي وتمزّق الأواصر والعلاقات، وتستأصل المحبة من قلوب الناس؟ ومن منّا ـ كذلك ـ لم يتلقّ من هذا المواطن أو ذاك، كلمة طيبة تنزل على قلبه كالماء الزلال، وتفجّر فيه ينابيع المحبة للآخرين، والرغبة الجادة في التقرّب إليهم والتعاون معهم لتحقيق الأهداف العامة التي ينشدها الجميع؟ وللأسف الشديد، فإن العائدين من ديار الغرب طالما تحدّثوا عن (الكلمة الطيبة) المعلّقة على ألسنة القوم هناك، وأجدر بنا، نحن أحفاد الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم أن نتخلّق بذلك.. ليس هذا فحسب، بل إن البسمة التي نقابل بها وجوه الآخرين، كادت أن تغيب من حياتنا هي الأخرى رغم أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أمرنا بها في حديثه الشريف: «تبسّمك في وجه أخيك صدقة».
ولعلّنا نكون أكثر جدّية في التعامل مع هذه التعاليم من أجل حياة أكثر عذوبة وانسجاماً وجمالاً. أن تقول لأخيك الذي أخطأت معه خطأً بسيطاً: (آسف)، فكأنك تزيل من نفسه - لحظتها - ما قد يسبب له الأذى الذي سرعان ما ينقلب حقداً وكراهية وبغضاء قد تفترس جملته العصبية، وتكون أنت - من جهتك - قد خسرته، وربما إلى الأبد.. هذا كلّه يمكن ألاّ يحدث بإعمال الكلمة الطيبة في علاقاتنا الاجتماعية. أن تبتسم في وجه أخيك - إذا أخطأ معك - فتزيل من نفسه دوافع الخطأ، وتدفعه دفعاً في الاتجاه المقابل تماماً.. إلى حالة من المحبة والأريحية والاعتذار، فتعود العلاقة المتأزمة بين الطرفين إلى وضعها الطبيعي تماماً من الألفة والتجاوب والانسجام. ثمة أبعاد نفسية واجتماعية تترتب دائماً على مواقفنا من بعضنا البعض، ولطالما تضخمت «الحالة» الخاطئة تضخماً سرطانياً يقود إلى ما لا تحمد قباه.. ولطالما تحولت إلى «جريمة» قد تقود حتى إلى القتل.. ناهيك عمّا تسببه للطرفين من معاناة نفسية مترعة بالحقد، والرغبة المكبوتة في الانتقام. هذا كله ما كان له أن يحدث لو عرفنا كيف نشغّل «الكلمة الطيبة» و«البسمة الحانية» في حياتنا اليومية وعلاقاتنا الاجتماعية.. ولنتصوّر حياة تخلو من هاتين، وتستبدل بهما الكلمة الجارحة والنظرة الحاقدة، ماذا يمكن أن تقطع من أواصر، وتقود من سوء. والرسول المعلّم صلى الله عليه وسلم من أجل أن يبعدنا عن هذا المصير الكالح، ويحببّنا بنقيضه الوضيء، يعلن عن الأجر الكبير لكل من يطلق لسانه بالكلمة الطيبة، وملامحه بالبشاشة والمحبة، ويعتبر ذلك «صدقة» تدخل في رصيد المؤمن رقماً إيجابياً سيجده يوم الحساب.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعل الكلمة الطيبة، والبسمة الوضيئة، تساوي ما ينفقه المسلم على الفقراء والمحتاجين من كدحه الخاص.. فإن هذه جميعاً ــ والحق يقال ــ تعمل عملها في الحياة الاجتماعية والنفسية صمامات أمان تحميها من القطيعة والكراهية والحقد والبغضاء.
الكلمة الطيبة صدقة
- التفاصيل