د. محمد بن سعد بن حسين
كل شيء في حياة الإنسان إذا مضى بات ذكرى، يزورنا حلوها ومرها فتهش لها نفوسنا، حتى المر منها لكون الزمن قد غسل مرارتها إلا ظلالا باهتة لا تستطيع الصد عنه.
وحين تزورنا تلك الذكريات تحتفل بها إحساساتنا ومشاعرنا، وتنغمس فيها عواطفنا، فتغمرنا موجات من السعادة نفيق منها على واقع بعيد عنا كل البعد، فنلفظ من صدورنا آهة عميقة، تنبئ بالتحسر والاشتياق، وهيهات هيهات، وقد نردد مع الشاعر قوله:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل
حاول أيها القارئ متابعة خيوط ذاكرتك، وستجدها تقودك إلى أوليات حياتك، إلى ذلك الذي صحبته حالا فيه كالمكان أو مرافقا له كالإنسان، وربما الحيوان، ثم بان وبنت، ولكن الذكريات ظلت محفورة في أعماق حسك وشعورك تثيرها أوهى الأسباب، وتهيجها أضعف المناسبات، لتجد نفسك وأنت تركض وراءها بلا إرادة وهي تقودك إلى حيث كنت في سالف من عمرك، كنت تظنه بات نسيا منسيا، وما علمت أنه شيء نقش على لوحة الذاكرة، ومزجت به العاطفة حتى لم يعد في مقدورك التخلص منه مهما افتعلت التناسي، وذلك سر تردد صوت الماضي في أحاديثنا المنطوقة والمكتوبة، بل والمكتومة ضنا بها على أن يلوكها لسان الحاضر الذي حكمته المادة حتى لم يعد يقدر شيئا سواها إلا أن يكون خادما لها، وبئست هذه من حال، لم نكن في ماضينا نلتفت إلى مثلها، فضلا عن أن نسلمها زمام علاقتنا وتصرفاتنا.
كان الماضي وكانت المودة والمحبة والتعاون والتواصل والإيثار، وباختصار كنا في الماضي على ما وصفت الأحاديث الشريفة التي رواها مسلم في صحيحة في باب "تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم" من كتاب "البر والصلة" (عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"رواه البخاري. وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"متفق عليه. وعن النعمان أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله"رواه مسلم.
تلك كانت حالنا في الماضي لا نخرج عليها إلا سهوا أو شذوذا أو ندرة لنعود إليها مسرعين نأرز إليها كما تأرز الحية إلى جحرها.
حال كانت تشيع السعادة، وتنشر البشر والائتناس، حياة لا شكوك فيها، ولا تربصات ولا مكائد تكدر صفاء الحياة وجمال الإخاء وجلال الثقة، لا شيء يكدر ذلك أبدا، فأين نحن من تلك الحياة الهانئة المطمئنة؟ نروح فيها ونغدو على نقاء سرائرنا، وصفاء نياتنا التي لم تلوثها أطماع المادة؛ لتنبت فيها شوك القتاد الذي يظل يفري الإحساسات والمشاعر، ويمزق العواطف لتحول الحياة إلى غابة، والناس فيها وحوش تتسابق على فرائسها وقد تتصارع عليها.
تُرى لو عاد بنا الزمن إلى حيث كنا، هل سنرى تلك الأيام كما هي جميلة كما هي في ذاكرتنا؟ هل سنعيشها كما عشناها سلفا؟ أم أن المثل القائل (كل محجوب مطلوب) سينطبق علينا، ولذا ستتغير نظرتنا إلى ذلك الماضي لو عاد؟!
لست أدري ولن يدري ذلك أحد؛ لأن الزمان لا يعود إلى الوراء، ولذا لن يمارس هذه التجربة أحد ولن يمر بها مار، فلنستصحب الماضي صورة جميلة نناجيها كلما أثقلتنا الحياة الجديدة بأعبائها فنبثها كل آلامنا ومتاعبنا فنجد في ذلك التنفيس، وشيئا من العزاء
ذلك الزمن!
- التفاصيل