د. خالص جلبي
إن أقرب الأشياء الثلاثة للإنسان هي:
إسمه الذي به ينادى
ولغته التي بها ينطق
ودينه الذي به يعتقد
فهي أسوار الحماية الثلاثة
والذي دفعني للكتابة أن المدير الطبي الهندي كان يتفقد ملفات المرضى عندي  فانزعج حين قرأ اللسان العربي في بلد عربي أمين.
فأرسل لي يحذرني من ارتكاب مثل هذه الخطيئة الشنيعة مرة أخرى..
وقلت في نفسي:
تصور أن هذا الهندي الذي يرطن باللغة الإنجليزية المكسورة كان في بلد آخر!
تصور أنه في ألمانيا ويوجه طبيب ألماني بأن يتجنب الكتابة باللغة الألمانية؟
في ألمانيا لم يكن يسمح لنا بلمس المريض الألماني قبل التمكن من اللغة الألمانية نطقاً وكتابة وبالنسبة لي فقد أرسلوني إلى معهد (جوته) لتعلم اللغة الألمانية على حسابي وليس حسابهم فمن أراد قبض راتبه عليه أن ينطق لغتهم

أما عندنا فيُسخر من لغتنا وتنهب أموالنا!
وهي ضريبة التخلف على كل حال لأمة تعاني من الهزيمة حتى قاع اللاوعي!

قصصنا مع الهنود والنيجيريين والطليان والفيليبينيين وأهل مدغشقر ونيبال في أرض العروبة أكثر من أن تحصى
وأذكر العديد من الحالات ونحن نفك الاشتباك بين طبيب نيجيري ومريض سعودي حتى لا يصلح فتقاً في المكان الغلط  أو يستأصل مرارة بدون مبرر أو يفتح على مكان الزائدة والزائدة قد استؤصلت!

وهي كوميديا تعجز
عنها مسارح أثينا
أيام سوفوكليس وصولون

وحين تبدأ الأمة تتكلم بغير لغتها
فهي تفقد ذاكرتها
كما قال توينبي عن كمال أتاتورك

قال توينبي:

إن ذلك الرجل لم يفعل كما فعل النازيون مع الكتب في الساحات العامة
كما هو في ليلة برلين المشهورة مع اليهود عام 1938

أو كما فعل ملك إسبانيا فيليب
مع الثقافة العربية

بل قام بما هو أدهى وأمر

فقتل الحرف العربي بدون لمسه
حين قلب الحرف التركي من العربي إلى اللاتيني
وترك باقي المهمة للغبار والرفوف
كي تلتهم كل التراث العثماني
المخطوط بالحرف العربي في آلاف المجلدات خلال خمسة قرون
وبذلك أصبحت تركيا بين عشية وضحاها بدون ذاكرة

ولولا الروح الصوفية الذكية والتوقد الإيماني
لدخلت تركيا العلمانية وودعت الإسلام إلى غير رجعة
لكنها روح الإيمان
التي تتقد من روح الله
الذي لا تأخذه سنة ولا نوم

وفي قناعتي
أنه قد أتى اليوم
الذي بدأ الأتراك فيه بمراجعة تاريخهم مع كارثة الإنقطاع
ولنتصور أنفسنا اليوم
ونحن نرطن باللغة الإنجليزية المكسرة
فتختنق الأفكار باختناق الكلمات
ونبقى بدون ذاكرة

إن اللغة هي ذاكرة الأمة
وهي اللاوعي العميق
وهي الذات

وصاحبنا الهندي لا يلام
لكن من يلام
هو من استقدمه
دون أن يشرط عليه النطق باللسان العربي
لاستلام راتبه المغري

حتى اللغة العبرية تم أحياؤها

في الوقت الذي تقتل فيه اللغة العربية
في خيانة ما بعدها خيانة

ابن خلدون تعرض لهذه الأزمة منذ أيامه
والفتح العربي يتقلص ويتراجع أمام حروب الإسترداد الإسبانية
فذكر أن المغلوب مولع بتقليد غالبه لاعتقاده بالكمال فيه
وهو ما يفعله الأطفال مع آبائهم
والعرب مع أميركا

اللغة هي لسان الأمة في التاريخ
فإن هانت الامة
هانت لغتها
وإن سمت وارتفعت
انتشرت لغتها
فقرأها قوم آخرون

حتى الجن الذين جاؤوا يوماً ينصتون للقرآن
فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا
يهدي إلى الرشد فآمنا به


مجموعة أملي الجنة الإسلامية

ولولا القرآن
لكان مصير العرب مثل مصير أهل الشيشان والدومينيكان

لكن القرآن منح الخلود للغة العربية
ولسوف تستعمل
رغم تفاهة مناوئيها
واضمحلال العقل العربي في بركة الضفادع

يقول في هذا محمد إقبال

إن من أراد أن يكتب وثيقة
ويدفنها في الأرض
فيقرأها الناس بعد ألف جيل
فليكتب باللغة العربية
فهي لغة الخلود من القرآن الخالد


مجموعة أملي الجنة الإسلامية

JoomShaper