دمشق - بيسان البني

جثت الأم منتحبة أمام جثمان ابنها الشهيد المسجى. لا تأبه بالحشود المشيعة ولا بكاميرات التصوير التي اعتادت في الفترة الأخيرة رصد آلام السوريين وأحزانهم ببرودة. لم تستطع حبس قهرها بل خذلتها بعض الصرخات وهي تبكي فقيدها الشاب. لم تخنها الدموع ولا الكلمات علّها تثلج صدرها المحروق.

مشهد سوري يتكرر كل يوم على شاشات المحطات الفضائية التي تواكب الأحداث الدامية في سورية. تغيب عن تركيز عدسات التصوير من دون أن تغيب عن المشهد، صورةُ والد الشهيد وهو مثكل بالحزن أيضاً، ومجبر على التماسك أمام مجتمع يُحرِّم مظاهر الضعف والبكاء على الرجال ويحمّلهم عبئاً مضاعفاً، يبدأ بابتلاع الدموع ولا ينتهي بمواساة الأم والزوجة وباقي أفراد العائلة وبثّ القوة في نفوسهم من جديد.

 

«الرجال لا تبكي بل تصنع الأوطان»، تسمع العبارة بثقة من أبو محمد، الرجل الستيني الذي ودّع ابنه ذا العشرين ربيعاً، ويضيف: «الوطن أيضاً غالٍ». ينظر إلى زوجته الثكلى ويؤكّد بحزم: «ارفعي رأسك، ابنك شهيد ومثواه الجنة».

 

حال أبو محمد كحال كثيرين من الآباء السوريين الذين فقدوا فلذات أكبادهم بسبب عنف لا يرحم جعل من الموت حقيقة يومية وجماعية يعيشها الوطن. حقيقة لا تكترث بقلب أمّ ولا بمشاعر أب، وإذا خرج أبو محمد ذو القلب القوي من محنته سالماً غانماً وقادراً على الوقوف إلى جانب أسرته ومساعدتها على تجاوز أزمتها وحزنها، يبقى حال مئات الأسر السورية الأخرى هشّاً ومهدّداً بالانهيار، أسر فقدت الابن، وأخرى فقدت الأب أو ثالثة خسرت الأب والابن معاً.

لا يشكل عيد الأب جزءاً من الثقافة الشعبية السورية، كما هو حال عيد الأم، وإن كان موقع الأب في الأسرة على درجة كبيرة من الأهمية في مجتمع أبوي بامتياز، وفي حين تحتفل الكثير من دول العالم بالأب في الحادي والعشرين من شهر حزيران (يونيو) من كل سنة، لا يكترث السوريون بتكريس يوم خاص للاحـــتفاء بالوالد أو رب الأســـرة وحامي المال والأرض والعرض، بل هم يكرمونه ويعترفون بدوره الرئيـــسي والحاسم كل يوم وبشكل خاص مع استمرار الأحداث المؤلمة التي يعيشها الوطن والتي جعلت من الأب ركيزة العـــائلة ورمزاً أكبر للتضــحية والتفاني، يترك غيـــابه عن الأسرة أثراً كارثياً ذا نتائج سلبية عميقة على المدى الطويل.

أب شهيد وطفل يتألم

يحصر القانون السوري والشرع الإسلامي تعريف اليتيم بفاقد الأب، ويمدّ المجتمع هذا التعريف لكل أسرة فقدت راعيها، فالأسرة تصبح كلها يتيمة عند فقدان الأب الذي يعتبر ركيزة أسرته في المجتمع، من مسؤوليته كسب العيش وحماية العائلة إلى لعب الدور القيادي في أخذ القرارات المهمة المتعلقة بها، إلى ما يشكله سلوكه في العمل والشارع والحياة العامة من نموذج محسوس لأطفاله، خلال نموهم وتكوين معالم شخصيتهم الاجتماعية، بالإضافة إلى أن غياب الأب يزيد من الأعباء الملقاة على كاهل المرأة ويغيّر الأدوار الاجتماعية والاقتصادية داخل الأسرة لتصبح الأم الثكلى مسؤولة أكثر فأكثر، وعليها أن تلعب دور الأم والأب معاً، ما يجبرها على مغالبة أحزانها والالتفات إلى لمّ شمل العائلة والاهتمام بعيشها وأمانها ومستقبل أبنائها.

ويؤثّر فقدان الأب على النمو النفسي والعقلي للطفل وعلى ثقافته وشخصيته، فيعيش حرماناً كبيراً، ويشعر بالضعف وبالتهديد الدائم، وغالباً ما يعاني مشاكل واضطرابات سلوكية وعاطفية سببها غياب الأمن والتوازن الروحي الذي يحققه وجود الأب في الأسرة، ويؤثّر على مدى تقبّل الطفل نفسَه وأقرانه وعلى قدرته على الاستقلال والاعتماد على الذات، فتنقص ثقته بنفسه وتختلط الأدوار الاجتماعية بالنسبة اليه إلى أن يؤدي مستقبلاً لانخفاض قدرته على التحصيل العلمي، هذا فضلاً عن الألم الذي يعيشه كل طفل فقد والده وهو يقارن نفسه بزملائه ممن يعيشون حياة أسرية طبيعية.

ويطغى الطابع السياسي على هذه الخصوصية الاجتماعية، هذا العام، فيعيش الطفل حياة متأزمة بين طرفي معركة لا تعترف بمشاكله وحاجاته اليومية ولا بمعاناته العاطفية ولا بعقله البريء غير القادر أحياناً على تقبل إسقاطات مفاهيم مثل الشهادة والجنّة والحرية والنضال على مأساته للتخفيف منها. هذه المأساة التي مع كل يوم يمر تزيد من فتكها بمئات الأسر في الوطن... هي مأساة إنسانية بوجوه متعددة، سياسية واجتماعية واقتصادية قد تحتاج بلادنا عـــشرات السنين من الجهد المتواصل لمعالجة عواقبها المؤلمة على الأبناء أولاً ومن ثمَّ على الأسرة والمجتمع... وفي حين وبينما يحتفل العالم اليوم بعيد الأب، تودع سورية آلاف الآباء أو تُفقدهم فلذات أكبادهم.

JoomShaper