مجدي محمد عطية
تحدثنا عن الانشغال بعيوب الناس، وآلا ننشغل بعيوبنا في الحلقة الأولى، و علمنا أن هذه الظاهرة من الأمراض القلبية التي يُصاب بها العبدُ، وذكرنا الأدلة من الكتاب والسنة ومن أقوال السلف، ومن أبيات شعرية كلها ترشدنا بأن ننشغل بعيوبنا أولا ولا ننشغل بعيوب الناس.
من أسباب الانشغال بعيوب الناس: الكبر أو الإعجاب ونأخذ مثالا على ذلك مما ورد في السنة ورواه الإمام ابن ماجه وصححه الألباني حول قول الله تعالى: "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي . . ) إلى قوله: فتكون من الظالمين" . قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري. فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين. فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم. فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا، تعرف لنا به العرب فضلنا. فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد. فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك. فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت.
قال : نعم . قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا. قال، فدعا بصحيفة . ودعا عليا ليكتب ، ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل عليه السلام فقال:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء. وما من حسابك عليهم من شيء ، فتطردهم فتكون من الظالمين". ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: "وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين". ثم قال: "وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة" . قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا. فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا. فأنزل الله: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم (ولا تجالس الأشراف) تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا (يعني عيينة والأقرع) "واتبع هواه وكان أمره فرطا". (قال: هلاكا) قال: أمر عيينة والأقرع . ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا . قال خباب : فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها ، قمنا وتركناه حتى يقوم.
قصة تربوية واقعية تبين أن من أسباب الانشغال بعيوب الناس: الكبر أو الإعجاب
ونسوق تجربة واقعية أو نذكر حادثة وقعت أو مشكلة تربوية حصلت في إحدى المدارس وذلك أن طالبا متميزا ومتفوقا، وكان ينال إعجاب المدرسين ولكنه لا يكسب ثقة زملاءه، أو لا يستطيع أن يكون له صداقات من زملاء المدرسة، والسبب الذي تم اكتشافه، وكان يعاب عليه أنه كان ينشغل بأخطاء الآخرين، ويتتبع أخطاء زملاءه، بل وبعض المدرسين، ومرجع هذا أو السبب الأول هو إعجابه بنفسه، والذي يصل إلى الكبر، لأنه طالب متفوق، ولا يظن أنه قد يكون فيه عيوب، وقام أحد المدرسين بالتفتيش عن السبب الأصلي أو عن أسباب أخرى بعد التعاون بين البيت والمدرسة لإصلاح هذا الخلل في شخصية الطالب، فوجدوا أن من الصفات الأساسية في شخصية الأب هي الانشغال بعيوب الناس نظرا لتفوقه وقلة عيوبه، فالابن تطبع أو ورث هذه الصفة من الأب، والحمد لله تم التنبيه على الأهل لعلاج هذا الخلل في شخصية الابن، مع التأكيد على استمرار التعاون بين البيت والمدرسة.
جاهد نفسك حتى لا تنشغل بعيوب الناس
فمن أحب أن يتعلم كيف يجاهد نفسه ليترك الانشغال بعيوب الناس؛ عليه أن يدربها، ويعودها، ويصبر عليها ويتعاهدها ويهذبها أن لا تعيبَ أحداً ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وأن نشغل أنفسنا بإصلاحِ عيوبها، ولنعلم إنها من الذنوب الكبيرة، ولنتذكر الثواب الجزيل المترتب على من يدافع عن عرض أخيه، فعن أَبي الدرداء رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخيهِ، رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَومَ القيَامَةِ" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. فكل من يعيبَ الناس لا بد أن يعلم أنه هو معيب أيضا.
قال الحسن البصري: "أدركت أقواما لم تكن لهم عيوب، فتكلموا في عيوب الناس فأحدث الله لهم عيوبا، وأدركت أقواما كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم".
وقد قرأت لأحد الدعاة(*) واستدل ببعض الآثار عن السلف الصالح، وذكر هذه الأبيات الجميلة:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها........ كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
من ذا الــــــذي ما ساء قط....... ومن لــــــه الحسنى فقــــط
تريد مبرأ لا عيب فيه ......... وهل نار تفوح بلا دخان
ها هو عمر ابنُ عبد العزيز عليه رحمة الله ورضوانه يختار جلساءه اختيارا، ويشترطُ عليهم شروطا، فكان من شروطه أن لا تغتابوا ولا تعيبوا أحدا في مجلسي حتى تنصرفوا.
و احفظ لسانك تسترح......فلقد كفى ما قد جرى.
ها هوَ ابنُ سيرين عليه رحمةُ الله كان إذا ذُكرَ في مجلسه رجل بسيئةٍ بادر فذكرَه بأحسنِ ما يعلمُ من أمره، فيذبُ عن عرضه فيذبُ اللهُ عن عرضه ... سمع يوما أحد جلساءه يسبُ الحجاجَ بعد وفاته، فأقبل مغضباً وقال: صه يا أبن أخي فقد مضى الحجاج إلى ربِه، وإنك حين تقدُمُ على اللهِ ستجدُ أن أحقرَ ذنبٍ ارتكبتَه في الدنيا أشدَ على نفسِك من أعظمِ ذنبٍ اقترفَه الحجاج و "لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ" سورة عبس. واعلم يا أبن أخي أن اللهَ عز وجل سوف يقتصُ من الحجاجِ لمن ظلمَهم، كما سيقتصُ للحجاجِ ممن ظلموه، فلا تشغلنا نفسك بعد اليومِ بعيبِ أحد ولا تتبعَ عثراتِ أحد.
ومَن لا يُغَمِّضْ عَيْنَهُ عن صَدِيقِهِ ... وعَنْ بَعْضِ ما فِيهِ يَمُتْ وهْوَ عاتِبُ
مَن يَتَتَبَّعْ جاهـــــــــداً كُــــــــــلَّ عَثْــــــــرَةٍ ... يَجِدْها ولا يَسْلَمْ له الدَّهْرَ صاحبُ
يا عائبَ الناسِ وهو معيب اتقِ الله، أعراضُ المسلمينَ حفرةٌ من حُفرِ النار.
وخواص المسلمين هم العلماء والوقيعة فيهم عظيمة جد عظيمة، لحومهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب.
وكمْ من عائِبٍ قوْلاً صَحيحاً ....... وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السّقيمِ
ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ ........ يَجدْ مُرّاً بهِ المَاءَ الزُّلالا
فإن عبت قوما بالذي فيك مثلُه..........فكيف يعيبُ الناسَ من هو أعورُ
وإن عبتَ قوما بالذي ليسَ فيهمُ ....... فذلك عند اللهِ والنــــــــــاسِ أكبرُ
من طلبَ أخا بلا عيبٍ صار بلا أخ، ألا فانظر لإخوانك بعين الرضى:
فعين الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ... ولكنَّ عين السخط تبدي المساويا
فكيف ترى في عينِ صاحبك القذى ..... ويخفى قذى عينيــــــــك وهو عظيمُ
بعض الأخوة ظلمة، بعضُ الأخوة غيرُ منصفين، يرون القذاةَ في أعين غيرهم ولا يرونَ الجذعَ في أعينِهم. فحالُهم كقولُ القائل:
إن يسمعوا سبةً طاروا بها فرحا...... مني وما يسمعوا من صالحٍ دفنوا
صمُ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ...... وإن ذكرتُ بسوءٍ عنــــدهم أذنوا
إن يعلموا الخيرَ أخفوه......وإن علموا شرا أذاعوا... وإن لم يعلموا كذبوا.
طوبى لمن شغلته عيوبُه عن عيوبِ غيره. وكان حالُه:
لنفسي أبكي لستُ أبكي لغيرها..... لنفسيَ عن نفس من الناسِ شاغلُ
والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
بعض العلاجات الناجعة التي تجعلنا ننشغل بعيوبنا:
ومن أهم وسائل علاج هذه الآفة من آفات اللسان، وحتى ننشغل بعيوبنا عن ذكر عيوب النساء هو أن نتذكر الآيات الكثيرات التي تدعونا لتجنب اللغو والخوض فيما لا يفيد، فهذه الظاهرة تعتبر من اللغو الذي نهينا عنه، قَالَ الله تَعَالَى: "والَّذينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ"سورة المؤمنون، وقال تَعَالَى: "وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ" سورة القصص.
وأيضا نطبق الأحاديث التي تأمرنا بألا نتحدث إلا بخير، فقد روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ"، فهذا الحديث نصّ صريح في أنه لا ينبغي أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً، وهو الذي ظهرت له مصلحته، ومتى شكّ في ظهور المصلحة فلا يتكلم. وقد قال الإِمام الشافعي رحمه اللّه: إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر.
وروى البخاري ومسلم أيضا عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال: قلتُ يا رسولُ اللّه، أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ". وروى البخاري عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ". قال ابن حجر: الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية. فالمعنى: من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه أو الصمت عما لا يعنيه. وقال الداودي: المراد بما بين اللحيين: الفم ، قال: فيتناول الأقوال والأكل والشرب وسائر ما يتأتى بالفم من الفعل. قال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر.
وعن سفيان بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: قلت: يا رسول اللّه! حدّثني بأمر أعتصم به، قال:"قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ" قلت: يا رسول اللّه! ما أخوف ما يخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هَذَا". رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الترمذي.
كيف نتعرف على عيوب النفس:
من أراد الوقوف على عيب نفسه، فله أربع طرق:
الأولى: الجلوس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، وطرق علاجها، وهذا قد عز في هذا الزمان (كلام أبي حامد الغزالي المتوفى في سنة505هـ).
والطريقة الثانية: أن يطلب صديقا بصيرا متدنيا وينصبه رقيبا على نفسه لينبه على المكروه من أخلاقه وأفعاله.
والطريقة الثالثة: أن يستفيد من ألسنة أعدائه.
والطريقة الرابعة: أن يخالط الناس، فكل ما يراه مذموما فيما بينهم يجتنبه.
ومما نعالج به أنفسنا أيضا هو تذكر الحساب، وأن كل ما يصدر عنا سنحاسب عليه، قال تَعَالَى: "إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً" سورة الإسراء، ونتذكر قول الله تعالى: "ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" سورة ق:1، وقال اللّه تعالى: "إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ"سورة الفجر:14.
وعلينا اتباع هذا التوجيه الرباني الذي ينبغي أن نستفيد منه، وإن كانت الآية وردت للمشركين، ولكن يمكن أن يستفيد المؤمنون أيضا من هذا التوجيه وقال تَعَالَى: "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَومِ الظَّالِمِينَ" سورة الأنعام، قال أبو جعفر الطبري في تفسيرها : يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : وإذا رأيت، يا محمد، المشركين الذين يخوضون في آياتنا التي أنزلناها إليك، ووحينا الذي أوحيناه إليك، و"خوضهم فيها" كان استهزاءهم بها، وسبهم من أنزلها وتكلم بها، وتكذيبهم بها "فأعرض عنهم" يقول: فصد عنهم بوجهك، وقم عنهم، ولا تجلس معهم" حتى يخوضوا في حديث غيره" يقول: حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم" وإما ينسينك الشيطان" يقول: وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا، ثم ذكرت ذلك، فقم عنهم، ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوض فيه بما خاضوا به فيه . وذلك هو معنى "ظلمهم" في هذا الموضع. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ـــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
(1) إحياء علوم الدين ط المكتبة التجارية الكبرى، مصر، الجزء الثالث صـ 64، والكتاب الرابع آفات اللسان، من ربع المهلكات من صـ 107، وكتاب ذم الكبر من صـ 326.
(2) مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي، الأبواب السابقة ومنها: في ربع المهلكات، ومعرفة عيوب الإنسان نفسه صـ 201، ذم الكبر والعجب صـ290، و آفات اللسان صـ 214 .
(3) موارد الظمآن لدروس الزمان للشيخ عبد العزيز المحمد السلمان طبعة رقم 18، الجزء الثالث من كتاب الأخلاق، صـ 317، وأبواب الكبر والعجب.
(4) شريط مسجل عن مثل بعض هذه المعاني للشيخ حسين عامر.
(*)(الشيخ علي القرني).
هل ننشغل بإصلاح عيوبنا(2ـ2)
- التفاصيل