أ.د. علي أسعد وطفة
جامعة الكويت
في الوقت الذي كانت فيه أوروبا في العصر الوسيط غارقة في الظلام كان الشرق العربي الإسلامي يومض بالنور ويتدفق بالحضارة. فالإسلام دين الحق والحقيقية هبة الله للبشرية، وقد أكرم الله بلاد العرب بنور النبوة ورحمة الإسلام وحمّل النبي الأعظم رسالة كونية إلى البشرية جمعاء قوامها التوحيد والعدل والإخاء والإنسان.
جاء الإسلام نور هداية للعرب والمسلمين،وكان العرب قبل الإسلام يعيشون في جحيم جاهلية لا ترحم. في جاهلية تغتذي على سفك الدماء ووأد الأطفال، جاهلية رفعت من الأصنام آلهة، ومن عبودية المرأة دستورا، ومن الجهل فلسفة، جاهلية مزقت الأرحام وهتكت الأعراض وقتلت الأنفس. ثم جاء الإسلام بنور النبوة ليحقق للعرب المشتتين المهزومين المدمرين ما يفوق أحلامهم ويتجاوز حدود طموحاتهم في حياة إنسانية أفضل وأرحب. جاء الإسلام فوحد العرب الجاهليين تحت راية المحبة والحرية ومبدأ السلام وقيم الإخاء وبفضله أصبح العرب أمة قوية تحمل مشعل الحضارة والإيمان في أنحاء الدنيا. فنهضت الحضارة العربية الإسلامية شامخة قوية وانتشر المسلمون في الأرض يرفعون راية المحبة والهداية الإسلامية. انتشر المسلمون في الأرض يحاربون الجهل والرذيلة ويسحقون الخرافات والأساطير بالدعوة الإسلامية لله الواحد القهار العلي العظيم. ولم يكن الإسلام مجرد عقيدة إيمانية بل كان دعوة إنسانية تتسم بطابع الشمول والعمق. فالإسلام كان رسالة أخلاقية ودعوة اجتماعية وحركة سياسية هدفت إلى تحرير الإنسان والانتقال بدنياه من دنيا التعصب والعصبية إلى دنيا المحبة والسلام ومن خواء الروح إلى الإيمان بالله وملائكته ورسله وأنبيائه واليوم الآخر وقضاء الله وقدره .
فالإسلام يشكل منطلق نظرة شاملة إلى الكون والحياة الإنسانية بمختلف جوانبها وتجلياتها الروحية والعقائدية. وتتجلى هذه الرؤية الشمولية في صورة فلسفة قدسية تميزت بطابع الشمول والعمق الإنساني. لقد تبلور في البيان القرآني قولا فصلا بأن النبي "محمد هو رسول الله إلى البشر أجمعين “وارتسم في البيان الإلهي قوله تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا"( ). ويتألق شمول هذه الفلسفة الإنسانية بأسمى أبعادها في قوله الكريم: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( ).
لم يكن الإسلام مجرد عقيدة سماوية روحية خلاقة فحسب، بل كان ومازال يشكل وسيشكل أبدا منهجا فكريا خلاقا يشتمل بذاته على منظومة من الأنساق التربوية والفكرية والاجتماعية للوجود الإنساني برمته. إنه منهج عمل ومنطلق حياة ورسالة إنسانية تتميز بأسمى عطاءات الخلق والإبداع. وفي نسق هذه العطاءات الربانية الخالدة تأخذ تربية الإنسان مركزا حيويا في نسق العقيدية التربوية الإسلامية. ولا يمكن أبدا الفصل بين الجوانب التربوية والجوانب العقائدية في الإسلام لأن الفكر التربوي ينبثق من صلب العقيدة ويبلورها حقيقة إنسانية مسكونة بأسمى التوجهات الروحية الخلاقة.
كان النبي محمد عليه صلوات الله وسلامه نبيا ومبشرا ومعلما ونذيرا وسيبقى أبد الدنيا مربيا للإنسانية وهاديا لها. إنه قدر الإنسانية والخير فيها إذ جاء ليعلم البشرية بفيض أنواره وتجليات أسراره منهج الحياة والتفكير والعمل، إنه قدوة الإنسانية وأسوتها وفي هذا يقول رب العرش العظيم: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"( ).
تستمد التربية الإسلامية منهجها وغايتها وطرائقها وأهدافها ونسغ مبادئها من مصادر إسلامية أربعة رئيسة: القرآن الكريم بوصفه منهج الإسلام ودستوره ونسغ حركته الروحية، ثم السنة النبوية الشريفة، وسيرة النبي وخلفائه الراشدين، وأخيرا المفكرون العلماء من المربين المسلمين. ولا يمكن الحديث عن تربية إسلامية ما لم يستند الباحث إلى هذه المصادر الأساسية الأربعة. ولا يمكن لنا أن نجد نظرية تربوية واضحة المعالم في نسق هذه المصادر بل يتوجب على المفكرين استنباط الدلالات والإشارات التربوية في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يضع نظرية تربوية يمنهج فيها الروح الإسلامية للتربية، بل كان في سلوكه وتعاليمه وأحاديثه النبوية يعلن منهجا تربويا يتسم بالوضوح والدقة والرهافة، وما على الباحث غير العمل على تصنيف هذه الإشارات وتنظيم الدلالات واستخراج الكنوز الفكرية والعملية للتربية الإسلامية السمحاء.
كانت التربية “هي السبيل الذي سلكه محمد عليه الصلاة والسلام (571-632م) لإحداث أعمق تغيير روحي وأخلاقي عرفه التاريخ في نفس الإنسان “( ). واستطاع النبي (ص) أن يدك معاقل الشرك في الجاهلية والوثنية في مكة وأن يقيم للإسلام دولة في الجزيرة وبعدها ليؤسس أتباعه أكبر إمبراطورية إسلامية في التاريخ( ).
لقد أحدث الإسلام ثورة شاملة في المعايير والقيم التي كانت سائدة في الجاهلية، واستطاع أن يحدث طفرات تربوية هائلة في تكوين الإنسان وفي تركيبته العقلية التي كانت تهيمن عليه. لقد تغيّر منظور الإنسان إلى الكون والحياة كما تغيرت نظرته إلى نفسه وإلى طبيعة الوجود. لقد أنهض الإسلام في الإنسان عشق الحقيقة وحب التضحية وسما به إلى آفاق أخلاقية يندر مثيلها في تاريخ الزمان. ويمكن أن نورد مثلا لهذا التحول الإنساني الشامل في الشاعرة العربية الخنساء التي بكت أخاها "صخرا" في الجاهلية دهرا من الزمن تندبه وتذرف الدمع، سجلت عبر حزنها هذا أروع وأجمل ما في أدب الرثاء من قصائد خالدة. فلما جاء الإسلام وشرفها أنها دخلت فيه وآمنت بنبيه وبرسالته، حدث لها من تغيّر في أحوالها بتغير انتقالها من الجاهلية إلى الإسلام ما يصعب على التصديق وما يتجاوز حدود الخيال والوهم. فها هي في موقعة القادسية تنادي أولادها الأربعة، وتدعوهم للتضحية في سبيل العقيدة الإسلامية، وكان أولادها في مقتبل العمر وعزة الشباب وعظمة الخلق ورهافة الحس، شباب وفتيان صقلهم الإيمان بالإسلام وهذبتهم الشريعة وأغدق الله عليهم عطفه الشامل وحبه الكامل بالشهادة، ها هي تناديهم وتقول لهم بلغة إسلامية وبيان استلهم معين وجوده من أدب القرآن: يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو أنكم بنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنت حبكم، ولا غيرت نسبكم، وأعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية فاصبروا وصابروا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارا على أرواقها فتمموا وطيسها، وجلدوا رسيسها تتقربوا إلى الله وتظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة. فلما أضاء لهم الصبح، باكروا إلى مراكزهم فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية أمهم لهم حتى قتلوا عن آخرهم فلما علمت بمصرعهم جميعا قالت: "الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته". تلك هي تربية الإسلام وذلكم هو النهج التربوي العظيم الذي يجعل المؤمنين يتسابقون إلى خطف الموت ويتهاجزون فرحين للقاء السيوف واستقبال الرماح ويتساقطون شهداء في سبيل الآخرة وابتسامات العزة والكرامة الإسلامية ترتسم على شفاههم. هذا هو التحول العظيم في تربية القرآن والإسلام. وهذه الأم الشاعرة النبيلة العظيمة التي هدرت بحرا من الدموع على شقيقها صخر في الجاهلية تنهي مصرع ثلاثة من أنجالها وأبطالها وفلذات كبدها بكلمات رائعة مجبولة بالإيمان الإسلامي تجاوزت فيها كل آلام البشر بقولها “الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته". وأين قولها هذا في استشهاد أبنائها الأربعة في الإسلام من قولها في مصرع أخيها صخر في الجاهلية حيث تقول في رثائه:
قــذى بعينك أم بالعين عوّار    أم ذرّفت إذ خلت من أهلها الدار
كأن عيني لذكراه إذا خطرت    فيض يسيل على الخدين مدرار
تبكي لصخر هي العبرى وقد ولهت    ودونه من جديد التّرب أستار
تبكي خناس فما تنفك ما عمرت    لها عليه رنين وهي مفتار
تبكي خناسُ على صخر، وحقّ لها    إذ رابها الدهر، إن الدهر ضرار
لا بد من ميتة في صرفها عبر     والدهر في صرفه حولٌ وأطوار( )
نعم تلك هي الخنساء التي فقدت صوابها ووعيها في الجاهلية فتفجرت تمردا على الدهر والقدر في بلواها على صخر، ولكن قلبها في الإسلام سكن حبا بالله وإيمانا بقضائه وقدره وشوقا إلى ملاقاته في دار الآخرة. نعم تلك هي التحولات العظيمة التي أحدثها الإسلام في النفوس وفي القيم والعادات والتقاليد. ونحن نقول في وصف هذه الحالة أن الله أدب النبي فأحسن تأديبه وها هي الخنساء قد أدبها النبي الكريم فأحسن تأديبها وانتقل بها إلى مصاف العظماء في الدنيا والآخرة. وفي شاهد الخنساء فيض من غيض من الأمثلة الخيرة والمعطاءة التي تغير فيها البشر فصقلت قلوبهم وعقولهم بأسمى ما في هذا الكون من قيم وعبر رفعت الإنسان من بهائمية الجاهلية إلى نور الإسلام.
فالتربية كانت المنهج الذي اعتمده النبي عليه الصلاة والسلام(571-632م) لإحداث أعمق تغيّر أيديولوجي عرفه التاريخ في نفس الإنسان، “وهو المنهج الذي استطاع به أن يجند رجالا يقضون على معاقل الشرك والوثنية في مكة ويقيم للإسلام دولة في الجزيرة العربية، ثم يقيم أتباعه من بعده إمبراطورية كبرى تحل محل أكبر إمبراطوريتين في ذلك التاريخ وهما إمبراطوريتا الفرس والروم وكل ذلك في أقل من ثلث قرن في عمر الزمان "( ). وغني عن البيان أن التربية التي أحدثها نبي الله لم "تكن تربية مدرسية بالمفهوم الضيق للكلمة، وإنما كانت تربية شاملة: مدرسية وغير مدرسية: في المسجد والشارع، في المنزل والمدرسة، في ميدان القتال، في الصلاة والصوم والزكاة والحج، وفي كل لحظة من لحظات النهار والليل"( ).
ويمكن الإشارة إلى هذا التحول التربوي والعقائدي العظيم في التكوين الروحي والإنساني والعقائدي للمسلمين عبر المقارنة بين وضع أهل مكة قبل الإسلام وبعده، ولنا في قصة هذا الجيش البسيط الذي قدم به أبرهة من الحبشة إلى مكة لهدم بيت الله الحرام، إذ يروي التاريخ الهلع الذي أصيب به أهالي مكة فخرجوا منها من فرط خوفهم وهلعهم فلجأوا مذعورين إلى سفوح الجبال، ينتظرون حكم القضاء في أرضهم ومقدسم، ولم يظهروا أية مقاومة بل كانت تعمهم روح الاستسلام والهزيمة بمطلق أحوالها. ولكن النبي بنهجه القرآني وتربيته الإسلامية استطاع أن يغير منهج حياتهم وأن يحدث ثورة إسلامية في نفوسهم، وهاهم هؤلاء الضعفاء قبل مجيء الإسلام، يظهرون شجاعة وجسارة يندر مثيلها في تاريخ الأمم والشعوب بتحديهم وصمودهم هذه المرة لأعتى وأشد قوى الدنيا في زمنهم بطشا وفتكا، لقد وقفوا في وجه الفرس والروم في الآن الواحد، واستطاعوا أن يخوضوا أعظم الحروب، ويفتحوا هذه البلدان العظيمة التي تساقطت أمام بطولاتهم وتضحياتهم وتفانيهم في خدمة الإسلام والظفر بأعدائه. تلك هي المدرسة المحمدية وذلك هو النصر العظيم الذي انتقل بالناس من حالة الضعف الشامل والهزيمة الروحية والاندحار الأخلاقي إلى حالة الانتصار والإحساس العظيم بنشوة النصر الإسلامي في مختلف جوانب الحياة والوجود. هذه هي الرسالة وتلك هي المدرسة التي غيرت وجه التاريخ وحركة الكون في عالم الإنسان.
التربية الإيمانية
يشكل الإيمان بالعقيدة الروحية للإسلام مبتدأ الوجود وخبره. فالإيمان بالله وكتبه ورسله يشكل غاية كل غاية، ونهاية كل طموح تربوي في الإسلام. فالعقيدة الإسلامية بجوانبها الإيمانية هي الأساس المكين لكل فضائل الوجود قاطبة. ومن غير الإيمان بالله تعالى وبرسالة نبيه الكريم يفقد كل شيء آخر معناه ومشروعية وجوده في الحياة الإسلامية. فالإيمان بالله تعالى جلّ جلاله وعزّ كماله هو فضيلة الفضائل وغاية الغايات، ومن غير الإيمان بالله وكتبه وأنبيائه والقضاء والقدر لا يمكن الحديث عن فضائل تربوية وأخلاقية وعقلية لأن جميع هذه العناصر تستمد نسغ وجودها من الجوانب الإيمانية في الإنسان المسلم.
ومن هذا المنطلق وعلى هذا الأساس يولي الإسلام الجانب الديني العقائدي والروحي أهمية تفوق كل الحدود وتتجاوز أبعاد التصورات. فالتربية تهدف في نهاية الأمر إلى تحقيق الغاية من الخلق وهو الإيمان بالله تعالى وتوحيده. وتأسيسا على ذلك يرسم الإسلام منهجا تربويا أصيلا ومباركا لترسيخ أسس العقيدة الإيمانية في نفوس الأطفال ومنذ المراحل المبكرة لولادتهم.
فالطفل مجبول بفطرته على الإيمان بالله تعالى ومحبة نبيه الكريم، ويمكن الاستفادة من تساؤلاته عن نشوء الكون وعن نشوئه ونشوء أبويه ونشوء من يحيط به، لتعريفه بالله تعالى الخالق في الحدود التي يتقبّلها تفكيره المحدود، والإيمان بالله تعالى من أهم القيم التي يجب غرسها في الطفل لتأصيل الوازع الديني بمناحيه الإسلامية الأصيلة.
والتربية والتعليم في هذه المرحلة يفضّل أن تكون بالتدريج ضمن منهج متسلسل متناسب مع العمر العقلي للطفل. ففي الخامسة من عمر الطفل يعلم الطفل الصلاة والسجود، وعندما يبلغ التاسعة من العمر يعلّم الوضوء ويؤمر بالصلاة ويضرب عليها.
ويعتمد الإسلام في تعليم الطفل العبادة والسجود على مبدأ القدوة الحسنة لأن الطفل يعتمد في مرحلة الطفولة على مبدأ التقليد والمحاكاة لوالديه بالدرجة الأولى، وهذا يعني أن سلوك الوالدين يشكل الأساس الذي ينطبق من الأبناء في الإيمان بالله وممارسة العبادة والأساس الذي يعتمده الطفل في الإيمان وحبه للخالق العظيم هو نفس الأساس الذي يحب به الوالدان الله ويعبدانه. فالطفل ما بين الثالثة والسادسة من العمر يحاول تقليد الأبوين في كلِّ شيء فإذا حدّثاه عن الله فانه يؤمن بالصورة التي يغرسها الأبوان في مخيلته عن الله كما تقدم.
وتعد محبة النبي وتعظيمه إحدى ركائز الإيمان في الإسلام. ومن هنا يشدد الإسلام على أهمية تربية الأطفال على حب نبيهم، حيث لا يكون إيمان من غير محبة صاحب الرسالة وحبيب الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا يقول صلى الله عليه وآله وسلم: «أدبّوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن»
و تؤكد المدرسة النبوية على أهمية تعليم القرآن وتلاوته في الصغر لأن ذلك يؤصل مشاعر الإيمان بالله عند الطفل، ويرسخ كل القيم والمعاني الإسلامية التي يتضمنها المنهج القرآني، والتي تجعل الطفل في المستقبل من أصحاب الإيمان ومن دعاة الهداية والتقوى. وينصح بتعليم الطفل في البداية الآيات والسور البسيطة التي يمكنه فهمها وإدراك معانيها، والطفل في مرحلة الطفولة أكثر قدرة على استظهار الآيات القرآنية وحفظها.
فالإيمان بالله وتوحيده يشكل أعظم قوة وجدانية عند الإنسان، ولهذا الإيمان قدرة كبيرة على توليد سائر الفضائل الخلقية والمثل العليا عند الأطفال، ويمكن للإيمان بالله أن يستلهم القوى الخلاقة في الإنسان ويدفعها من حالة وجودها بالقوة إلى حالة وجودها بالفعل. ويمكن القول أيضا أن الإيمان بالله يؤدي إلى إحياء فطرة الإنسان الخيرة وأن جميع الفضائل الإنسانية تستيقظ وتنمو في ظل الإيمان بالله ورسله وكتبه والقضاء والقدر خيره وشره. ومهما بلغت قيمة الوجدان الأخلاقي، ومهما كان أمره في تحقيق سعادة الإنسان، فإن هذا الوجدان قد ينتكس إذا لم يكن مستنداً إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
ومن هذا المنطلق وعلى أساس ما تقدم يمكن القول بأن التربية الإسلامية للطفل تنطلق من التوجهات التالية:
1- وجوب تربية الطفل منذ الصغر على مبدأ الإيمان بالله تعالى ورسله وكتبه وملائكته وقضائه وقدره. وأن يتم تلقين الطفل هذا الإيمان بأسلوب تربوي فعال يتميز بالبساطة والمرونة ويعتمد على مبدأ القدوة الحسنة
2- الطفل يحتاج وبصورة مستمرة إلى قراءة القرآن والتفقه فيه ما أمكنه إلى ذلك سبيلا لأن منهج الإسلام يستقر في آيات الله وفي كتابه العظيم.
3- تأصيل محبة النبي عليه الصلاة والسلام في نفوس الأطفال وفي قلوبهم وهذا شرط مطلق في إيمان المسلمين كافة.
4- تعريف الطفل بالسيرة النبوية والسنة المحمدية بما تنطوي عليه من أحاديث ومواقف وحكم أخلاقية وتعاليم روحية.
5- تعليم الطفل وبصورة مستمرة أداء الفروض الدينية من صلاة وصوم وزكاة وعبادة وحج، لأنها السبيل إلى مرضاة الله وتأصيل الروح الإسلامية في الإنسان المسلم المؤمن.
6- معرفة الطفل منذ نعومة أظفاره أن رحمة الله لا تنقطع أبدا وأن غفرانه قريب دائما وأن أبواب التوبة إلى الله مشرعة دائما وأبدا. وهذا يبعد الطفل عن الإحساس باليأس والقنوط أمام حوادث الزمان.
7- إيقاظ إحساس الطفل بالمسؤولية أمام الله وحّثه على الشعور بواجبه، وتعليمه بأن الله يراقب ويرى ما يقوم به العبد، وأنه تعالى لا يخفى عنه شيء وأنه يجازي ويعاقب ويحاسب.
التربية العاطفية والانفعالية
جاء محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وجاء للطفولة دفق محبة ورحمة سماوية أغدقها الله على الأطفال المسلمين. ولم يشهد تاريخ الإنسانية أبدا مربيا كان أكثر حنانا وحبا للأطفال كما كان هو النبي العربي الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم قدوة للإنسانية في تربية الأطفال إذ كان يغدق حبه بلا حدود ويحيط الأطفال بعناية ينقطع نظيرها. وشواهد السيرة النبوية لا يمكن أن تحصى في الإشارة إلى سموٍ في تربية الأطفال عند معلم الإنسانية والبشر. وما أكثر الإشارات في هذه السيرة على تواضع النبي وحبه للأطفال واحترامه لهم. وها هو يختصر قراءة القرآن في الصلاة، ولا يطيل إذا سمع بكاء طفل، مع أن الصلاة حبيبة قلبه ومهج فؤاده.
كان النبي رؤوفا بالأطفال رحيما بهم، يداعبهم ويناغيهم ويسهر على راحتهم ويعلي من شأنهم. ويروى عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يرى في تقبيل الأطفال ومداعبتهم واحترامهم منهجا تربويا أصيلا. وقد جاء في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قبّل الحسن بن علي رضي الله عنه وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا فقال الأقرع: “أن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فنظر إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من لا يرحم لا يرحم". وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء إعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال تقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة"( ). وتقبيل الطفل من أفضل الوسائل التربوية في تشكيل الطفل عاطفيا وإنسانيا وفي هذا الأمر يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « أكثر وا من قبلة أولادكم، فإن لكم بكلِّ قبلة درجة في الجنة» ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: «من قبّل ولده كان له حسنة، ومن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة".
وليس هناك أجمل من الهدهدة ولمسات الحب والحنان التي كان صلى الله عليه وسلم يكرم بها الأطفال ويغدقها على أحفاده وأبناء صحابته الأكرمين. فقد ثبت في الصحيحين، عن أبي قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو يحمل أمامة بنت زينت بنت رسول الله، وهي لأبي العاص بن الربيع فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها ( ). وفي هذا الحنان تتألق عظمة النبي ويتجلى حبه للطفولة. وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضم الحسن والحسين وهما صغيران إلى صدره يقبلهما ويضعهما في حجره الشريف.
وفي غمر الشواهد التاريخية على حب النبي للأطفال ومداعبته لهم، يشار إلى رواية عبد الله بن شداد، وفيها أنه بينما كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر، فلما قضى صلاته، قالوا قد أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أنه قد حدث أمر، فقال: إن ابني قد ارتحلنى فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجاته"( ).
وما أكثر ها من شواهد وإشارات على عظمة هذا الحب ونقاء هذا العطف وصفاء هذه الروح النبوية. فالنبي الأكرم صانع أمجاد الأمة وملهم حضارتها كان يداعب الأطفال الصغار ويلاعبهم. ويروي الطبراني عن جابر رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشي على أربعة(أي على يديه ورجليه) وعلى ظهره الحسن والحسين وهو يقول:" نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما"( ).
وقد وصل النبي في تكريمه للأطفال أنه كان يبادئهم السلام على ما هو عليه من عظم الشخصية ونبل الرسالة السماوية، وبذلك كان يحترم شخصيتهم ويكرمهم. وهكذا يجب على المسلمين أن يبدؤوا الأطفال بالسلام لأن منهج النبي عليه الصلاة والسلام يؤكد هذا التوجه وهو توجه تربوي أصيل يهدف إلى بناء الشخصية الإسلامية وهذا البناء هو شرط انتشار الإسلام وتفتق قيمه الحضارية في مستقبل الأيام.
ولم يقف النبي عند حدود ممارسته لخاصة في حب الأطفال والعناية بهم بل كان يوجه الدعوة إلى إسعاد الأطفال وإحياء الفرحة في قلوبهم وفي هذا يقول "من فرّح ابنته فكأنما أعتق رقبة من وُلد إسماعيل، ومن أقر عين ابن فكأنما بكي من خشية الله"( ). ويروي يعلي العامري أنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام دُعي إليه، فإذا هو بالحسين رضي الله عنه يلعب مع الصبيان، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم، ثم بسط يديه، فطفر الصبي ها هنا مرة وها هنا مرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفاه، ووضع فاه على فيه وقبّله"( ). وإذا كان مرشد الإنسانية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يعامل الأطفال بهذه المعاملة أمام الناس فإنه كان يريد أن يرشد الناس إلى ضرورة إدخال السرور على قلوب الأطفال وأهمية اللعب معهم في سبيل تربيتهم تربية أصيلة خلاقة ومبدعة.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد محبة الأطفال "أحبوا الصبيان وارحموهم"، وكان يقول ويكرر داعيا إلى الرحمة وإلى المحبة: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا"، وهو في هذا الاتجاه كان يكيل المديح لنساء قريش لما يتميزن به من حنان وحب تجاه أطفالهن. وكان عليه الصلاة والسلام يقول"من كان عنده صبي فليتصاب له". أي يلاعبه ثم كان يردف صلى الله عليه وسلم: "رحم الله عبدا أعان ولده على بره، بالإحسان إليه، والتألف له، وتعليمه وتأديبه".
في استعراضنا لمنظومة من الإشارات النبوية في تربية الأطفال والعناية بهم نستطيع أن نقول بأن هذه الإشارات والإفادات التربوية تؤكد أن النبي عليه الصلاة والسلام قد وضع أسسا عملية واضحة ونظرية تربوية متكاملة في التوجه نحو تربية الأطفال سيكولوجيا. لقد تبين لنا أن النبي عليه الصلاة والسلام يؤكد المبادئ التالية في علاقة الراشدين بالأطفال:
1- احترام الطفولة والأطفال فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يبادئ الأطفال التحية والسلام.
2- اللعب مع الأطفال ويشهد على أن النبي كان يداعب ويلاعب أحفاده وأولاده وهو يقرّ مبدأ تربويا تؤكده التربية الحديثة حول أهمية اللعب عن الأطفال.
3- حب الطفولة والأطفال وإغداق كل العطف والحنان على الأطفال. ويكون النبي صلى الله عليه وسلم أسبق من أرسى هذا المبدأ الذي ينظر إليه على أنه مبدأ تربوي حديث.
وبكلمات قليلة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل من حب الأطفال والعناية بهم وملاعبتهم واحترامهم نهجا تربويا إسلاميا واضح الغايات والأهداف. والمسلمون مطالبون بتطبيق هذا النهج لأنه نهج المعلم الأعظم وهو نهج سماوي يأخذ طابعا إنسانيا في عهد النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم.
التربية العقلية
يؤثر الإسلام العقل ويرفع من شأن العقلاء. ولا يرد ذكر العقل في القرآن الكريم إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به، والرجوع إليه. والمؤمن مطالب في كل موقف من مواقف حياته أن يحكم العقل وأن يلجأ إليه( ).
إن أولى الآيات نزلت على الرسول الأكرم معلنة بدء الوحي والرسالة قوله تعالى "اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم"( ). وللعلم شأن كبير ومكانة عالية في الإسلام ومن قرأ القرآن الكريم والحديث الشريف عرف منزلة العلم في الإسلام، وعلو شأنه وحضه عليه، ومن ذلك: قول الله تعالى: "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم"( ).
وفي تعظيم العلم يقول رب العرش العظيم: "وقل ربِ زدني علما"( ). وهنا يربط القرآن الكريم بين العلم والعبادة ويرى بأن العلماء والعقلاء هم أصحاب النعيم لأنهم يستطيعون ببصيرة العقل إدراك الله وتعظيمه وتوحيده وقد جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى "إنما يخشى الله من عباده العلماء"( ). والإسلام يفضل العلماء على غيرهم ويقدمهم في الدنيا والدين يقول تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب"( ). ويحض القرآن الكريم على تفضيل العلماء وتكريمهم ويأمر بأن تفسح لهم صدارة المجالس بقوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير"( ). وفي السيرة النبوية فيض من الإشارت والتنبيهات النبوية التي تحض على أهمية العلم وتذكر بأسبقية العلماء. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» ويقول عليه الصلاة والسلام: "ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة". وفي موضع آخر يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"( ).
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". ويؤكد النبي فيض التأكيد القرآني في تمجيد العلماء وتقديرهم إذ يقول صلى الله عليه وسلم “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم". ولا يقف الرسول الأكرم عند هذا الحد بل يساوي بين العلماء وذكر الله حيث يقول صلى الله عليه وسلم «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً» رواه الترمذي. وكم كان عليه رضوان اللهي يكرر ويقول بأن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»( ). وقد ورد في الأدب النبوي أن مداد العلماء خير من دماء الشهداء فأي تعظيم هذا للعلم والعلماء في منهج الإسلام وتعاليمه السمحاء.
وليس كالإسلام دين جعل العلم فريضة وشعيرة، وحث على طلبه في كل مكان واكتسابه بكل الوسائل؛ ومن ثم فإنه حق الأطفال في التعليم يصبح واجبا دينيا لا سبيل إلى التهرب منه. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يلقي الله أحد بذنب أعظم من جهالة أهله"( ). يتفق مع هذا الحديث المثل الصيني، "لأن تطعم طفلك دون أن تعلمه خطيئة كبرى لا تغتفر". ومن "ربى ماله ولم يرب ولده، فقد ضيع الولد والثروة"( ).
كان النبي (ص) يؤكد في مناسبات كثيرة حق الأولاد على آبائهم في تعلم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. وفي هذا يروي أبي رافع عن النبي قوله: "قلت يا رسول الله للولد حق كحقنا عليهم؟ “قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة وألا يرزقه إلا طيبا". وفي رواية عن رافع بلفظ “قلت يا رسول الله: لأولادنا حق كحقنا عليهم؟ فذكر صلى الله عليه وسلم "من حقهم على آبائهم تعليم كتاب الله والرمي و السباحة"( ). وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤكد على أهمية تعليم الأطفال ما ينفعهم في حياتهم وكان غالبا كما جاء في الخبر يدعو الله قائلا “اللهم علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني وزدني علما والحمد لله على كل حال". ولا بأس فالنبي كان يحض على طلب العلم في أي مكان وفي أي زمان.
ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم أهمية تعليم الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة وتبدى هذا في قوله "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"( ). وكان المسلمون الأوائل فقهاء وعامة حريصين كل الحرص على تأصيل الأخلاق الإسلامية السامية في نفوس أطفالهم وأولادهم. وقد روي ابن خلدون أن الرشيد قال لمعلم ولده الأمين "يا أحمر أن أمير المؤمنين قد دفع لك مهجة نفسه وثمرة قلبه، فاجعل يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وأمنعه من الضحك، إلا في أوقاته،.. إلى أن يقول: وقوّمه ما استطعت بالقرب والملاينة".
وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم من قبل الأخذ بالرأي حين سأل معاذ بن جبل وقد ولاه قضاء اليمن: بماذا تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله وسنة رسوله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أقضي برأي، لا آلو (أي لا أقصر) فأثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، لما يحب الله ورسوله.
وإذا كانت من كلمة تقال فإن تعظيم العلم والمعرفة الإنسانية واحترام العقل في الإسلام كانا في أصل الحضارة الإسلامية الكبرى. وقد وجد هذا التعظيم الإسلامي للعقل والعلم صداه الكبير في الثقافة الغربية فكثير من المستشرقين يعزون نشأة الحضارة الإسلامية وقيامها وشموخها إلى هذا التعظيم للعقل وإلى هذا التمجيد للعلم وإلى هذا الاهتمام الكبير بالتحصيل وطلب العلم كما وردت إشاراته وتلميحاته وأوامره في القرآن والسنة. لقد نجح النبي العظيم محمد صلوات الله عليه وسلم في أن يجعل العلم وطلب العلم وتحكيم العقل منهجا تربويا أصيلا تؤكده سيرته النبوية كما يؤكده القرآن الكريم.
وما أجمل قول الشاعر في تمجيد العقل والأدب والحلم وتقوى الله:
فما خلق الله مثل العقول    ولا اكتسب الناس مثل الأدب
وما كرّم المرء إلا التقى    ولا حسب المرء إلا النسب
وفي العلم زين لأهل الحجا    وآفة ذي الحلم طيش الغضب
التربية الأخلاقية
يسمو الإسلام برسالته الأخلاقية سموا لا يضاهيه سمو، ويرفع من شأن القيم الأخلاقية إلى أعلى مراتب التبجيل والتقدير. فالأخلاق في الإسلام كما يؤكد المنهج النبوي تشكل جوهر الرسالة ومنطلق العقيدة وجوهرها. فالمولى عزّ وجلّ يخاطب نبيّه الكريم واصفا إياه بالخلق العظيم "وإنك لعلى خلق عظيم"( ). وقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عنها؛ عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن"( ). كذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ويروى عن النبي (ص) قوله: "أدبني ربي فأحسن تأديبي". وفي هذا دعوة صريحة ومضمرة مفتوحة الأبعاد والاتجاهات لتأكيد التربية الخلقية وتاصيلها في المسلمين صغارا وكبارا وفي رسول الله لنا وللمسلمين جميعا القدوة الحسنة تيمنا بقوله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"( ). ووضع في شخصه صلى الله عليه وسلم الصورة الكاملة للمنهج الإسلامي نموذجا حيا على مدار التاريخ. وتأسيا بنبي الله وروح العقيدة الإسلامية شرعا وقرآنا وسنة نبوية انطلق المسلمون المؤمنون والعلماء منهم إلى تأصيل الروح الأخلاقية في الأطفال.
وإذا كان النبي قد تأدب على يدي رب العرش العظيم فإن تأديبه للأطفال كان في مستوى الرسالة الأخلاقية العظيمة للإسلام والمسلمين. وفي هذا يقول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ". وينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قوله في أهمية تأديب الطفل" لاعبه سبعا، وصاحبه سبعا، وأدبه سبعا، واترك الحبل على الغارب “وهذا القول يتضمن خلاصة التربية الحديثة ويشمل روحها ويجسد أسمى معانيها. وفي موضع آخر يقول صلى الله عليه وسلم: "ألزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم". وهو بذلك يريد ان يؤصل في الأطفال القيم الأخلاقية عن طريق الآباء بوصفهم القدوة الحسنة لأن ترك الأطفال دون العناية بهم يؤدي إلى اهتزاز معايير الأخلاق والقيم في نفوسهم الطاهرة. وفي موضع آخر يأمر النبي بتأديب الأبناء حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم"( ). كما أمر (ص) بتعليم الأبناء الخير وتأديبهم فقال صلى الله عليه وسلم: "علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم"( ).
وخير وسيلة ومنهج لبناء الأخلاق في الأطفال هو الصلاة حيث يدعو النبي إلى تمرس الأطفال بالعبادة والصلاة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. يقول صلى الله عليه وسلم في هذا “مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغُوا سَبْعًا وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا إِذَا بَلَغُوا عَشْرًا وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ( ).
وكان عليه الصلاة والسلام يوجه المسلمين إلى غرس الأخلاق في أبنائهم عن طريق القدوة الحسنة ويؤكد على هذا المنهج التربوي تأكيدا منقطع النظير: فعن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتنا وأنا صبي صغير، فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله: تعال أعطيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أردت أن تعطيه؟ قالت: تمرا. فقال: أما أنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة( ).
فالتربية الإسلامية تحض على بناء الخلق القويم في الأطفال منذ الصغر وفي مرحلة مبكرة من العمر. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوجه بالنصيحة والكلمة الحكيمة إلى الأطفال ويذكر منهم عبد الله بن عباس فقد أردفه الرسول خلفه على بغله ركبها وسار به مليا ثم التفت إليه وقال: يا غلام أني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"( ).
وقد نهى النبي عليه سلام الله ورضوانه الآباء عن التمييز بين الأطفال لأن التمييز يورث الأطفال أحقادا ويبدد فيهم الفضائل الأخلاقية. وفي هذا الخصوص يروي النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله فقال: أني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قل: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع فرد عطيته( ).
إن إيثار بعض الأبناء على بعض هو من أقبح الفعال وأرذل الخلال التي حاربها الإسلام، فعن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم"( ). عن النعمان بن بشير أن أباه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال لا فقال فأرجعه"( ). وذكر البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: إن رجلا كان جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبله وأجلسه في حجرة، ثم جاءت بنته فأخذها إلى جنبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما عدلت بينهما"( ). ويروي أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال لصبي هاك ثم لم يعطه فهي كذبة"( ).
وتنطلق التربية الإسلامية الأخلاقية من الإيمان بالفطرة الخيرة للإنسان والطبيعة الإنسانية، فالإنسان خير بطبعه ولا يوجد فيه نزع للشر أصيل في جبلته وتكوينه الإنساني. لأن الإنسان يولد على الفطرة والفطرة هي فطرة الخير المطلق وفي هذا يقول النبي الأكرم: يولد المولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه. وهو يعني بأن الخير ماهية أصيلة في الإنسان، بينما الشر صفة عارضة يكتسبها الإنسان بعارض انتمائه إلى حالة اجتماعية تنمو فيها بواعث الشر والكراهية
وهناك وسائل لإعداد الطفل روحيا وأخلاقيا على منهج القرآن والسنة وتتحقق وفقا للنقاط التالية:
1- تأصيل الأخلاق وما تقتضيه القيم الإسلامية من حب الخير، عبر منهج العبادة بمعناها الواسع الذي يشمل الحياة، وتلك هي الوسيلة الفعالة لتربية الأخلاق وتهذيب النفس. والتأكيد في هذا السياق على أهمية العبادات المفروضة من صلاة وزكاة وصيام وحج لصقل الأخلاق وترسيخ الإيمان بالقيم الإسلامية منهجا سلوكيا في الحياة والنظر.
2- تأكيد منهج القدوة الحسنة في تأصيل الأخلاق وغرس القيم الإسلامية، وهذا يقتضي أن يكون المربون من آباء ومعلمين ومرشدين وكبار مثلا صالحا لأبنائهم وفلذات أكبادهم، لأن الأطفال يقادون بآبائهم ويتشبهون بهم ويحاكوهم في أقوالهم وأفعالهم والقدوة الصالحة ما هي إلا عرض مجسم للفضائل، وفي هذا يقول الغزالي مؤكدا مسؤولية الوالدين في أكساب الطفل الفضائل أو الانحراف عنها بقوله: "من أوائل الأمور التي ينبغي أن تراعي في تربية الصبي حسن الخلق فإن الصبي بجوهره خلق قابلا للخير والشر جميعا وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين"( ).
3- تلقين الطفل مبادئ الدين، وتمرينه على العبادات، وتعويده ممارسة فعل الخير فإن ذلك يجعل منه نواة صالحة لمجتمع سليم.
- على الآباء والمربيين أن يتأسوا بصاحب الرسالة الخالدة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في طرائق مواعظه، وفي أساليب إرشاداته لأن النبي المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ولا يمكن أن يصل إلى كماله بشر ولا يبلغ مرتبته إنسان.
لقد أكد الفقهاء وسار على نهجهم العلماء بأن التربية الخلقية هي روح التربية الإسلامية والوصول إلى الخلق الكامل هو الغرض الحقيقي من التربية لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاء لإتمام مكارم الأخلاق، والغرض من التربية الإسلامية الأخلاقية لا يكون في حشو أذهان المتعلمين بالمعلومات بل في العمل على تهذيب الأخلاق وتأصيل القيم. وهنا يؤكد المنهج الإسلامي على الأهمية القصوى للآباء والمعلمين في الاقتداء بسيد الرسالة وخاتم الأنبياء بأخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في سلوكهم وفي تربية أولادهم عملا وقولا، تنفيذا لأمر الله في قوله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"( ).
لقد أكد الإسلام على تأديب الطفل وتهذيبه في مرحلة الطفولة المبكرة، ومن أغفل تأديب أبنائه في الصغر كان تأديبهم في الكبر عسيرا وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله “ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن يفيده إياه “وقد نادى الحكماء تمثلا لنهج النبي العظيم صلى الله عليه وسلم بالتربية الأخلاقية وتأديب الولد قبل تراكم الأشغال. وفي هذا يقول أحد الشعراء:

إن الغصون إذا قومتها اعتدلـــت    ولا يلين إذا قومته الخــــشب
قد ينفع الأدب الأحداث في صغر    وليس ينفع عند الشيبة الأدب
وذلكم هي الرسالة النبوية وتلك هي القيم التربوية التي تفيض بأنوار القرآن الكريم والعقيدة السمحاء. إنها العقيدة التربوية التي تنبثق من الأعماق وتستمد رحيق وجودها من ضياء الإسلام ونور الرسالة وعطاء النبوة.


المراجع والمصادر:
________________________________________
*    منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط4، 1980، ج1، (ص) 180.
*    إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، ج2، مطبعة عثمان خليفة، القاهرة، 1933.
*    أصول التربية الإسلامية، سعيد إسماعيل علي، دار الفكر العربي، القاهرة 1993.
*    تاريخ التربية في الشرق والغرب، محمد منير مرسي، عالم الكتب، القاهرة، 1985.
*    تاريخ التربية وعلم النفس عند العرب، ملكة أبيض، مطبعة الإنشاء، منشورات جامعة دمشق، دمشق، 1982.
*    تاريخ التربية، محمود عبد الرزاق شفشق، منير عطا الله سليمان، دراسة تاريخية ثقافية اجتماعية، دار القلم، القاهرة، 1968.
*    التربية الإسلامية، أحمد شلبي، نظمها وفلسفتها، وتاريخها، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1978.
*    تربية الأولاد في الإسلام، عبد الله ناصح علوان، ط6، ج2، 1983.
*    التربية عبر التاريخ، عبد الله عبد الدايم، دار العلم للملايين، بيروت، 1984
*    التربية قبل المدرسية، علي وطفة و خالد الرميضي، مكتبة الطالب، الكويت، 2004.
*    تطور الفكر التربوي الإسلامي، فيصل الراوي رفاعي وآخرون، مكتبة الفلاح، الكويت، 2000.
*    الخنساء شاعرة الرثاء، يحي شامي، دار الفكر العربي

*    دراسة مقارنة لتاريخ التربية، عبد الغني عبود، دار الفكر العربي، القاهرة، 1978.
*    زاد المعاد من هدى خير العباد، ابن قيم الجوزية، ج4، بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت.
*    ضحى الإسلام، أحمد أمين، الجزء الأول، مطبعة الاعتماد، القاهرة، 1933.
*    الطفولة في الإسلام، أحمد ربيع، المؤتمر الدولي للطفولة في الإسلام، القاهرة 9-12 أكتوبر 1990.
*    الطفولة في الإسلام، أحمد عمر هاشم، المؤتمر الدولي للطفولة في الإسلام" القاهرة 9-12 أكتوبر 1990.
*    القرآن الكريم.
*    قطوف من أدب النبوة، أحمد حسن الباقوري، ج1، مؤسسة الأخبار، نوفمبر 1988.
*    كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس،العجلوني،ج2، القاهرة: مكتبة القدسي، 1351هـ،
*    مدخل إلى تطور الفكر التربوي، سامي محمد نصار، وجمان عبد المنعم أحمد، ذات السلاسل، الكويت، 2000،
*    مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل، (1422هـ 2001م). موقع WWW.Almohadiddith.com.
*    مقدمة في تاريخ التربية، عبد المحسن حمادة، جامعة الكويت، ط2، الكويت 1995
*    منهج التربية الإسلامية، حمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط4، 1980، ج1،
*    نيل الأوطار، محمد بن على الشوكاني، ج4، مكتبة دار التراث، القاهرة، د.ت.

JoomShaper