عيسى الشعيبي
في مثل هذا اليوم من العام الماضي، وكان يوم جمعة، استجاب الفتى حمزة الخطيب مع آلاف من أترابه في قرى محافظة درعا، تلبية لنداء الاستغاثة "فزعة يا حوران" الذي أطلقه أبناء المدينة الجنوبية السورية المحاصرة منذ عدة أيام سابقة. حيث حمل الشباب الحوارنة من سائر بلدات السهل الفسيح ربطات الخبز وعلب الحليب، وكل ما يستطيعون حمله من مواد غذائية، وتوجهوا راجلين إلى ما صار يعرف لاحقاً بمهد الثورة وعاصمتها الأولى. كان حمزة واحداً من هؤلاء المدفوعين بالنخوة الحورانية المشهود لها، المدفوعين بروح التضامن العفوية مع أبناء وبنات المدينة المطوقة بأرتال دبابات الفرقة الرابعة، يحمل بكلتا يديه ربطتين من الخبز، ويسير مع الجموع الهاتفة "سلمية سلمية" نحو مبتغاه النبيل في المدينة الثائرة طلباً للكرامة والحرية. وما هي إلا لحظات حتى انهمر الرصاص من الحواجز المقامة على التخوم، فقتل نحو خمسين إنساناً، وخطفت أعداد كبيرة من الناس، كان من بينهم حمزة.
لم يعرف الوالدان في حينه، ولا الرأي العام، ماذا حدث لحمزة وغيره من الرجال والفتية الذين سيقوا إلى أقبية الأمن ومسالخها البشرية، إلا بعد أكثر من أسبوعين حين تلقت الأسرة المفزوعة على مصير ابنها أمراً باستلام الجثة، على أن يتم دفنها بصمت وسرية. فما كان من أحد النشطاء إلا أن بادر، بهاتفه الجوال وفي اللحظة الأخيرة، بتصوير ما تبدى على الجسد الصغير من آثار تعذيب مروعة تقشعر لها الأبدان، ثم جرى بعد ذلك تعميم هذه الصورة التي أراد الجلاوزة من ورائها ترهيب السوريين وإعادتهم إلى قفص الخوف الذي انكسر بغتة.
كان لانكشاف هذه الصورة التي ملأت شاشات التلفزة العربية والأجنبية ردة فعل مدوية، نقلت النظام المذعور إلى قفص الخوف ذاته، فراح يروج الأكاذيب عن فتى عمره ثلاثة عشر عاماً كان يداهم مساكن الضباط لاغتصاب النساء، ثم قام الأمن باستنطاق طبيب شرعي شهد، وهو يتصبب عرقاً، أن ميتة حمزة كانت عادية، وأن ما ظهر على جسده الطري كان جراء التحلل وطول المدة. غير أن بشاعة القتل تحت التعذيب، التي تكررت بصورة منهجية فيما بعد، كانت أكبر من كل نفي، وأشد هولاً من كل تسويغ متهافت.
والحق، أنني كنت واحداً من بين الملايين الذين هزتهم من الأعماق مظاهر الفتك والتنكيل بجسد حمزة، غير أن ما شدد من تضامني أكثر فأكثر، وعزز من انحيازي للثورة، كان مشهداً رأيت الجزء الأخير منه على الفضائية السورية، يتلو فيه والد حمزة بيان اعتذار شفوي عن فعلة ابنه الشقي، وهو خارج من لقاء رُتب له على عجل مع وارث الجمهورية عن أبيه، وينثر الأب المكلوم بشفتين مرتجفتين مزامير المديح ونشيد الإعجاب بالرئيس الإنسان، الأمر الذي صعق وجداني بقسوة، وأقعدني عن فهم بواعث مثل هذه العقلية السادية.
لقد كانت صورة حمزة المشوهة بفظاظة تترفع عن مثلها الوحوش الضارية في الغابة، بمثابة نقطة تحول فارقة في مسار الثورة السورية، أججت مشاعر الناس، وأدت إلى عكس ما أراد النظام الاستبدادي فعله لاستعادة قانون الخوف مجدداً، حيث بدا المتظاهرون منذ ذلك اليوم أكثر جسارة، وعمت الاحتجاجات بعدئذ معظم المدن والأرياف، وبات حمزة أيقونة الثورة، حيث أطلق عليه الكثيرون اسم محمد الدرة السوري، في إشارة إلى ما صنعته صورة مقتل الفتى الغزي بين أحضان أبيه في مطلع الانتفاضة الثانية. في الذكرى السنوية الأولى لاختطاف حمزة وقتله بسادية مفرطة، ندرك سلفاً أن آلافا من أقرانه، وبعضهم أصغر سناً، قضوا نحبهم في الأقبية السرية متأوهين باكين، دون أن تحظى سوى قلة القلة منهم بصورة هاتف مهزوزة صادمة لرأي عام عربي ودولي، يكاد يعتاد الآن على مشاهدة مثل هذه الصور المروعة. وفي هذه الذكرى التي عصفت بي عصفاً شديداً، وملأت قلبي وعقلي بالجزع والغضب والحزن الممض، أجدد القول أن المسألة السورية باتت بالنسبة لي منذ ذلك اليوم مسألة ضميرية أخلاقية، أكثر من كونها موضوعا سياسيا خلافيا.
المصدر: الغد الاردنية
حمزة الخطيب في ذكراه الأولى
- التفاصيل