لها أون لاين
نستطيع بكل براعة أن نلقي التهم على الآخرين، ونتلمس الأعذار لأنفسنا مهما كان الأمر جلياً، فهذا أمر يسير جداً لا يستدعي أكثر من كلمتين ترميان على الملأ. ويختلف هذا الملأ بحسب الشخصية التي تلقي التهم على الآخرين، فقد يكون الملأ صديقاً أو أفراد الأسرة أو زملاء العمل أو حتى ملايين الناس، عندما تلقى التهم عبر شاشات التلفزة ووسائل الإعلام.
إحدى رسومات الكاريكاتير التي انتشرت مؤخراً، تظهر شخصية افتراضية لأبي جهل، يقول له البعض: إن الشعوب العربية انتخبت مرشحين ملتزمين بالشريعة الإسلامية، فما العمل؟ وينصحهم أبو جهل باختيار صحفي من كل جريدة، ومذيع من كل قناة لتشويه صورة الإسلام والملتزمين بالشريعة. ويرد عليه آخر: نعم الرأي رأي أبي الحكم.
هناك نماذج أخرى قريبة لهذا الكاريكاتير، ومثلها أعداد أكبر من المقالات والآراء التي كتبت حول هذا الموضوع، وهي على كل حال تأتي على شكل رد فعل لما تقوم به وسائل الإعلام المختلفة من هجمة واضحة على كل ما هو إسلامي وملتزم.
فمن شبكات الإذاعة والتلفزة الأجنبية، إلى وسائل الإعلام الأجنبية الناطقة بالعربية، وصولاً إلى الوسائل الإعلامية العربية الممولة من قبل الغرب أو حتى الخاصة، هناك توجه واضح المعالم لتخويف الناس من الإسلام، ووصف الملتزمين به بالإرهاب والظلام وعصور ما قبل التاريخ، والكثير من هذه المصطلحات التي تقابلنا بين الحين والآخر، خاصة في الإنترنت.
ولا يكتفي البعض بهذا القدر، بل تصبح إعادة تدوير مثل هذه المواد شكلاً آخر لزيادة حدة التشهير والقدح، على سبيل المثال، كتبت إحدى الصحفيات في مجلة السياسة الخارجية الأمريكية مقالاً بعنوان "لماذا يكرهوننا؟" هاجمت فيه المسلمين والعرب، مدعية أن هناك خليطاً من العوامل الدينية والاجتماعية والثقافية تجعل المجتمع يكره المرأة؟ فتلقفت العديد من وسائل الإعلام هذه المقالة، وجعلتها مادة للرأي، أو فكرة لطرح النقاش حولها، لتصبح وسيلة إضافية لزيادة القدح والذم في الإسلام والمسلمين. كما فعلت مثلاً شبكة البي بي سي البريطانية.
هذه الحالة، ومثلها كثير.. تشير إلى وجود مشكلة مزدوجة، فهي من جهة تعكس إشكالية فهم من قبل الطرف الآخر للإسلام وتشريعاته الإنسانية النبيلة والراقية، فيكفي أنها مستمدة من كتاب الله تعالى وهدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
والمشكلة الأخرى أن بعض المسلمين شوّه صورة الإسلام، وعبّر عنها بأساليب لا تليق به أن يكون مسلماً معتزاً بإسلامه. فظلم، وتهجّم، وكذب، وفجر ونافق وفعل المعاصي على الملأ. فإن لم يفعل ذلك، فإنه لم ينافح عن الإسلام ولا عن دينه ونبيه، ولم يجتهد في أن يقدم صورة للإنسان المسلم، الداعي للخير، والتارك للشر.
وسائلنا الإعلامية مشغولة جداً هذه الفترة بالكثير من القضايا السياسية والاقتصادية، فأين انشغالنا بالدعوة إلى الله، وبالبر والإحسان، وبالعمل الخيري الإنساني؟ لماذا عندما يتم الحديث عن الأعمال الدعوية والخيرية نستذكر شخصيات محددة جداً، أمثال الشيخ أحمد ديدات، والشيخ د.عبد الرحمن السميط؟ لماذا لا تكون أعمالنا وأفعالنا وأقوالنا انعكاساً لدورنا في هذه الأرض التي استخلفنا الله عز وجل بها، فنعمل لله، ونخاصم لله، وننتصر لله، وندعو إلى الله، فإن وجدنا فرصة ساعدنا الآخرين؛ لأننا سنجد ذلك عند الله، وتصدقنا بأموالنا للمحتاجين، ونصرنا المظلوم حتى لو على أنفسنا، ورأفنا بالعباد لأن "خير الناس أنفعهم للناس".
نحتاج بكل تأكيد للتفقه في العبادات، فهذا يجعل من عباداتنا صحيحة وخالصة لله تعالى، ولكن نحتاج إلى مزيد من التفقه في المعاملات وزيادة في ترسيخ أخلاق الشريعة الإسلامية في نفوسنا. لأننا في النهاية الشكل الذي يجسد الإسلام وتعاليمه، لذلك حري بنا أن نكون مسلمين في كل تصرف أو قول أو فعل يصدر منا، وأن نتوقف ولو قليلاً عن مهاجمة الآخرين وإلقاء التهم عليهم، ونفكر قليلاً، ماذا يحتاج كل منّا ليكون مسلماً حقيقياً.
هل أنت مسلم؟
- التفاصيل