سيد صباح بهبهاني
بسم الله الرحمن الرحيم
(قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) الشمس /9
(وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) /10
(نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ ) الهمزة /9 ـ 10
(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) النساء /58
(لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) النساء /148
إن الفساد والأخلاق السيئة هي السموم القاتلة والمهلكان الدامغين المخزي الفاضح ،والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب وفي مرضها فوت حياة باقية أولى وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة علمها وأسبابها ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) الشمس /9 .
وإهمالها هو المراد بقوله تعالى : (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) /10 . والإشارة إلى جمل من أمراض القلوب وكيفية القول في المعالجة .. من غير تفصيل لعلاج خصوص الأمراض فإن يكون في عنق المربيين الفاضلين الأبوين لأنهم المسئولين عن اللبنة الأولى في التربية وتهذيب الأخلاق وبعدها رياض الأطفال وتليها المدرسة التي تجعل علاج البدن مثالاً له ليقرب من الإفهام ودرك البيان الفضيلة والسلوك وحسن الخلق ومن ثم بيان حقيقة حسن الخلق ثم قبول الأخلاق للتغير بالرياضة ثم
وهنا من واجب وزارة التربية والتعليم في جميع الأقطار الإسلامية والعربية بيان السبب الذي ينال به حسن الخلق والطرق التي يجب أن يتحلى بها المربي الفاضل / المعلم وكيفية تعريف تفاصيل الطرق إلى تهذيب الأخلاق ورياضة النفوس ومن ثم العلامات وبيان العلامات. وهنا حتماً سوف يعرف بها المبتلى بهذا المرض وعلى المربي أن يشرح لهم الكيفية للتخلص منها وأن الإنسان لو عرف عيوب نفسه ثم تلقى بيان الشواهد لطرق العلاج ، وعرف أن الطريقة هي بترك الشهوات لا غير . ولو أن المعلم بين طرق رياضة الناشئين في أول النشوء وبدون استعمال القوة والجرح في الكلام في الشرح والتوضيح وبيان الشروط بالمحبة لكنا بخير. وللأسف أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم ساءت أخلاقهم ولا يُرجى من أكثرهم الصدق ، والفساد أصل هذه الفروع الكثيرة المتنوعة ـــ وإذا استشرى الفساد بأصوله وفروعه الكثيرة المتنوعة شلت فاعلات الشرائع والقانون ، ولم يعد في القانون معنى للردع ، وأن مجتمعاتنا اليوم ،والفساد الذي خرقه من الوريد وأن لهذا الأصل فروع كثيرة
متنوعة، وإذا استشرى الفساد بأصوله وفروعه الكثيرة المتنوعة شلت فاعلات الشرائع والقانون، فلم يعد في القانون معنى الردع، ولم تعد للشرائع هيبة تدخل في القلوب، ولكن ما هو السر في هذا الفساد الذي يستشري اليوم في أكثر مجتمعاتنا؟ بكلمة مختصرة نقولها: إن مصدر الفساد دائماً يتمثل في سوء الخُلُق، فمن ساءت أخلاقه لا يُرجى منه الصدق إن تحدث بحديث ما، ومن ساءت أخلاقه لا يرجى منه الوفاء إن عاهدك بعهد ما، ومن ساء خُلُقه لم تُرْج منه الأمانة إن كُلِّف بوظيفة أو عمل ما، ومن ساء خُلقه لم يُنْتَظر منه الصدق في الحراسة والتضحية إن كُلِّف بحراسة ثغر أو كُلف بالدفاع عن وطن، صاحب الخلق الذميم لا يعبد في الحقيقة إلا نفسه، ولا يرعى إلا حق ذاته، وهو متهيئ لأن يضحي بكل شيء في سبيل أهواءه، وفي سبيل رغائبه وأهوائه، تلك هي خلاصة معنى سوء الخلق، مصدر الفساد الذي يستشري اليوم في مجتمعاتنا إنما هو سوء الخلق، وهي حقيقة لا ريب فيها، ولا يختلف فيها اثنان عندما يتحدثان عن هذه الظاهرة، بل هذا الوباء الذي ينتشر – ويا للأسف – في مجتمعاتنا الإسلامية .
ما العاصم يا عباد الله من سوء الخلق؟ هل العاصم من سوء الخلق دروس الأخلاق التي يتلقاها التلاميذ في المدارس؟ لقد عرفنا وعرفتم أنها دروس تقليدية، يتلقاها التلامذة، ولكنهم لا يزدادون من ورائها إلا ضياعاً وسوءاً. هل العاصم من سوء الخلق الفلسفة؟ ولقد جريت المجتمعات الإسلامية – ولا تزال تجرب – جدوى الفلسفة ونتائجها، فما زادت وما تزيد أصحاب الأخلاق السيئة إلا ضياعاً وتيهاً، وإلا إمعاناً في أخلاقهم المسعورة الضبعية. هل العاصم من سوء الخلق دراسة التاريخ الطبيعي أو الإنساني؟ كل ذلك يُدْرَس، ومع ذلك فإن الأخلاق السيئة ما تزداد إلا سوءاً، وكلكم يلاحظ ذلك.
العاصم الوحيد من سوء الخلق إنما هو رقابة الله، إنما هو شعور العبد بهويته عبداً مملوكاً لله عز وجل، وبيقينه بأن له وقفةً لا ريب فيها بين يدي الله عز وجل، وبكلمة جامعة: العاصم من سوء الخلق إنما يتمثل في التربية الإسلامية، إذ يتلقاها الإنسان منذ نعومة أظفاره، يستبين هويته، وتُغرَس في عقله حقائق هذه الحياة الدنيا التي يعيشها، وتهيمن على مشاعره العواطف الوجدانية من مشاعر الحب لله، والمخافة منه، والتعظيم لحرماته، هذا هو العاصم من سوء الخلق، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). ودونكم فانظروا إلى الأخلاق الذميمة التي كانت تسود الجزيرة العربية قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل الصحابة الذين يَفْخُر التاريخ الإسلامي بمناقبهم كانوا قبل الإسلام مثالاً لسوء الخلق، ما الذي سما بهم إلى صعيد الأخلاق الإنسانية الراضية؟ هذه الرقابة التي أحدثكم عنها، التربية الإسلامية، عرفوا أنفسهم، وقفوا على حقائق هوياتهم، عرفوا قصة الرحلة التي قضى الله عز وجل عليهم بها في هذه الدنيا، عرفوا المصير الذي لا بدَّ أن يؤولوا إليه، فتحولوا من حال إلى حال، خُلِقُوا خَلْقاً جديداً كما تعلمون .
إذن العاصم الأوحد من الأخلاق الذميمة التي تنسف القيم الاجتماعية، والتي تَشُل فاعلية القوانين وفاعلية الشرائع، العاصم الوحيد من ذلك إنما هو التربية، التربية الإسلامية الحقيقية، إذ يُؤخذ بها الإنسان منذ نعومة أظفاره بشكل فعال، من ذا الذي يشك في هذه الحقيقة يا عباد الله؟ التجارب دلت على ذلك طرداً وعكساً، فإذا كان الأمر كذلك؛ ففي نبخس التربية الإسلامية في المدارس حقها؟ إذا كانت هذه الحقيقة ماثلةً للأعين، بَيِّنَةً أمام البصائر، لماذا نستبين بين كل حين وآخر مظاهر من الاستهانة بهذا العاصم الأوحد الذي يعصم الأمة من سوء الخلق، والذي يحقق لها الأخلاق الإنسانية الراضية، ومن ثم يبني لها ركائز المجتمع الإنساني الحضاري السليم؟
إذا كنا عرفنا جميعاً أن الذي يجعل الإنسان وفياً لعهده إن عاهد هو الخلق الإنساني السليم، الذي يجعل الإنسان أميناً على وظيفة عُهِدت إليه، فلا يخونها، ولا يخون الناس من خلالها؛ إنما هو الخلق الإنساني السليم، الذي يجعل الإنسان صادقاً في الدفاع عن وطنه، وفي حماية مقدس أته… إنما هو الخلق الإنساني السليم، لماذا نستهين بينبوع هذا الخلق؟ وينبوع هذا الخلق واحد لا ثاني له، التربية الإسلامية الفعالة، إذ تتفاعل مع كيان الإنسان بالطرق المنهجية والتربوية السليمة .
من ذا الذي يجهل أن صاحب شركة أو معمل ما إذا احتاج إلى موظف أمين يرعى صندوقه، لا يبحث عن هذا الإنسان إلا من خلال شخص عَرِف بدينه، عُرِف باستقامته على الرشد، حتى وإن كان صاحب هذا العمل ملحداً؟ لأنه يعلم أن هذا الإنسان الذي نشأ في ظل التربية الإيمانية مراقباً لله عز وجل، خائفاً من مولاه عز وجل، علم أن هذا الإنسان لن يخونه، لن يسرق، لن يرتشي، وكم…. وكم رأينا مظاهر لهذه الحقيقة صاحب العمل تائه فاسق، أو صاحب الشركة كذلك، ولكنه يريد إنساناً صادقاً إذا اعتمد، عليه أميناً لا يخونه، يبحث بين الناس كلهم عن إنسان عُرِف بأنه نشأ في ظلال التربية الإسلامية المثلى، هل يرتاب في هذا زيد من الناس في مجتمعاتنا مهما كان شأنه من القمة إلى القاعدة الشعبية؟ ليس في الناس من يرتاب في هذه الحقيقة قط، هذا هو الواقع، وكتاب الله جاء قبل هذا الواقع معلناً مبيناً لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) الأنفال /24 . والحياة هنا كلمة تشمل كل معاني الحياة ” إذا دعاكم لما يحيكم ” الحياة الحضارية، الحياة الاجتماعية المثلى، الحياة العادلة كما يصفها ربنا لقوله تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) النحل / 97 . ذلك هو القرار، وهذا هو الواقع، وكل منهما يصدق الآخر ويعانقه.
أعود فأقول: لماذا الاستهانة بدروس التربية الدينية في مدارسنا؟ يا حضرة المسؤولين والمقصد أن لكل الأديان السماوية جميعاً ويجب أن يكون له الحق في مزاولة طقوس دينه وتعليم دروسه الدينية ، لماذا نتجاوز خطة إلى خطة إلى خطة ترمي التربص بهذه التربية؟ كأن سوء الأخلاق الذي مُنِيَت به مجتمعاتنا غير كافٍ، وكأننا نحتاج إلى مزيد من الوسائل التي تَشُل فاعلية القوانين، تشل فاعلية الشرائع، تشل موازين العدل، هل نحن بحاجة إلى المزيد؟ كلنا يشكو الفساد، في كل المناسبات يقال ذلك، لم يعد ذلك سراً خفياً، تعالوا نبحث: ما سبب الفساد؟ تعالوا نسأل الفلاسفة، نسأل الذين يُدَرِّسون علم الأخلاق، نسأل كل فئات الناس: ما الذي يعصم الأمة من هذا الفساد؟ وما الذي يجعلها تستشري في سبل التيه، وفي مزيد من أسباب الفساد؟ الجواب هذا الذي ذكرته لكم، الكل يعلم ذلك، العاصم الوحيد الذي يجتث أسباب الفساد بكل أنواعه – والمجال لا يتسع لذكر هذه الأنواع – المجال الأوحد هو التربية، منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا وقادة المجتمعات، والعلماء على اختلافهم، يؤمنون بأن التربية هي العمود الأول في بناء المجتمع، ما التربية؟ التربية: هي الوسائل التي يتم بها إخضاع النفس لقرار العقل. هذه هي التربية. الإنسان إذا لم يُرَبَّ، فهو عبد لهواجسه، عبد لشهواته وغرائزه، بعيدٌ عن الإصغاء إلى وحي عقله، ما الذي يجعله يخضع لعقله، ويتحرر من هواجسه؟ التربية إذا كانت هذه الحقيقة واضحة، فإنني أُهيب بقادة مجتمعاتنا وأناشدهم أن يرعوا حق الله عز وجل أولاً في تربية النشء – أمانة – هذا النشء أمانة – أيها السادة الأعزاء – بين أيدي قادة هذه الأمة، فُطِروا على الإسلام خَلْقاً، ثم إن الله عز وجل طلب منا أن نتمم هذه الفطرة بالكفل التربوية، نأخذهم بها، لا تضيعوا حقاً أوجبه الله في أعناقنا تجاه هذا الجيل، ثم أناشدهم الله عز وجل أن يسعوا سعيهم الجاد لاجتثاث هذا الفساد، وكلنا متعاونون في هذا الصدد، وكلنا يدٌ واحدة في هذا الصدد، لكن تعالوا فلننظر أين يكمن الداء؟ وأين هو الدواء؟ الدَّاء معروف، والدواء هو التربية. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهم قادتنا الرشد، وأسأل الله عز وجل أن يوفق المسلمين والعرب والناس أجمعين ، أن يوفق قادتنا في هذه البلدة الطيبة بلاد الرافدين، وفي سائر بلادنا العربية والإسلامية أن يجعلوا من وزارة التربية مهداً للتربية الإسلامية قبل كل شيء وأن يضعوا حدا للطائفية وجمع كل كتاب يسعى أو يتطرق للطائفية أن يرفع ويرمى في سلة الأوساخ .. وأن يكونوا جادين لزيادة الحصص التعليمية وأن يعلموا أن كل العلوم وسائر المعارف التي يتلقاها التلامذة في المدارس لا يمكن إلا أن تكون عبئاً على المجتمع إن خلت هذه المناهج من التربية الفعالة لا التقليدية. أن لا يقصروا بحق وزارة التربية والتعليم لأنها درع الشعب الذي يكون أصل التقدم والأعمار والثقافة ، وما أحوج العراق اليوم لمثل هذا الدعم ..لأني رأيت عبر بعض الفضائيات أن الطلبة العراقيين يفقدون أبسط الأشياء وهي الصفوف والمقاعد والمياه والبعض يفتقر شراء لوازم المدرسة ؟؟ .أين أنت يا سادتي عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقوله ” أطلب العلم ولو في الصين ” ولماذا نتحمل هذا العناء وأن العراق مدرسة الفقه والفقهاء كانت!!!!. أعيدوا مجدنا !!.
وخلاصة أن في كل عضو فائدة وفائدة القلب الحكمة والمعرفة والمرجو أن تعيدوا بغداد كما كانت دار حكمة العالم والعصر الذهبي ومركز الثقافات !. وأحب أن أنوه لبعض المتقاعسين عن أداء واجبهم خفية فعليه أن يعرف عيوب نفسه ويتخلص من شيطانها وما عليه إلا أن لعدة نقاط و هي : ـ
أ ـ أن يجلس أمام المرآة ويؤنب ضميره ولعله يفكر أن الله مطلع على خفاياه لقول رب العزة : (تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ) الهمزة /7 . زمرة أخرى يذكرنا لقوله : (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) الأنفال /24 .
ففي كل عضو فائدة وفائدة القلب الحكمة والمعرفة . وهذا شأن المحب للخير ليعالج نفسه ويرد علاج عيوبه ويهتدي لطريق الحق والصدق.
ب ـ أو أن يطلب صديقاً نصيراً خالصاً ليلاحظ أحواله وأفعاله ليقول له حذراً أن اخطأ في عيوبه الظاهرية أما الباطنية يجب أن يعرف أن الملكان المقربين من عند الله في جنبه.
فهكذا كان يفعل كان عمر بن الخطاب رضوان الله عليه يقول : رحم الله امرأ أدهى إلى عيوبي.
وكان يسأل الصحابي الجليل سلمان المحمدي رضوا الله عليه عن عيوبه فلما قدم عليه قال له: ما الذي بلغك عني مما تكرهه فاستعفى فألح عليه فقال: بلغني أنك جمعت بين أدمين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل قال: وهل بلغك غير هذا قال: لا فقال: أما هذان فقد كفيتهما.
وكان يسأل الصحابي الجليل حذيفة رضوان الله عليه ويقول له أنت صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنافقين فهل ترى علي شيئاً من آثار النفاق فهو على جلالة قدره وعلو منصبه هكذا كانت تهمته لنفسه رضوان الله عليه.
فكل من كان أوفر عقلاً وأعلى منصباً كان أقل إعجاباً وأعظم اتهاما لنفسه إلا أن هذا أيضاً قد عز فقل في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالعيب أو يترك الحسد فلا يزيد على قدر الواجب.
ت ـ فلا تخلو في أصدقائك عن حسود أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيباً أو عن مداهن يخفي عنك بعض عيوبك.
ولهذا كان العرفان قد اعتزل الناس فقيل له: لم لا تخالط الناس فقال: وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي فكانت شهوة ذوي الدين أن يتنبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم وقد آل الأمر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا.
يكاد هذا أن يكون مفصحاً عن ضعف الإيمان فإن الأخلاق السيئة هي حيات وعقارب لداغة فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقرباً لتقلدنا منه منة وفرحنا به واشتغلنا بإزالة العقرب وإبعادها وقتلها وإنما نكايتها على البدن ويدوم ألمها يوماً فما دونه ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب أخشى أن تدوم بعد الموت أبداً وآلافاً من السنين.
ثم إنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته فنقول له: وأنت أيضاً تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه ويشبه أن يكون ذلك من قساوسة القلب التي أثمرتها كثرة الذنوب. والخلاصة أن أصل كل ذلك ضعف الإيمان.
وأن هنا مطلب أخير هو أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموماً فيما بين الخلق فليطالب نفسه به وينسبها إليه فإن المؤمن مرآة المؤمن فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى.
فما يتصف به واحد من الأقران لا ينفك القرن الآخر عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه فليتفقد نفسه ويطهرها من كل ما يذمه من غيره وناهيك بهذا تأديباً فلو ترك الناس
كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب.
وقال الإمام علي عليه السلام في قوله تعالى : قوا أنفسكم وأهاليكم نار ” قال أدبوهم وعلموهم ( أدب المجالسة ـ أبن عبد البر ح237 ).
قيل لنبي الله عيسى عليه السلام: من أدبك قال ما أدبني أحد رأيت جهل الجاهل شيناً فاجتنبيه ( أدب المجالسة ـ أبن عبد البر 238 ) ونعم ما قيل في هذا الصدد:
إذا أعجبتك خلال امرئ * فكنه تكن مثل من يعجبك
وليس على المجد والمكرمات * إذا جئتها حاجب يحجبك.
وبعد كل هذه النصوص عرفنا أن أفضل ما يورث الآباء الأبناء الثناء الحسن والأدب النافع والإخوان الصالحون . عن أبن مسعود : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتخول لنا بالموعظة مخافة السامة علينا، وكان الإمام علي عليه السلام يقول إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة . وقال عبد الله بن مسعود رضوان الله عليه إن للقلوب شهوة وإقبالا وفترة وأدبارا فخذوها عند شهوتها وإقبالها وذروها عند فترتها وأدبارها. كما يقال المثل : الملالة تفسخ المودة وتولد البغيضة وتنقص اللذة . وقال الفيلسوف أسطو طاليس ينبغي للرجل أن يعطي نفسه أربها ساعة من النهار ليكون ذلك عونا لها على سائر يومه. وقال النبي إبراهيم خليل الرحمان صلى الله عليه وعلى محمد أفضل الصلاة والسلام قال : على العاقل أن يكون له ثلاث ساعات يناجي فيها ربه وساعة يؤدب فيها نفسه وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فإن هذه الساعة عون له على سائر الساعات. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قالوا فما جلاؤها يا رسول الله قال تلاوة القرآن. وما علينا إلا أن نتآخى ونتعاون كما قال الشاعر بشار بن برد في هذا الصدد ونعم ما قال :
وإني رام من يقاربني فيما * هويت ومن أقاربه .
وبعد أن وصلنا إلى الواجبات التي يجب أن يتحلى بها كل إنسان مثالي فعلينا أيضا أن نعرف إلى الفطن الذي يصحح أخطائه عبر أخطاء الآخرين وقال أساطين الحكمة : من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق حقاً ، ونعم ما قال الشاعر:
لا تلم المرء على فعله * وأنت منسوب إلى مثله
من ذم شيئاً وأتى مثله * فإنما دل على جهله .
ويدا بيد لتعاون ما بيننا جميعاً للمحاولة على قضاء المخلفات والنزعات التي بنتها الأحزاب والمندسين . وعلينا جميعاً أن نرفع معول العلم لهدم المخلفات الطائفية والجهل وكسر شوكت المفسدين المتخلفين والإرهابيين الجبناء ونسأل الله أن يقوي تعاوننا على البر والتقوى وشمولية ولاية الإيمان على حبه . وندعو للجميع وللعراق والعراقيين ,والعرب أجمعين والفرس والترك والأفغان والباكستانيين والهندو والسرلكيين ودول أسيا أن يتحدوا ويتآخوا ويدا بيد للبناء والمشاطرة في التضحية للأوطانهم أفضل والمشاطرة وأن ينتخبوا من ينفع الوطن والمواطنين وليصوتوا للذي سوف يدعم الوطن والمواطن ويقضي على الفساد والتخلف وشرعاً يجب على كل مكلف أن يشارك بالانتخابات ، وأن لم يذهب فسوف يترك الساحة مفتوحة للمتربصين وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . والله خير حافظ وهو أرحم الراحمين.
المحب المربي
سيد صباح بهبهاني
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الفساد الإداري في الدول النامية وشل قوانينها !!
- التفاصيل