بقلم مصطفى الرافعي رحمه الله.
الإنسان عند الناس بهيئة وجهه وحليته التي تبدو عليه، ولكنه عند الله بهيئة قلبه وظنه الذي يظن به؛ وما هذا الجسم من القلب إلا كقشرة البيضة مما تحتها. فيالها من سخرية أن تزعم القشرة لنفسها أن بها هي الاعتبار عند الناس لا بما فيها، إذ كان ما تحويه لا يكون إلا فيها هي؛ ومن ثم تُبعدُ في حماقتها فتسأل: لماذا يرميني الناس ولا يأكلونني؟
إن هذه الأخلاق الفاضلة في هذا الإنسان لا تجد تمام معناها إلا في حالة بعينها من أحوال القلب، وهي حالة خشوعه على وصفها الذي شرحته الآية الكريمة "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ.."سورة الحديد فالأخلاق الفاضلة محدودة بالله والحق معا، وهي كلها في خشوع القلب لهذين، فإن من القلب مخارج الحياة النفيسة كلها.
قال الشيخ(1): وأنا منذ حفظت عن الحسن تأويل هذه الآية، واستننت بها، مضيت أعيش من الدنيا في تاريخ قلبي، لا في تاريخ الدنيا، وأدركت من يومئذ أن ليس حفظ القرآن حفظه في العقل، بل حفظه في العمل به؛ فإن أنت أثبت الآية منه، وكنت تعمل بغير معناها، وتعيش في غير فضيلتها، فهذا ـ ويحك ـ نسيانها لا حفظها!
وقد كان قومنا الأولون بمعانيه كالشجرة الخضراء النامية؛ فيها ورقها الأخضر وزهرها، وعلى ظاهرها حياة باطنها؛ فلما ثبت الناس على الشكل وحده، ولم يبالوا القلب أحواله، أصبحوا كالشجرة اليابسة، عليها ورقها الجاف، ليس في بقائه ولا سقوطه طائل!
ما أصبحت ولا أمسيت منذ حفظت تفسير الآية إلا في حياة منها، وهذه الآية هي التي دلتني بمعانيها أن ليست الحياة الأرضية إلا ثورة الحي على ظلم نفسه، يستنكف عنها أكثر مما يُستجر لها(2)، والناس في شقائهم على العكس، يستجرون أكثر مما يستنكفون، وإنما السعيد من وجد كلمات روحانية إلهية يعيش قلبه فيهن.
فذاك لا يعمل إعماله كما يأتي ويتفق، بل يحذو على أصل ثابت في نفسه، ويختار فيما يعمل أحسن ما يعمل، ومن ثم لا يكون غرضه أن يلابس الحياة كما تأخذه هي وتدعه، بل أن يحيا في شرف الحياة على ما يأخذها هو ويدعها.
إن الشقاء في هذه الدنيا إنما يجره على الإنسان أن يعمل في دفع الأحزان عن نفسه بمقارفته الشهوات، وبإحساسه غرور القلب، وبهذا يُبعد الأحزان عن نفسه ليجلبها على نفسه في صورة أخرى!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ يقصد مالك بن دينار.
2ـ يستجر لها: أمكنها من نفسه فانقاد لها.
المصدر: لها أون لاين