د.إبراهيم زيد الكيلاني
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171-173]. الشعوب التي أسقطت الطغاة في تونس ومصر وليبيا، وهي في طريقها لإسقاط الآخرين، وقدّمت آلاف الشهداء إرضاءً لربها وشراءً لكرامتها وحريتها.. ترسم صورة مشرقة للتاريخ العربي الحديث بعد أن شُوِّهت هذه الصورة لعدة عقود. وكان من أعظم آثارها احتلال الصهاينة لفلسطين، واحتلال الأمريكان لأفغانستان والعراق، واحتلال المستعمر لآبار النفط وثروات الأمة، وإقامة حكام يحرسون أمن (إسرائيل) بدل أن يحرسوا أوطانهم وشعوبهم.
ويمكن أن نذكر بعض معالم هذا الربيع:
المَعْلَم الأول: وكان من أعظم معالم هذا الربيع العربي مطالبه العادلة في إعلان المساواة بين طبقات الشعب في الحقوق والواجبات، وأن الشعب لا يرضى بأن تحكم طائفة أو عائلة أو حزب على حساب مصالح الأمة وحريتها وكرامتها، وأن المال العام محصَّنٌ من النهب والرشوة، وأن عهد الوصاية قد ولّى، وأن الحكم لله وحده، والسلطة للشعب، وأن السبيل لتحرير الشعب من طغيان الحكام الذين حوّلوا الوطن إلى مزارع لأسرهم أو أحزابهم أو حاشيتهم أن تعود السلطة كاملة للشعب بالدستور الملزم والانتخابات الحرة النزيهة ليختار الشعب نوابه وحكامه ويحاسبهم على الصغيرة والكبيرة، وهذه هي شريعة الشورى أو الديمقراطية التي لا تستثني طبقة أو فئة من الشعب. وأن سكوت الشعب عن حقه في المساواة والحرية والكرامة حرام في شرع الله وهوان وذلة وقبول بالدنية، وهذا ما نفهمه من قول الله تعالى الذي حذّر المسلمين في مكة الذين لم يلحقوا برسول الله صلى الله ع ليه وسلم في المدينة ليشاركوه الجهاد والدعوة ومقاومة الفساد وآثروا البقاء في ظل أموالهم وأُسرهم ومهادنة الطغاة بمكة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} [النساء:97] (أي رضوا بحياة الاستضعاف في ظل الطغاة) فأجابتهم الملائكة: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء:97] أي تلحقوا برسول الله في المدينة لتشاركوه الجهاد والبذل في سبيل نصرة الدين وتحرير الأوطان من الوثنية وأهلها؟ ويصدر الله حكمه في هؤلاء بقوله: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء:97-98].

والمَعْلَم الثاني لهذا الربيع العربي: أن نعلن بقوة أن الشورى أو الديمقراطية بمفهومها الإسلامي وصناديق الاقتراع، تعدّ السبيل الوحيد لإنقاذ الشعب وتحرير سلطته من يد هؤلاء الطغاة. والشورى فريضة شرعية وهي السبيل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والحكام الطغاة ما طغوا إلا في غياب الشعب وممثليه عن محاسبتهم ومنع طغيانهم.

والمَعْلَم الثالث: أن دور المنافقين في كل زمان محاربة أهل الصلاح والإصلاح، وأن الالتفاف على الثورات وإجهاضها هو عمل المنافقين في القديم والحديث؛ ولذلك بيّن الله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً . الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لله جَمِيعاً . وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء:138-140].

ويحسن تدبر قوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} التي تُحرّم كل أسباب التعاون والرضوخ والخنوع للطغاة الظالمين.

والمَعْلَم الرابع: دروس التاريخ: ولا يحسن بنا أن نعيش القرن الواحد والعشرين ويحكمنا الطغاة الظالمون بمبادئ وأحكام القرون الجاهلية الأولى من عهد الفرس والرومان والعرب قبل الإسلام الذين كانوا يقسمون الشعب طبقات؛ فهذه أُسرة تحكم وأُسر لا تحكم، وهؤلاء لهم امتيازاتهم وهؤلاء محرومون، وقد حرّم الإسلام هذه الطبقية بإعلانه مبدأ المساواة والكرامة والحرية للأمة. وقد أحسن العلامة محمد المدني في بيان هذا الجانب بقوله: “مما هو ثابت في تاريخ الأمم والشعوب قبل الإسلام أن الأحبار والرهبان – وساعدهم الملوك وأصحاب السلطة المادية – قسّموا الناس طبقات وخيّلوا لهم أن الدماء الآدمية تختلف وأن حقوقها تبعاً لذلك تتفاوت؛ فلهذه الطبقة من الحقوق ما ليس لتلك، ولهذا الدم أن يحكم وأن يورث الحكم في أعقابه، ويعتبرون هذا من أمر الله وليس لأحد من العامة أن يعترض وإلا كان جزاؤه الطرد على يد الحكام من الحياة الدنيا بالموت، والطرد على يد رجال الكهنوت في الحياة الآخرة من رضوان الله، وبهذا فترت الهمم، وانحلت العزائم، وصار الناس يدورون في فلك ضيق، إن كانوا من الخاصة لم يكدّوا ولم يكدحوا ولم يكلفوا أنفسهم أن يسلكوا في الحياة سبيلاً قويماً؛ لأنهم لا يخافون أن يضيع مجدهم أو ينزل إلى مرتبة العامة، وإن كانوا من العامة لم تَسْمُ نفوسهم إلى حياة أرقى لأن هذه الحياة مستحيلة عليهم في ظل هذا التقسيم الجائر الذي فُرض على المجتمع، ومن ثم استرخى هؤلاء وهؤلاء وصار العز والرفعة (والحكم) ومكاسبه ومغانمه ميراثاً يصل إلى الأبناء عن طريق آبائهم وأجدادهم كما صار الفقر والشقاء ميراثاً لقوم آخرين لا يعدوهم.

هذا النظام الطبقي هو النظام الذي كان يعرفه العالم في ظل الفرس والرومان والجاهليات القديمة ويرضخ له كارهاً وكانت الشعوب تسير على مقتضاه مسخّرة، ولا تعرف الأكثرية في ظلاله حقّاً ولا تستطيع – من طول ما أصابها من الذلة – أن تفكر في التخلص منه. وكان يستوي في ذلك أهل المدنيات والحضارات وأهل البداوة والتوحش؛ فالأمر في ظلال الدولتين الرومانية والفارسية هو الأمر في جزيرة العرب على عهد الجاهلية كلهم يعيشون في مجتمعات تفرق بين الناس وتقرر أن بعضهم شريف وبعضهم وضيع، حتى الطبقة الواحدة كانت تتفاوت وتنقسم إلى طبقات ومن قرأ تاريخ هاتين الدولتين اللتين كانتا تقتسمان العالم نفوذاً وقيادة ونظماً وقوانين وتقاليد يرى هذه الطبقة في أبشع صورها متمثلة في المناصب ومن تسند إليهم وفي الأرض ومن يمتلكها وفي العقوبات، واختلافها بحسب المذنبين أو المجرمين نوعاً وكمّاً وكيفاً، وفي التجاوز عن العقوبات.. كذلك فليس كل أحد يُعاقَب وليس كل أحد يُتجاوَز عنه؛ فربما سرق الشريف فتركوه، بينما نراهم إذا سرق الوضيع أو اشتبهوا أنه سرق أصروا على إيقاع العقوبة عليه، وكانت العقوبة تزداد في جانب الشدة والقسوة كلما ازداد المذنب في جانب الذلة والضعف.

والعرب لم يكونوا مختلفين حالاً في ذلك عن غيرهم؛ فهذا تاريخهم يشهد بأنهم كانوا أمة متفاخرة بالآباء والأجداد متكاثرة حتى بعظام الموتى في المقابر، وأنهم كانوا قبائل متفاوتة: فمنهم الشرفاء العالون، ومنهم الأدنياء النازلون، وبين ذلك مراتب.. وفي شعرهم وأخبار منافراتهم الكثير الذي يدل على ذلك وينبئ عن شدة الاعتداد به والتعويل عليه في مجتمعهم، وعلى هذه النزعة كان الفرزدق يفاخر جريراً فيقول له:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم                              إذا جَمَعَتْنا يا جرير المجامع

وعلى أساس من هذه التفرقة كان التفضيل بين نمير من جانب وكعب وكلاب من جانب آخر في قول جرير يهجو الراعي النميري:

فَغُضَّ الطرف إنك من نُمَيرٍ                           فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا

وقد استمر هذا النظام الطبقي في أوروبا لقرون عديدة، بل إننا ما زلنا إلى الآن نرى أمة كبرى كالولايات المتحدة، وشعباً كبيراً في جنوب أفريقيا يجري فيه هذا القمع على التفرقة بالألوان؛ فللأبيض من الحقوق ما ليس للأسود حتى في دور العلم والجامعات الكبرى”.

أضف إلى ذلك نظرة الأوروبيين إلى غير الأوروبيين، ونظرة اليهود إلى غير اليهود وأنهم شعب الله المختار، وجاء الإسلام ليحرر الإنسان وليحرر الإنسانية بإعلانه المساواة بين الشعوب بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

وكان من أعظم مطالب الفاتح المسلم: “جئنا لنحرركم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.

وأعلن عمر بن الخطاب كلمته المشهورة وهو يوجه ابن فاتح مصر عمرو بن العاص لما ظلم القبطي “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”.

واليوم ونحن نواجه طغيان الحكام الذين اقتدوا بفرعون {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4] لنرى هؤلاء الحكام يذبحون شعوبهم ويدمرون بلادهم ليبقوا على منصة الحكم، ويريد الله لهؤلاء المستضعفين أن يغضبوا لدينهم ولكرامتهم وينطلقوا في أرض الإسلام، في ليبيا وفي سوريا وفي اليمن كما انطلقوا في مصر وتونس يجاهدون لتحطيم القيود التي كبلهم بها الظالمون، ولتكون المساواة الكاملة، لا تستأثر طبقة بالحكم ولا عائلة ولا حزب، ولتُرفع راية الشورى أو الديمقراطية، وأن الحكم لله وحده، وأن السلطة للشعب، لا لحاكم ولا لحزب ولا لأسرة؛ لأن الحاكم المنتخب من الأمة يحكم باسمها ولمصلحتها.

والله المستعان.

***

بقلم: الدكتور/ رئيس جمعية المحافظة على القرآن الكريم

JoomShaper