تغريد السعايدة
عمان – أصوات عالية فقط هنا وهناك، هدفها إقصاء الآخر وفرض الرأي عليه. ذلك هو الحوار “العقيم” الذي لا يسمن ولا يغني، ويولد نهاية “مزعجة” غير مُتفق عليها، لأن أحدهم تمسك بفكرته ووجهة نظره وطريقته بالكلام من دون أي اعتبارات أخرى!
زوج وزوجة يتجادلان أمام الأبناء، كل منهما يحاول إثبات وجهة نظره، لينتقل الحوار من النقاش إلى شجار، قد يمتد لساعات من الكلام وينتهي من دون نتيجة. هذه الحالة من النقاش والحوار تنتقل للأبناء، ويكون أسلوب حياة لديهم فيما بعد، اعتقادا منهم أن هذا هو التصرف السليم لإثبات الرأي وفرضه.
وهو الأمر الذي ما يزال يؤثر في حياة الطالبة الجامعية سلمى التي تتحدث عن جدال والديها الذي لا ينتهي بحل أي مشكلة سوى أن الأب هو من يفرض رأيه في النهاية، حتى إنها وأخوتها ووالدتها، باتوا لا يجادلونه في الكثير من الأمور كون النهاية “محسومة”، على حد تعبيرها، وهو ما يعمق من سوء العلاقات الأسرية، كما تقول.
وتقول سلمى إنها تحاول جاهده أن لا ترث هذه الصفة في الجدال من والدها في تعاملاتها اليومية ومع صديقاتها وباقي افراد عائلتها، ولا ترغب بان يأخذ الجميع عنها فكرة بأنها من أصحاب “الجدال العقيم” الذي لا يتحدثون الا بجهة واحدة من دون الانصات لغيرهم، كونها تكره هذه الصفة وتنبذها اجتماعياً.
الاختصاصي النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة يذهب إلى أن النقاش بين طرفين عادةً ما يقوم على فكرة أو مبدأ وكل منهما يقدم معطياته وبراهينه وبالنهاية يتفقان او يختلفان، ولكن الجدال العقيم لا جدوى منه، ومعاكس للانفتاح وتقبل اراء الآخر والحوار، وفيه تسلط وأنانية، وأصحابه لديهم خلل في الشخصية.
وبالتالي، يرى مطارنة أن الانسحاب من الحوار هو السبيل الأفضل حتى لا نقع في دائرة المجادلة، ولكن في الحياة التشاركية، كما بين الزوج والزوجة ينبغي أن يكون هناك تفاهم وفكر وحوار في القضايا التي تخص الأسرة، حتى وإن كان هنالك اختلاف في شخصية الرجل أو في تفكير المراة، فالمهم الاحتواء من دون اقصاء الآخر.
كثيرة هي الأقوال التي أطلقها حكماء وفلاسفة تبين الأثر السلبي وغير المقبول للجدال والأشخاص الذين لديهم القدرة على الحديث والجدال لساعات ومنهم من يبقى لفترة طويلة، دون الانصياع للحقيقة والرأي الآخر، وقد قال أحدهم “ما رأيت شيئا ككثرة الجدل يحبط الأمل ويهلك العمل”.
والعلاقات الاجتماعية ضرورة للجميع، كما يبين ذلك المختص الاجتماعي الأسري مفيد سرحان، مشيراً إلى أن التعامل مع الناس ليس عملية سهلة، لأن الناس مختلفون في تفكيرهم وطبعهم ومستوى ثقافتهم، والأهم من ذلك قدرتهم على الحوار والنقاش وتبادل الآراء.
ويقول سرحان إن هذه الطريقة بالجدال موجودة بين الزوجين والأبناء، وبين زملاء العمل والأصدقاء والأقارب وغيرهم، حتى من نلتقيهم في كثير من الأماكن، ونتعامل معهم، لذلك يجب أن يكون هنالك قواعد تحكم الجميع في الحديث، حتى يكون نافعاً ومفيداً، ولا يكون سبباً في الخلاف والبغضاء وتأخير العمل أو تأجيله.
والتعامل مع الناس فن على الصغار والكبار تعلمه بالممارسة والقدوة الحسنة، وهو يقوم على الاحترام المتبادل والاستماع للآخر ومحاولة الوصول إلى الحقيقة، لذلك نرى أن هؤلاء المجادلين هم أشخاص يصرون على اتخاذ قرارهم سواء أكان صواباً أو خطأ، وهو أمر “مرفوض”.
وبحسب سرحان فإن “الجدال العقيم” خطر كبير ويؤدي إلى هدم العلاقات بالأسرة، ولمواجهة هذا الجدال، ينبغي تنمية مهارات الحوار الناجح، الذي يتم من خلال تداول الكلام بين المتحدثين بشكل متكافئ وبألفاظ مهذبة، يسود فيه الاحترام المتبادل ويقوم على مبادئ وأسس متفق عليها، وليس حب الظهور والتميز عن الآخرين. كما ينبغي إتاحة المجال للجميع لإبداء آرائهم فيما يخصهم من الأمور، وأن لا يستبد الأب برأيه انما أن يكون قدوة حسنة للأبناء.
ويمر الكثيرون في حياتهم بأشخاص لديهم هذه “العقلية” والتمسك بهذا الإسلوب في الجدال، ولذلك تأثير مباشر، كما يروي ذلك عادل زيدان، من خلال حواراته المختلفة التي يتناولها عبر مواقع التواصل الإجتماعي، من خلال المتابعين معه وأصدقائه، ويستغرب أن الكثيرين لديهم القدرة الشديدة على الجدال الذي لا ينتهي على الرغم من وجود آراء أخرى حقيقية وواقعية أفضل منهم، إلا أن الجدال العقيم هو أسلوب مُتبع لدى الكثيرين ولا تغيره حياة واقعية أو إفتراضية.
وهو الرأي ذاته الذي تشاركه فيه سيرين، التي تعاني كثيراً في حوارها بكثير من المواضيع التي يتم طرحها عبر الصفحات النقاشية والحوراية التي تهتم بمتابعتها، فترى الكثير من الفتيات اللواتي يحاربن في طرح رأيهن بكل قوة من دون اتاحة المجال للآخرين في إثبات صحة الرأي الآخر، حتى وإن كان الموضوع لا يلامس حياتهن بشكل مباشر.
لذلك يرى سرحان أن بعضهم لا يحسن فن الحوار والنقاش، فيلجأ إلى أسلوب الجدال العقيم، حيث لا يكون هدفه الوصول إلى الحقيقة، بل الانتصار للنفس، حتى وإن كان على خطأ، وهو دليل على ضعف الحجة وعدم القدرة على الإقناع والتعصب للرأي.
والشخص المجادل هنا، يعتمد غالباً على علو الصوت، ولا يؤمن بالمنطق أو الحقائق والوقائع، وإذا شعر بقوة منطق الآخر يلجأ إلى السخرية والاستهزاء من الطرف الآخر، وقد يبتعد عن موضوع الحديث والتقليل من شأن الاخر، بل والكذب بهدف الظهور كمنتصر فهو لا يستطيع ان يضبط نفسه.
ويؤكد سرحان أن “الجدال العقيم” الذي لا فائدة منه ويسيء لصاحبه وللآخرين، فالمجادل بهذه الطريقة إنسان غير مرغوب به وينفر الناس منه حتى أقرب الناس إليه، ويُذهب المحبة وقد يؤدي إلى العداوة وخسارة الأصدقاء، وعند التعامل مع الشخص المجادل فإن الأفضل عدم إكمال الحديث والانسحاب منه، وترك الجدال حتى لو كان الشخص على صواب، وذلك احتراماً لنفسه وللآخرين من المستمعين.
ويرى أن الاستمرار في الجدال العقيم فيه خسارة للنفس وللآخرين، وهو يفقد الشخص الاحترام، فتركه أفضل حتى لو كان الشخص محقاً، لأن “كسب القلوب أهم من كسب المواقف”.
ويشير مطارنة إلى أن أدبيات الحوار بين الطرفين يُبنى على التفاهمات وإزالة نقاط الخلاف والمرونة، من دون أن يكون هناك حالة من التسلط أو التنمر، وعلى الشخص العاقل ان يتجنب هؤلاء الشخصيات الخلافية النرجسية التي لا تقبل أن تفند رأيها.