عمان– احتلت قضية التربية مساحة كبيرة من الاهتمام والرعاية، لما لها من أثر إيجابي في رفعة المجتمعات وتقدمها، وشغلت عقول المفكرين والفلاسفة بالبحث عن الطرق الأسلم والأصوب لإنشاء جيل متزن نفسيا وعاطفيا، وناجحا اجتماعيا وعلميا وعمليا أيضا.
ولأجل استمرار هذه العملية ذات القيمة المرتفعة بسبب تأثيرها في بناء الشخصية وإشباعها بكل ما هو أخلاقي وإكساب الفرد سلوكيات تساعده على التكيف مع المحيط وغرس بذور السعي نحو السمو بالنفس البشرية لترتقي وتصبح باحثة عن المعرفة وتواقه لها دائما وأبدا، هنا لابد من أن يكون لنا وقفة مع ما هو فعلا من أسس التربية، ومؤثر بالفرد، وما هو مجرد خرافة زائفة توالى توارثها من جيل الى آخر بحكم العرف والعادة.
إذا فلنبدأ أولا باستعراض الأهداف المرجوة من وراء عملية التربية:
بناء شخصية متوازنة عقليا وجسديا وخلُقيا.
إكساب الفرد معلومات حول ما له من حقوق وما عليه من واجبات.
وصول الفرد الى حالة من الوعي الكامل بمدى أهمية تحصيله للعلم الذي يحدد مستقبله المهني، وبالتالي يؤثر في طبيعة حياته ومستقبله.
تنقية موروثاتنا الشعبية من الشوائب والعادات غير السليمة، وعدم الاستمرار بتوارثها، وأخذنا فقط ما هو إيجابي منها.
ما أشكال التربية الصحيحة؟
لا بد من أن يسود الجو الأسري طابع المصارحة والنقاش المستمر والحوار، والمسؤول عن خلق هذا الجو هو الوالدان.
معاملة الأبناء بطريقة متوازنة تحكمها المساواة بينهم في كل شيء لأجل الحفاظ على استقرارهم النفسي العاطفي.
نحن مع إدخال موروثاتنا الشعبية الحميدة، مثل: المروءة والنخوة والشجاعة، والتمسك بها وترك كل موروث يؤثر سلبا على سير عملية التربية.
حل الخلافات الزوجية بعيدا عن الأبناء قدر الإمكان، فليس من المنطق أن يربي الأب أبناءه على أمر معين، ثم تقوم الأم على سبيل المثال بإعطائهم أوامر معاكسة، فهنا يحدث خلل كبير في أسلوب التربية.
اتباع أساليب وأسس العقاب السليمة التي تؤثر على الطفل نفسيا أو جسديا.
أبرز الخرافات في التربية التي من الواجب علينا تركها نهائيا
فيما يخص البكاء:
دع الطفل حديث الولادة يبكي كثيرا حتى تتسع رئتاه، الحقيقة تقول إن هذا أمر غير صحيح أبدا، وقد يؤدي الى مشاكل صحية للطفل نحن بغنى عنها.
الطفل الذكر الذي تجاوز الأعوام الخمسة من العمر ممنوع أن يبكي، فهو بذلك ليس برجل!، الحقيقة تقول إنه حتى الرجال من الصحي لهم البكاء في بعض الأحيان والأوقات التي تنطوي على مواقف صعبة، فكيف يكون الحال مع طفل صغير.
فيما يخص تعليمه وإكسابه سلوكيات جديدة:
اضربه عند الخطأ، الحقيقة تقول إن الضرب وسيلة ربما تكون فعالة بشكل آني ووقتي، لكنها تؤذي الطفل جدا وتولد لديه مستقبلا شعورا بعدم المبالاة، بل إن الطفل قد يكرر الخطأ الذي ضرب من أجله، لأنه لم يفهم لماذا تم ضربه.
مقارنة الطفل بغيره سواء إخوته أو أقرانه بالعمر، بهدف تشجيعه ليصبح أفضل سواء سلوكيا أو أكاديميا، الحقيقة تقول إن هذه المقارنة تحبط الطفل وتجعله ينظر الى نفسه على أنه أقل من الآخرين.
الحرمان من المصروف بهدف تأديبه وتعديل سلوكه، الحقيقة تقول إنه لا يجوز حرمان الطفل من حاجة أساسية مثل المصروف والأكل والشرب، لما لذلك من خطورة كبيرة تكمن في أن يقوم الطفل بالسرقة أو طلبه الطعام أو المال من الآخرين.
فيما يخص الأطفال من عمر عامين الى أربعة أعوام:
إرساله الى الحضانة أو الروضة لإكسابه اللغة، الحقيقة أن اختلاطه بالأطفال من الممكن أن يحسن لغته في حال كان الطفل طبيعيا ولا يعاني من مشاكل بالنطق، لكن في حال وجود مشكلة بالنطق فإن هذا الخيار لن يكون سليما، فهو كفيل بأن يعرض الطفل لتكرار خبرات الفشل بسبب عدم قدرته على التواصل لغويا مع هؤلاء الأطفال، وربما أيضا يعرضه للتنمر.
إجباره على استخدام المرحاض وعقابه عند إخفاقه في ذلك،
الحقيقة تقول إنه غير قادر على التحكم بالمثانة بشكل جيد، خصوصا قبل عمر العامين، فلابد من سعة صدرنا بالتعامل معه وإعطائه الوقت الكافي، لأن الإجبار والعقاب والتخويف تنشئ لديه مشاكل نفسية لاحقا.
ولن ننسى خرافات كثيرة تمت ممارستها على الأطفال لمدة طويلة من الزمن، لا بد من إيقافها، مثل تمليح الطفل وتكحيله وربطه بما يسمى بالقماط، وهو عبارة عن رباط يلف به جسد الطفل فوق “الكوفلية”، مع العلم أن قطعة القماش التي تلف جسد الطفل “الكوفلية” ضرورية ومفيدة، لكن من غير الرباط لما له من أخطار على الدورة الدموية والعضلات.
وربما يتبادر لذهن القارئ أن أمهاتنا وجداتنا مارسن هذه العادات قديما ولم يحدث شيء، نقول إن الله عز وجل قد سلم، ولكن بالتأكيد يوجد أطفال تأذوا بطريقة أو بأخرى، فالهدف أن نسعى جميعا لتصحيح أخطائنا القديمة وحتى الحديثة في التربية والسعي الدائم لبحثنا عن سبل المعرفة التي تزودنا بأفضل الأساليب لتربية أبنائنا الأحباء الذين هم أبناء وأمهات المستقبل.
أخصائية الاحتياجات الخاصة والعلاج السلوكي
أمل الكردي