ربى الرياحي
عمان- يقضي البعض أعمارهم في الركض وراء النجاح والكسب المادي، وينسون أن هناك لحظات جميلة لا تتكرر أبدا سرقت منهم بدون أن يشعروا. خوفهم من غدر الحياة ومن أن يعانوا العوز والحرمان من الأسباب التي تدفعهم إلى أن يغرقوا أنفسهم بالعمل قاصدين من ذلك تأمين مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.
مثل هؤلاء يقفون متفرجين أمام أجمل سنوات العمر وهي تهرب منهم، تفاصيل كثيرة غابت عنهم وغابوا عنها فقط لأنهم قرروا أن يكونوا رهائن لوظائفهم ومهنهم، هم لم يفكروا أبدا بأن يمسكوا العصا من النصف ويعيشوا حياتهم بتوازن يختبرون معه كل شيء، ويستطيعون من خلاله أن يستمتعوا بالحياة بل تركوا أنفسهم حتى كبروا واعتقدوا أن العمر سينتظرهم، وأنهم سيبقون بمأمن من المرض والألم والتعب.
الستيني أبو أمجد واحد من كثيرين سمح للحياة بأن تسرق أجمل سنوات عمره هو وبموافقته رضي أن يكون مغيبا عن لحظات من الصعب أن تعود.
يقول إن انشغاله الدائم بالعمل وعدم اكتراثه بأن العمر يمضي، وبأن أبناءه يكبرون بعيدا عنه، كلها أمور حرمته من أن يستمتع بالحياة بقرب من يحب، وجعلته مفتقدا للكثير من المشاعر الدافئة التي لم يستطع أن يعيشها بسبب انغماسه ولسنوات طويلة بالأرقام والحسابات، هو لم يكن موجودا مع أبنائه في أكثر اللحظات احتياجا له، بل رأى أن الأهم بالنسبة لهم هو أن يؤمنهم ماديا ونسي أن لأبنائه حقا عليه ولنفسه أيضا.
أبو أمجد، وبعد أن أفنى أكثر من نصف عمره في العمل بعيدا عن نفسه وعن أسرته، قرر أن يستريح، لكن كان ذلك بعد فوات الأوان، فأبناؤه الذين كانوا صغارا كبروا وأصبح لكل واحد منهم حياته المستقلة ومسؤوليات كفيلة بأن تبعدهم عنه.. هو أراد أن يعوض ما فاته ويجدد علاقته بمن حوله ويصل من قطعه من أصدقاء وأقارب، إلا أنه بقي وحيدا بالرغم من كل المحاولات ولم يجد من يعيد إليه دفء تلك السنوات الماضية.
أما إكرام محمد التي اختارت وبعد أكثر من عشرين سنة أن تتقاعد تقاعدا مبكرا، راغبة في أن تعيش جزءا من الحياة التي أضاعتها في الوظيفة، تقول إن قرارها بأن تتفرغ لنفسها وتنسحب من المتاعب المهنية وضغوطاتها جاء نتيجة اكتشافها حقيقة مرة، وهي أنها خسرت كثيرا بالرغم من النجاحات الكبيرة التي حققتها خلال عملها في المجال الهندسي.
وتضيف أن غيابها الطويل عن بيتها جعلها تشعر بالغربة في بادئ الأمر، لكنها مع ذلك أبت إلا أن تستسلم لذلك الشعور ووجدت أن عليها أن تستعيد كل المواقف واللحظات والمشاعر التي لم تستطع أن تعيشها كما يجب.
إكرام اكتشفت أن هناك الكثير من الأسرار التي تجهلها عن أبنائها وأخواتها لأنها كانت مشغولة دائما عنهم. تقول إن العمل يأخذ الكثير من وقتنا ويسلبنا أكثر لحظات العمر سعادة، لافتة إلى أن الخوف على المستقبل أنساها الاستمتاع بالحاضر.
وتبين أن الحياة، بما فيها من مفاجآت، تتعمد أحيانا أن تغير كلما خططنا له، وهذا ما حدث معها تماما، فالأمراض داهمتها، وباتت غير قادرة على تعويض ما فاتها.
أميرة هي أيضا تغافلت عن أن العمر قصير يمر بغمضة عين، هي ولأنها أحبت عملها كثيرا، وأرادت أن تنجح فيه تخلت عن حلمها بالأمومة لم تتزوج لاعتقادها أن ذلك سيبعدها عن طموحها، وسيجعلها مجرد مربية للأطفال.
إصرارها على أن تحقق ذاتها مهنيا وتكون على قدر تطلعاتها أنساها أن في الحياة جوانب أخرى من المفترض أن تعيشها كلها بدون أن يطغى جانب على الآخر. هي وبعد أن مضى بها العمر ولم تستشعر لذة الحياة تجد نفسها اليوم وحيدة، ولا سيما بعد وفاة والديها وتقاعدها من عملها.
ويرى الأخصائي النفسي موسى مطارنة أن قلة وعي بعض الأشخاص بأهمية الحياة وتغاضيهم عن الاستمتاع بحاضرهم من أجل المستقبل واللهث وراء المال هي مشكلة حقيقية بحد ذاتها تفقدهم السعادة، والكثير من التفاصيل التي تمنحهم الاتزان النفسي.
ويضيف أن التفكير في اتجاه واحد أهم سبب من شأنه أن يدفع البعض لحرق مراحل الحياة، هؤلاء تحديدا يسمحون للحياة بأن تقودهم بدلا من أن يقودوها فتسيطر عليهم، وربما تقتلهم بحرمانهم من البساطة والمتعة، مبينا أن التوازن في كل شيء هو الحل لتجنيبهم الندم على لحظات لم يعيشوها بإرادتهم. ويشير إلى أن ذلك يساعدهم على تقدير قيمة الأيام التي تمضي بلمح البصر والانتباه لأشياء في الحياة لا تتكرر يجب التوقف عندها، واختبارها حتى لا يخسروا حاضرهم ومستقبلهم، ويصبح من الصعب اللحاق بكل ما يسعدهم ويحقق لهم الاستقرار الداخلي، مشددا على ضرورة توقف هؤلاء الأشخاص عن تأجيل الاستمتاع بالحياة حتى يكبروا أو يتقاعدوا، لأن الإنسان يجهل ما تخبئه الحياة له من مرض وتعب وآلام.