ممدوح محمد الشمسي
تتعدد جوانب العظمة في شخصية النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وكيف لا ؟! وقد أرسله الله – عز وجل – قدوة للبشرية كلها في مناحي الحياة كافة.
ولعل من أبرز جوانب عظمة شخصية النبي الكريم – كونه المربي الأمثل، والذي قدم لنا فنون التربية بصورة رائعة، جمعت بين النظرية والتطبيق في أسلوب رشيق، وخطوات عملية واقعية.
وقد انتشر في الآونة الأخيرة مصطلح يتعلق بالتربية يسمى ( التربية الإيجابية )، وقد لاقى هذا المصطلح رواجًا واسعًا واهتماما كبيرًا من الآباء والأمهات لتعلمه.
وعندما نتأمل المعايير التي تم وضعها من قبل مبتكري هذا اللون من التربية، نجد أن الرسول معلم البشرية -صلى الله عليه وسلم- قد أرسى هذه القواعد منذ أكثر من 1400 عام، ولم

يقف عند حدود إرساء القواعد، بل باشر بنفسه رسم معالم التربية الشاملة.
فمن المعايير الخمسة في التربية الإيجابية: ( الاحترام المتبادل والتشجيع بحزم ولطف في الوقت نفسه )، والمدقق في تربية الأبناء يلحظ أنه من السهل على بعض الآباء أن يكونوا متساهلين مع أبنائهم، ولكنهم قد يواجهون صعوبة في أن يتصرفوا بصرامة وحزم معهم، وهذا الأسلوب في الغالب يؤدي إلى التساهل مع الأبناء، وعلى الجانب الآخر يجد آباء آخرون سهولة في التصرف بحزم وصرامة، وينسون العطف على أبنائهم، وهذا الأسلوب يؤدي إلى التطرف في الشدة والقسوة، وكلا الأسلوبين يضر بالأبناء، إذ لا تساعد الشدة المفرطة ولا التساهل هؤلاء الأبناء على تنمية المهارات الحياتية لديهم واللازمة ليكونوا مبتهجين ومشاركين وقادرين على مواجهة الحياة، إن الأسلوب الأمثل في تنمية أبناء قادرين على الحياة ينبغي أن يكون خليطًا من الشدة واللين، والشدة تعني الاستعانة بالمبادئ والأسس التربوية الملائمة والتي تقوم على الثقة، أما اللين فنقصد به المحافظة على الاحترام المتبادل بين الآباء والأبناء، وذلك أثناء تطبيق تلك المبادئ التربوية من قبل الآباء.
وفي سيرة النبي الكريم أمثلة كثيرة على ذلك المعيار، فقد ( أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة ) رواه مسلم.
فنجد هنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحث على عدم إهمال أي تصرف شاذ بحجة أنه صادر عن طفل غير مدرك لتبعات سلوكه، أو أن المخالفة يسيرة ما دام مرتكبها صغيرًا لا يعقل، كما نرى هنا أن الحنان الأبوي لا يتعارض مع حمل الطفل على التمسك بالحدود والمبادئ المقررة، فالتنشئة السليمة تستلزم قدرًا من الحزم الذي يصون أفعال الصغير عن العبث، غير أن هناك فرقًا واضحًا بين تنشئة الطفل على الطاعة وبين تعويده الاحتكام إلى منهاج شخصي للأخلاق يستمد منه قراراته ومواقفه، ويستضيء به في تفاعله مع محيطه الاجتماعي، فإذا تأملنا كيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينتزع التمرة من فم حفيده فحسب، بل أحاله على الدستور الأخلاقي الذي يحكم (آل محمد)، ومن المؤكد هنا أن الطفل سيُظهر استجابة واعية لما يتطلبه شرف الانتساب من عدم إخلال بالتوجيهات الأخلاقية.

JoomShaper