إسراء الردايدة
عمان- هل تشعر بالعزلة أحيانا وأنت منغمس في قراءة ومتابعة منصات التواصل الاجتماعي؟ وهل تميل للجلوس وحيدا وبيدك "الجهاز اللوحي"، أو في أحد المقاهي، وكذلك الحال في العمل، ولكن بالرغم من هذا تشعر بالتوتر والقلق حيال ما يتم تداوله عبر تلك التطبيقات؟
إذا أجبت عن ذلك بـ"نعم"، فأنت لست الوحيد الذي ينتابه هذا الشعور، وليس من السهل تهدئة الضجيج الداخلي المرتبط بتدفق المعلومات والأفكار التي نراها عبر تلك المنصات، فالاعتماد عليها والتعلق بها يجلبان الشعور بالتوتر والقلق والوحدة، ويثيران الاكتئاب أيضا؛ حيث تطغى الأفكار على مستخدميها، ويكافحون من أجل الخروج من تلك الحالة، وهذا هو فحوى دراسة جديدة نشرت مؤخرا.
ففي الدراسة التجريبية الأولى التي شملت "فيسبوك" و"سناب شات" و"انستغرام" واستخداماتها التي أجريت في جامعة بنسلفانيا، بقيادة مؤلفتها الاختصاصية النفسية د. ميليسا جي هانت، بينت وجود علاقة سببية بين الوقت الذي نمضيه على تلك المنصات وبين انخفاض الشعور بالترفيه والراحة؛ حيث تم تحديث الصلة بين الاثنين على مدى سنوات ولم يوجد أي علاقة سببية مثبتة.
وتقوم هذه الدراسة على بيانات تجريبية من "فيسبوك" و"سناب شات" و"انستغرام"، ونشرت في مجلة علم النفس الاجتماعي والسريري الشهر الماضي؛ حيث حاولت دراسات سابقة إبراز ضرر تلك المنصات، والتي وضعت المشاركين بها في حالات غير واقعية محدودة النطاق، فقد طلب منهم الابتعاد عن "فيسبوك" معتمدين على بيانات تقريرية ذاتية أو العمل في المختبر في وقت لا يتجاوز الساعة.
وقامت هانت المدير المعاون للتدريب السريري في قسم علم النفس في جامعة بنسلفانيا بوضع دراسة أكثر شمولية وصرامة وواقعية بما يشمل الجانب البيئي والمحيط، ولتحقيق هذا قام الفريق بتصميم دراستهم لتشمل المنصات الثلاث، وجمعت البيانات التي يتم تتبعها تلقائيا من قبل الايفون لهذه التطبيقات النشطة، وليس تلك التي لا تعمل في الخلفية.
فالعالم الرقمي اليوم يستهلك الكثير من وقتنا وينعكس هذا على الصحة العقلية والبدنية، ويفرض واقعا افتراضيا غير حقيقي ويؤدي لمقارنات غير سوية، ويستبدل الاستمتاع بالعالم الخارجي وعيش اللحظة بصور تلتقط وتسرق كل هذا؛ حيث أفاد موقع "بيزنس إينسايدر" عن أبحاث طبية حديثة أن التنبيهات المستمرة التي تصدر عن الهواتف الذكية تؤثر بشكل مباشر على بعض الهرمونات في الجسم، مما يؤدي إلى تسارع ضربات القلب وعدم انتظام التنفس بشكل طبيعي، إضافة إلى إحداث خلل في وظائف الغدد الصماء وإرهاق العضلات.
ويشير الموقع إلى أن مستخدمي الهواتف الذكية يتفاعلون معها بمتوسط 85 مرة في اليوم. ويتأثر دماغ الإنسان لحظة تلقي الشخص تنبيها مثل "إعجاب" على "فيسبوك"، ما يؤدي إلى إفراز هرمون "الدوبامين"، الذي يرفع مستوى الاستثارة في المخ، ويؤثر على المنطقة المسؤولة عن التفكير وإصدار الأحكام؛ إذ نقوم بالتحقق من هواتفنا على أمل الحصول على ردات إيجابية مرارا وتكرار.
ونعتمد على تلك المنصات بحثا عن ردات إيجابية، ويعتبرها البعض مصدرا للراحة، إلا أن النتيجة عكسية، فهي تسبب القلق والاكتئاب والتوتر.
وقام الباحثون بتجنيد 143 طالبا، وطلب منهم استكمال التجارب المصممة حول تلك المنصات الثلاث، وهي المواقع الاجتماعية الأكثر شعبية بين الطلبة في المرحلة الجامعية، وطلب من كل واحد منهم بعد أن تم رصده لمدة أسبوع ومنحه تقييما لمستواه المعتاد في استخدام "فيسبوك" و"انستغرام" و"سناب شات".
ومن ثم تم تقسيمهم بشكل عشوائي لمجموعتين؛ المجموعة الأولى طلب منها أن تحافظ على روتينها ومستواها الطبيعي في معدل الاستخدام اليومي لتلك المنصات، والمجموعة الثانية طلب منها أن تحد من الوقت الذي تمضيه بواقع عشر دقائق يوميا فقط لكل منصة.
وجاءت النتائج أن الذين قاموا بتقليل الوقت الذي يمضونه في تصفح تلك المنصات ظهر لديهم انخفاض كبير بالوحدة والاكتئاب على مدى الأسابيع الثلاثة، مقارنة بالمجموعة التي لم تغير من روتينها، وأظهرت كلتا المجموعتين انخفاضا كبيرا في مستويات القلق والخوف، وربطه الباحثون بزيادة مستوى الرقابة الذاتية للمشاركين.
وتؤكد هانت أن النتائج لفتت لأهمية تحجيم الوقت الذي نمضيه في تصفح الشاشات، والنتائج جاءت من الابتعاد عما هو غير واقعي، فالحد من استخدام هذه المنصات يجعلك تشعر بوحدة أقل، ولكن عندما تغوص أكثر فإن المحتوى نفسه المرتبط بالمقارنات الاجتماعية التي تحدث يثير التوتر، خاصة عبر تطبيق "انستغرام"، ومن السهل الاستنتاج أن حياة الآخرين أفضل من حياتك.
ولكن حتى اليوم لم تحدد أي دراسة ما هو الوقت الأمثل لتلك المنصات، أو أفضل طريقة لاستخدامها، ولكن بشكل عام، فإن الحد من النظر للهاتف بالشكل المعتاد ينعكس إيجابا على السلوك والصحة العامة والراحة النفسية، ويجعلك منفتحا وأكثر تفاعلا مع الحياة.
فاستخدام الهاتف يجنبنا الانخراط في الحياة الحقيقية، وكلما انجذبنا إليها تولدت مشاعر سلبية، خاصة مسائل المقارنة الاجتماعية، وما تفرضه تلك المنصات من ضغط؛ حيث يشعر مستخدموها بضرورة تلبية توقعات ما ينشر، خاصة أولئك الذي يملكون حياة ناجحة مثلا، ويدخل البعض في سباق مستمر ما ينعكس على وضعهم، لأن الأوضاع والقدرات تختلف، لذا يعيشون مرحلة من الأهداف المستحيلة، والأصل هو التفكير بما هو مهم ومناسب لنا.
ما الذي يمكن عمله؟
لتحقيق التوازن بين العالم الخارجي والداخلي للذي يعاني من عزلة، فإن أولى الخطوات هي الإقرار بوجود مشكلة، والرغبة بتغيير الوضع، ومعرفة الغاية من استخدام كل تطبيق عبر منصات التواصل الاجتماعي.
فتحديد الوقت الذي تقضيه على هاتفك؛ حيث تتوفر عبر الهواتف الذكية اليوم خاصية تحديد ومراقبة الوقت الذي تمضيه في تصفح كل تطبيق بتقرير أسبوعي، هو ما يحدد فعليا كيف يمكن أن تتحكم بوقتك، بحيث تدير حياتك بشكل أفضل وتمنح الأولوية لما تحتاجه أساسا وما تستخدمه بشكل عادي، بحيث ترسم حدا للوقت وتتمسك به.
وتمضية وقت أقل في عالم افتراضي تتيح المساحة لمزيد من الوقت في الحياة الحقيقية، والتفكير بأمور لم تنجزها من قبل وتلفت النظر لفعل ما لم تقم به من فترة، وربما تعيد شحنك للبدء بمشاريع جديدة كنت قد نسيتها، وإعادة اكتشاف نفسك وتطوير صداقات حقيقية، مع محاولة استخدام الهاتف لغاية، بدلا من تصفحه بدون هدف. إذ إن من أبرز النتائج العميقة في تقييد استخدام الهاتف الشعور بالراحة والتفكير بالاحتياجات والأولويات الحياتية، والتفكير بطرق تلبيتها، ما يفتح الباب لعادات صحية مثل ممارسة الرياضة والقراءة وغيرهما. واستعادة السيطرة على الحياة اليومية وسط تركيز أكبر ونوم أفضل، وبناء علاقات أقوى عبر تواصل حقيقي لا يعوقه التحديق في الهاتف، ومزيد من الوقت للتمتع بما هو أهم.