ربى الرياحي

عمان- يشعر أحيانا أنه يعيش في مكان افتراضي لا وجود له إلا في لحظة تفكيره تلك، يسيطر عليه إحساس من نوع آخر يرغمه على التواطؤ مع متاهات الهروب التي يشكلها هو بنفسه، ليستطيع على الأرجح الخلاص من واقع مؤلم ينتصر فيه الكره على الحب والانتقام على التسامح.
هناك بالذات يقرر أن يمتلك حلما يختص به، يصر على أن ينتقل إلى حياة أكثر بساطة ونقاء، وربما أيضا أكثر احتراما لإنسانيته.
داخل تلك الأمكنة يحاول أن يبحث عن الوضوح الذي افتقده، يسعى لأن ينتقي أرواحا قادرة على إسعاده، تتشابه معه حد الامتزاج، لا تكترث أبدا بذلك القلق الذي غالبا ما يتفاعل مع فكرة الهروب وعدم الانحياز للحقيقة ليستطيع على الأقل الاحتفاظ بخياراته اللامحدودة ومنحه الحرية الكاملة ليتمكن من كسر لحظة الجمود التي تطارده والتي تلزمه أيضا بأن يبقى سجينا لخيبات فرضها عليه الواقع بدون أن يملك حتى حق الاعتراض.

رغبته في الانعتاق من أعباء الواقع ورمادية المشهد تدفعه إلى التنقل بين تلك الزوايا التي تسمح له بأن يبقى حرا داخل إطار حياة يشيع فيها الفرح، وأحاسيس أخرى بمقدورها أن تبرر تغيبه وربما أيضا انسحابه من كل الارتباطات اليومية.
بحثه باستمرار عن أمكنة تستوعب تمرده واحتياجه الدائم لأن يكون على قدر تطلعاته يستحق أن يحلق بها عاليا متجاوزا بها ألم الواقع وإحباطاته المتكررة يخلق لديه شيئا من الانسجام مع تلك المعالم التي يوجدها، ويؤمن بعبثية يبتكر هو مفرداتها الخاصة، ويضفي عليها غموضا يبعدها عن حقائق كفيلة بأن تبعثر أوراقه وتطالبه بفتح ملفات الأجدر بها أن تبقى رهن مخاوف يأبى الاعتراف بها أو بالأحرى يحاول بذل كل ما في وسعه ليتخطى سلبيتها، وذلك التسلط الذي تمارسه ضده وضد قراره الذي يستدعيه لأن يخرج من مقاييس محدودة توقف عندها، وكأنه يحتفل بثبات تفاصيلها رغم قدرته على الخلاص منها.
هناك يختار أن يكتفي بمفهومه الشخصي لحل كل المسائل المستعصية عليه، تلك التي يحاول فيها أن يتجاوز استثنائيا مرارة الفشل ووجع الحقيقة التي تخضعه حتما لسلسلة من علامات التعجب.
فقط في تلك المتاهات يشعر بأنه قادر على الوقوف بهدوء حتى وإن كانت المسافة بعيدة بعض الشيء، ربما ليتمكن من الإمساك ثانيةً بخيوط الأمل والولاء لكل اللحظات التي أسعدته ولو مؤقتا. أحاسيس قوية تغمره وتباغته وتنتظر منه أن يلقي بهمومه جانبا ليشرع في رسم ملامح جديدة تختلف كليا عن ملامح الواقع المشوهة الخالية من الصدق والعفوية والانتماء لأبسط المبادئ التي ترسي قواعد إنسانيته.
قوته الذاتية وإنكاره التام لحياة يغتالها الألم ويجتاح كل تفاصيلها القهر والحرمان، تمنعه غالبا من التخلي عن إمكاناته، تحفزه على التعامل مع الأبواب المغلقة واعتبار ذلك نقطة ارتكاز داخله لا يساورها الشك أو حتى البحث عن مغادرة تلك المرافئ الآمنة.

JoomShaper