أمينة منصور الحطاب
نشكو من الحياة،نتذمر من مجرياتها ،نعيش دور الضحية لأحداث صنعتها أفكارنا وترجمتها أفعالنا متناسين أن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ،والإنسان هو من يصنع حاضره ومستقبله بالطريقة التي ينظر بها نحو الأحداث فمن تفاءل بالخير وجده ،لذا كان لابد من الإيجابية في النظرة إلى مجريات الحياة والاستمتاع جزء من هذه الايجابية ،فإذا لم نقم بما نستمتع به فلنستمتع بما نقوم به ،والاستمتاع حالة تتضمن كون الفرد في حالة جيدة من الصحة الجسمية والنفسية والوجدانية ُيعبر عنها بمشاعر من البهجة والاستمتاع بمختلف الأنشطة الحياتية.هذا ولقد ذكر «ريدي» أن الاستمتاع بالحياة ما هو إلا سلسلة من العمليات الاجتماعية التي تتضمن تنمية الوعي بالواقع المعاش ومحاولة تجاوز مرحلة الندم على ما فات وتقبل الوضع الراهن القائم كما هو،والتعامل معه بواقعية وفاعلية.
الاستمتاع وفهم الحياة
إن الاستمتاع بالحياة شعور فردي نابع من الذات وناتج عن قيم الفرد وتوجهاته ،وأفكاره الراقية التي يتحلى بها بصورة تجعله قادرا على صناعة الاستمتاع بالحياة ،وبهذا لا يكون الاستمتاع بهذه الحياة مجرد انعكاس لمشاعر وقتية يحياها أو يعيشها الفرد،أو نتيجة لتحقيق أهداف مبتغاة وإيجاد معنى للحياة ،وإنما هو بمثابة شعور ناتج ونابع عن فهم عميق للحياة،ليصبح الاستمتاع بالحياة أطول عمراً وأدوم وأسمى وأرقى قيمة يرنو إليها الفرد،كما أن الاستمتاع بالحياة هو نتاج ردود أفعال الفرد التقييمية تجاه حياته سواء أكان ذلك في ضوء الرضا عن الحياة أو من خلال التقييم المعرفي أو الوجداني لها.
محددات الاستمتاع بالحياة
1) الفرص المتاحة للفرد ؛تلك الفرص التي تمثل القدرة على إشباع الحاجات المختلفة والاستمتاع بالظروف المحيطة.
2) جودة المجتمع ؛ما يقدمه المجتمع من خدمات وتسهيلات للفرد تيسر له حياته وتجعلها أكثر سلاسة ويسرا.
3) الوظيفة الاجتماعية للفرد داخل المجتمع ؛وهو ما يعرف بالمكانة الاجتماعية التي يحتلها الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه ،والتي تعكس درجة إحساس الفرد بالتحسن المستمر لجوانب شخصيته في جميع النواحي النفسية والمعرفية والابداعية والثقافية،وكذلك حل المشكلات وتعلمه أساليب التوافق والتكيف،وتبنى منظور التحسن المستمر للأداء كأسلوب حياة ،وتلبية الفرد لاحتياجاته ورغباته بالقدر المتوازن بما ينمي مهاراته النفسية والاجتماعية.
4) المقومات الشخصية للفرد (التأثير) ؛حيث يعد التأثير بعداً أساسياً من أبعاد الشخصية الناضجة والناجحة،تلك الشخصية التي توصف «بالكارزمية» والتي يعتقد معظم الناس بأنها «هبة سماوية» كما يعكسها المعنى الحرفي للكلمة ولكن «ريجيو»يرى أن الكاريزما ليست صفة فطرية أو مورثة،وإنما هي نتاج تفاعل عدة مهارات اجتماعية إذا اجتمعت معاً وبشكل متوازن ينشأ عنها التأثير،ذلك البريق أو اللمعان الذي نراه لدى بعض الأشخاص دون غيرهم،وهذه المهارات بطبيعة الحال تتطور وتنمو بمرور الوقت بما يسمح لأي شخص أن يزيد من معامل الكاريزما لديه.
5) الأحداث القدرية التي تمر في حياة الفرد سواء كانت مبهجة أو محزنة ؛وهي تلك الأحداث التي تمتحن قدرته على التحمل والصبرعلى الشدائد وكلها أمور ترتبط بقوة الفرد الإيمانية.
6) التقييم الذاتي للفرد وصفاء السريرة ؛ويسميه البعض بالسلام الداخلي للفرد.
دعونا نستمتع فقط
تنسب هذه النظرية إلى «زيمرمان» والذي يرى أنه كلما تنامت رغباتنا وتزايدت تطلعاتنا مقارنة بالأجيال السابقة كلما زاد عدم استمتاعنا وعدم رضانا بمعطيات العالم لنا،أي أن هناك علاقة ارتباطية بين تطور الأجيال وعدم الرضا ،أو عدم الاستمتاع بالحياة لمجابهة المتطلبات العصرية المتجددة والمتغيرة جيلاً بعد جيل؛ ولهذا تقوم هذه النظرية على مبدأين أساسيين هما:
المبدأ الأول: والذي يدعونا إلى أن نستمتع بحياتنا فقط،وهذا المبدأ يؤكد على حتمية الاستمتاع بالحياة؛ حيث إنه لا يوجد اختيار آخر،ويرى أنه يجب على الفرد أن يدرك أن كل رغبة تظهر لديه إنما هي محصلة هذا العزم الأكيد والرغبة الأكيدة للاستمتاع بالحياة؛ولهذا فإن على الفرد أن يردد وفق هذا المبدأ الأول من النظرية تلك المقولة التي ترى أن الفرد يمكنه أن يحقق الاستمتاع الأمثل بإنجاز ما هو مطلوب منه وليس بترك ذلك ،أو العزوف عنه.
المبدأ الثاني: والذي ارتكزت عليه هذه النظرية هو «دعونا نمتع أنفسنا»،فعلى الفرد أن يدرك أن الجميع يتجه في نفس الاتجاه؛لذا فعلى كل فرد أن يضع أهدافه نصب عينه وخاصة الأهداف التي تحقق له الاستمتاع،وأن ينطلق صوبها لا أن يقف وينتظر أن يتحقق له هذا الهدف الاستمتاعي دون سعي من جانبه،وعلى كل فرد أن يدرك أن شكل الاستمتاع يختلف من شخص لآخر،ولكن لا يعنينا الاختلاف في شكل الاستمتاع قدر هروب هذا الاستمتاع منا أو غيابه عنا.
تؤكد نظرية «دعونا نستمتع فقط» على أن الإنسان بطبيعته يسعى إلى الاستمتاع بالحياة،وهذا الاستمتاع شيء غير دائم فلابد للمتعة من زوال،فاللحظات السعيدة لا تدوم كثيراً أو طويلاً.ويرى البعض أيضاً وفقاً لهذه النظرية أن الاستمتاع يكمن في القيام بالأعمال الخيرة الحسنة في الدنيا مثل التصدق على الفقراء وإطعامهم،وأن كل هذه الأعمال الخيرة تكمن داخل الطبيعة البشرية،وممارستها تجلب للفرد شكلاً من أشكال السعادة الذاتية التي تجعله أكثر إسعاداً واستمتاعاً بالحياة.
نموذج الاستمتاع بالحياة
في كتاب له عن «فن الاستمتاع» وضع توفيق التميمي (2009) نموذجاً للاستمتاع على شكل مثلث متساوي الأضلاع تتفاعل أضلاعه معاً وتتكامل من أجل إسعاد الفرد،وكل ضلع من أضلاع هذا المثلث يعكس قوة من ثلاث جاءت كالآتي:
1) القوة الجسدية:وهي تلك القوة التي تدفع المرء إلى حب البقاء،والتملك والحرية،والنوم والأكل والسيطرةوغيرها،وقد تطغي هذه القوة على باقي القوى الأخرى فتظهر بأشكال مختلفة كـ (الأنانية، والكبر) وقد تضمر لِتُظهر (الانطوائية والغموض).
2) القوة العقلية:وهي تلك القوة التي تدفع بالمرء إلى حب التعلم والاستطلاع،والاكتشاف والتأمل،والتحليل والحساب،والقياس،وتظهر أثارها على الشخص في شكل من الحكمة والثقافة وأسلوب الإقناع وتبسيط الأمور.
3) القوة الروحية:وهي تلك القوة التي تدفع المرء للحب وتلمس العواطف والشعور بالرضا والقناعة والسمو،وحب القيم،والعطاء ،والبذل،والتضحية وتظهر آثارها على الفرد بالطمأنينة وقوة الشخصية، والراحة والقدرة على التأثير.
خصائص الأشخاص المستمتعين بحياتهم
يتميز الأفراد المستمتعون بالحياةبحبهم للحياة وتقديرهم لهاواستمتاعهم بها،كما يتميزون بالرضا عن كل جوانب حياتهم (ماضيهم، حاضرهم ومستقبلهم) ،وتتملكهم مشاعر إيجابية تجاه ذواتهم والآخرين من حولهم،يحرصون كل الحرص على رفاهيتهم الذاتية،وهنائهم الشخصي،يتجاوزن مرحلة الندم على ما فاتهم،ويتعاملون بواقعية وفاعلية مع مشكلات الوضع الراهن،ويتبنون أهدافاً حياتية مستقاة من تلك الحياة التي يعيشونها ويستمتعون بها،متسامحون،ويتقبلون الآخرين بكل ما لديهم من عيوب أو نقائص،ولا يسيئون الظن بهم،ميالون إلى مساعدتهم ومحبتهم،ويشعرون بالرضا وطمأنينة النفس،والبهجة والسعادة ،وتفكير عاطفي عالٍ يسهم في حسن تكيفهم مع الآخرين والإحساس بمشاعرهم والتعاطف بإيجابية مع مشكلاتهم.كما أنهم يتقنون التعبير عن مشاعرهم تجاه شركائهم في الحياة أو أصدقائهمأورؤسائهم في العمل،متفائلون بطبعهم،ويحتفظون بحياة انفعالية مستقرة،كما يتمتعون بكفاءة ذاتية عالية،ومهارات اجتماعية فائقة،ويتصفون بصفاء السريرة ونقائهاأوما يسميه البعض بالسلام الداخلي،كما أنهم يتمتعون بصحة البدن والعقل والشعور بالرضا الشامل في مجالات حياتهم المختلفة،ويتميزون بقدرتهم على تحمل ضغوط الحياة وأعبائها بصورة كبيرة،لذلك كانت فرص تحقيق السعادة لديهم أعلى،وقابليتهم للاستمتاع بالحياة أكثر وأدوم.