ربى الرياحي
عمان- يصعب علينا في كثير من الأحيان إرضاء من لا يملك أي مساحة للاقتناع أو حتى التفكير في حقيقة ما قد نطرحه، نفقد تماما القدرة على تحديد ردة فعله.
وقد نفقد معرفة ما إذا كان ذلك يندرج تحت ثقافة التجاهل أو أنها تنحاز أكثر للعدائية التي من شأنها أن تحرمنا من الدخول مع الآخر في نقاش جدي وعقلاني مكتمل الأطراف، بعيد كل البعد عن الحرب الكلامية والمشادات غير المجدية، المؤدية في الغالب إلى طريق مسدود أغلقت كل منافذه.
ولم يعد هناك نقطة التقاء واحدة تجمعنا بأولئك الذين اختاروا ألا يستمعوا لما يقال، بل لجأوا للهجوم والصراخ والانزلاق في هاوية عدم الفهم، وربما أيضا تماهوا تدريجيا مع تلك الحقائق المزورة التي
سعوا إلى إثباتها رغم وضوح ما يجري.
كل شيء حولنا يطالبنا بأن نستوعب كل ردود الفعل حتى تلك التي عجزنا عن أن نفسرها أن نجد لها مسوغا واحدا يوضح حقيقة استسلام البعض لثقافة التجاهل التي تلزمهم بالصمت.
وعدم الاكتراث بكل ما يحدث مع أن الموقف أحيانا يحتاج منهم إلى ثرثرة إلى نقاش إلى مواربة الأبواب قليلا ربما ليتمكنوا من التعاطي مع مفردات الرفض والامتناع بشيء من الجدية، ومحاولة تحليل تلك الأحداث المتتالية ودراسة كل الظروف المحيطة بها، فقط من باب النكاية وأيضا التركيز على مناطق الوجع عند من يسعى إلى إقناعهم.
ومن ثم ملامستها لزيادة الوجع له ولكن بدون الدخول في التفاصيل، مثل هؤلاء يعتقدون أنهم بهذه الطريقة استطاعوا إيذاء الآخر وأصبح بمقدورهم تملك حق الرد أو الصمت وهو حق مشروع للجميع، الأمر الذي يجعلهم يعممون ثقافة التجاهل والإهمال تجاه كل المواقف الحاضرة باستمرار.
لذا نحن بحاجة إلى أن نفكر مليا بما يحدث معنا، أن نتوقف قليلا في المنتصف لنعيد ربما تحديد الاتجاه الذي نريده، والذي سيمنحنا في المقابل فرصة استحداث حياة جديدة برؤيتها الواضحة، تلك التي من الممكن جدا أن تغيرنا وتخرجنا من دائرة الصراعات الطاحنة الرافضة حتما للتوصل لنقطة تفاهم بين أطراف نعجز تماما عن إقناعهم كون ردود أفعالهم إزاء ما يجري متباينة بين التجاهل والعدائية غير المفهومة.
كل ذلك يجعلنا نقرر البحث عن أشخاص آخرين لديهم القدرة على إعطاء المقنع مساحة كافية لشرح وجهة نظره، وأدوات إضافية لتوصيل فكرته التي قد تكون مهمة بالنسبة لكثيرين تاهت بهم السبل. وفقدوا الأمل في أن يسترجعوا ذواتهم التي أصبحت أسيرة لتلك اللحظة العشوائية الخاضعة لكل المتغيرات المفاجئة التي أثرت عليهم سلبا، وحرمتهم من أن يختبروا كل المراحل ليستطيعوا الوصول للحقيقة المقنعة حسب اعتقادهم بوجوهها المتعددة وزواياها الغامضة أحيانا.
مثل هؤلاء يقتنعون تدريجيا بما يقال لهم ويرونه صحيحا، ولكن بعيدا عن فكرة إرضاء الآخر ومراعاة مشاعره، يناضلون من أجل أن يبقوا على اضطلاع بكل شيء، لعلهم ينجحون في فهم ما يريده الآخر منهم، وتوضيح أبرز نقاط الاختلاف بينهم التي من شأنها أن تقلب النقاش إلى ساحة حرب في حال لم يستطيعوا ضبط الأمور، وانجرفوا إلى حافة الهاوية هناك حيث تتداخل جميع وجهات النظر ويصبح من الصعب الإقناع، حينها فقط سيدافعون عن تأويلاتهم وسيتأملون بهدوء تلك اللحظات الانفعالية ولن يكون ما يطلبونه أكثر من الرغبة في الخروج مما يجري.