د. أكمل عبد الحكيم
من المعروف والثابت طبياً، قوة ارتباط التوتر النفسي، وخصوصاً النوع المزمن منه، بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والشرايين، مثل السكتة الدماغية والذبحة الصدرية، إلا أن ميكانيزمات وجوانب هذه العلاقة لم تكن مفهومة أو واضحة بالشكل الكامل. هذا الوضع تغير منتصف الأسبوع الماضي، مع نشر دراسة علمية في إحدى الدوريات الطبية المرموقة، أجراها علماء جامعة هارفارد بالولايات المتحدة، وأظهرت أن العلاقة بين التوتر وصحة القلب والشرايين، تمر بجزء معين من المخ. فكلما زاد توتر الشخص، زاد نشاط هذا الجزء، والذي يؤدي نشاطه بالتبعية إلى زيادة إنتاج كريات الدم البيضاء، التي تتسبب في التهاب جدران الشرايين. ورغم أن هذا الاكتشاف- إن ثبت بالمزيد من الدراسات- يشكل أهمية فائقة للأطباء، حيث سيفتح الباب لتطوير عقاقير جديدة، تمكن من كسر هذا التسلسل الفسيولوجي الضار، فإن الغالبية
منا قد يهتم بشكل أكبر بالسبل والوسائل التي تمكنه من خفض التوتر، أو على الأقل إدارة التوتر (Stress Management)، لتخفيف عبئه النفسي، وتجنب مضاعفاته الصحية من الأساس.
وربما كانت أولى خطوات إدارة التوتر، هو إدراك علاماته وأعراضه، وتحديد أسبابه، ومعرفة تبعاته. حيث يعتبر الأرق وصعوبة الخلود إلى النوم من أول وأهم علامات التوتر، بالإضافة إلى الإحساس الدائم بالإرهاق والتعب، وفقدان الشهية، أو الإفراط في تناول الطعام بنهم، والإحساس بالحزن، والرغبة في البكاء، أو التهيج، والعصبية، وسرعة الغضب. وأحياناً ما تتجسد أعراض التوتر في شكل أعراض بدنية، مثل الصداع والشعور بآلام عامة في مناطق مختلفة من الجسد.
وبما أن الأرق من الأعراض المهمة للتوتر، فيبدو أن جزءاً كبيراً من أفراد الجنس البشري في العصر الحالي، يعانون حالياً وباء عالمياً من التوتر المزمن، يتجسد في وباء عالمي مماثل من الأرق، ويتضح هذا من تقديرات تشير إلى أن واحداً من كل عشرة من أفراد الجنس البشري، يعاني الأرق بشكل دائم. فعلى سبيل المثال، تشير إحصاءات دائرة الصحة الحكومية في الولايات المتحدة إلى أن 60 مليون أميركي يعانون الأرق، ولا يختلف الوضع كثيراً في بريطانيا التي يشكو فيها واحد من كل ثلاثة الأرق في وقت ما من حياته.
ويتزايد الإدراك يوماً بعد يوم بفداحة تبعات التوتر المزمن، الجسدية والنفسية، والتي تزداد وطأتها على من تقدم بهم العمر، وبين المصابين بأمراض مزمنة. حيث يؤدي التوتر المزمن مثلاً إلى ارتفاع ضغط الدم، كما أنه يزيد من خطر الإصابة بالذبحة الصدرية أو بالسكتة الدماغية، ومن احتمالات الإصابة بالقلق المزمن وبالاكتئاب، ويساهم في انخفاض الخصوبة، ويُسرّع من شيخوخة الجلد، وشيخوخة الجسم برمته، وغيرها من التبعات السلبية.
ولذا لا بد عند الإحساس بالتعرض لتوتر مزمن، من استثمار بعض الوقت في تحديد أسبابه، وربما كتابة قائمة قصيرة، ترتب فيها هذه الأسباب حسب أهميتها، وهو ما سيساعد لاحقاً على مواجهة كل من هذه الأسباب على حدة، والخروج بحلول تخفف من قدر الضغوطات التي تنتج عنها. ومن الأهمية الفائقة أيضاً في إدارة التوتر، وضع نظام متكامل لإدارة الوقت (Time Management)، حيث يعتبر ضيق الوقت، وازدحام الجدول اليومي بالمهام الحياتية، والواجبات العائلية، من أهم الأسباب التي تسبب التوتر، حتى لو كانت هذه المهام والواجبات ليست على قدر كبير من الأهمية، ولكن كثرتها وضيق الوقت للقيام بها، قد يكون هو في حد ذاته سبباً لتوتر مستمر. وبما أن الاسترخاء هو الترياق المضاد للتوتر، فيجب على الشخص أن يتعلم مهارة الاسترخاء، من خلال تحديد الظروف والنشاطات التي تساعده على الاسترخاء. مثل التحدث مع أفراد الأسرة والأصدقاء، أو مشاهدة برنامج أو فيلم كوميدي، أو التنزه على شاطئ البحر أو في الحدائق العامة، أو ممارسة الرياضة، أو الاستماع لنوع الموسيقا المحببة. مثل هذه التدابير والإجراءات تتصف بصفة شخصية، أي أنها مرتبطة بالشخص وميوله، وبالتالي عليه تحديد ما الذي يساعده على الاسترخاء، وتخصيص بعض من الوقت خلال اليوم لممارسة تلك النشاطات بشكل منتظم ودوري.
وبوجه عام، يعتبر التوتر حالة شخصية فردية، بمعنى أن أسبابه ومظاهره تختلف من شخص إلى آخر، مما يحتم إدارته أيضاً بشكل شخصي، للوصول إلى حالة من الهدوء والسكينة والاسترخاء، وتجنب التبعات النفسية والصحية السلبية للحياة في ظل سحابة من التوتر المزمن.