من نعم الله على الإنسان في هذه الحياة، أن سخر كل شيء لخدمته من باب الكرامة الإنسانية التي أشار إليها القرآن: "ولقد كرمنا بني آدم"، ومن التكريم التسخير الإلهي لمنجزات العصر التي جاءت لرفاهيته، لتكون عونا له في عبودية الخالق سبحانه، ومما استجد في عالم اليوم ومع الثورة الصناعية، ذلك التطور الهائل في أجهزة التواصل الاجتماعي، وما ينشر في الشبكة العنكبوتية من تدفق معلوماتي سريع، حتى أصبح الناس يتناقلون عبارة اسأل الشيخ "قوقل"، للحصول على المعلومة دون عناء وتكلف كما كان يعانيه الباحثون والعلماء قديما.
أما اليوم، فإنك ترى الكون كله في كف محمول استفادت منه كل شرائح المجتمع دون تمييز، وهنا أتساءل: هل نحن تعاملنا مع هذه التقنية إيجابا أم عكسه سلبا مما أرهق الناس وأساء إلى العلاقات الإنسانية في بعض الأحيان، خصوصا بين الأقارب قبل الأباعد؟، وعندما تبحث لترى الإجابة المنصفة، نجد أنه لا أحد يعطيك الإجابة الصحيحة، إذ يقول
أمامك إن الإنترنت وسيلة خير أو شر، ثم هو يستغل هذه التقنية بنشر شائعة لا أصل لها، فكيف إذا كانت مكذوبة، وقد حذرت الشريعة الإسلامية من الإيقاع بين الناس بهذه الطريقة المأفوفة، بقول الحق تبارك وتعالى: "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه"، وعندما نتبحر في عالم التقنية لمعرفة الإيجاب فيها من عدمه، نجدها كأي وسيلة أخرى، فهي رافدة للخير وداعمة له، إذا استغلت في هذا الاتجاه، وهي معول هدم للعلاقات، إن كانت معينا للشائعات والأكاذيب بين مستخدمي هذه الوسيلة، ولهذا تقع مسؤولية التوجيه على عدة مستويات وجهات، تأتي في مقدمتها غرس مبادئ القيم لدى الناشئة في الأسرة كأول مؤسسة تربوية يعيش فيها الطفل قبل الاتجاه إلى المرافق التربوية كالتعليم عبر مراحله المتعددة، والمنابر الإعلامية، ودور الخطباء والمهتمين بالشأن التوعوي من مراكز البحوث، وكل من له اهتمام بهذا الشأن، إذ كلكم راع ومسؤول عن رعيته.
نحن اليوم أمام منعطف خطير فيما تبثه التقنية ومستخدموها الاستخدام غير المنضبط، وسأتطرق إلى بعض جوانب هذا الخرق الذي استغله ضعاف النفوس، ألا وهو على سبيل المثال التحرش الجنسي بالأطفال عبر المواقع الإلكترونية والـ"سناب"، ووقوع الضحايا من فلذات الأكباد فريسة استغلها الشواذ ومن لا يرعون في الناس وأبنائهم أمانة أو مسؤولية، وكيف تحولت هذه الوسائل، وبكل أسف، إلى شبكة إيذاء بدلا من أن تستغل في الخير وإصلاح المجتمع.
لقد كان لي حديث مع بعض المتخصصين في مناقشة كيف نقي أبناءنا من هذه النوعية من مستخدمي التقنية أو الشبكة العنكبوتية الاستغلال السيئ، فكانت الإجابة محددة وواضحة من لدن الدكتور عبدالعزيز القضيبي مثلا، الذي أفرد بحثا حول الدور الأبوي أو التحكم الأبوي في الأطفال تجاه استخدام وسائل التواصل من قِبل شرائح الأطفال على سبيل المثال، فقال إن 45 % من هؤلاء الأطفال يقعون ضحية الابتزاز والتحرش، إذا غابت الرقابة الأبوية عنهم، وعلى الآباء الجلوس مع أبنائهم لمعرفة من هم أصدقاؤهم في هذه المرحلة، ويتحدثون معهم حتى لا يتسع الخرق وتكبر الهوة، وهذا ما ننادي به ليلا ونهارا، فالأطفال في المراحل المبكرة يندفعون إلى هذه الأجهزة، والآباء بطبيعتهم العاطفية يسهمون أحيانا في الوقوع في شراك المنتديات وشبكات التواصل، وكذا الحال في اصطياد أبنائنا عبر الفكر الضال، إذا لم ينتبه المربون لخطورة ما يحاك ويدبر في غرف الإنترنت من الأعداء الذين يتربصون بهذه الفئة وببلادنا، على مستوى شرائح مستخدمي شبكات التواصل المتنوعة، مما نسمعه ونشاهده ليلا ونهارا، وما ينتظره الناس سيكون قريبا عندما تتحدث لغة التلفزيون مع الإنترنت وتنوع وسائل الغزو، وصدق الله: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، وعلى المؤسسات المجتمعية والقطاع الحكومي والخاص أن يتكاتفوا لدراسة ما ينتظرنا في قابل الأيام، والله المستعان.
سليمان العيدي