ربى الرياحي
عمان- ترغب دائما في الانكفاء داخل دائرة الحلم. تلك التي تشعرها بأنها الخيار الوحيد المتاح لها بدون أن تضطر إلى دفع الثمن مقدما. والتنازل عن كل ما تحاول التمسك به من أجل أن تبقى هناك، ترقب بشغف انتصارا طالما خططت له وسعت إليه مع قناعة كاملة بأنها فعليا قادرة على الإبحار به. والاستكانة داخل تفاصيل نسجتها بإحساس صادق مرهف. يقدر جيدا خصوصية الحلم ويعرف كيف يخضعه لشرعية تلزمه حتما بالمقاومة والبقاء تحت سلطة الأمل المحكومة بقوانين ترفض مطلقا الاستسلام لمخاوف غير مبررة في الغالب.
هي في الحلم، تشعر أنها تمارس هروبا مستديما من كل الملامح التي تدمن ظلم الآخر وتهميشه. من كل الوجوه التي تشرع إلغاءه وتجاوزه. واعتباره لا يستحق أن يبحث عن

أحلام تربطه بها ميراث مشترك. أن عليه فقط أن يمتزج مع تلك المفردات التي تفرض عليه قصرا من الآخر الذي يعتقد أنه الأصلح للتفكير والأكثر فهما لطرح آرائه. مثل هؤلاء لا يجرؤون على صياغة تجاربهم بأنفسهم بل يتركون القرار لمن يجيدون صناعة الحلم، وتغييب سطوة الواقع الموجع بعض الشيء.
تؤمن كثيرا بشرعية الحلم والإقامة داخل أسواره المشيدة بالإصرار ومقاومة شتى التغيرات التي قد تعصف بها بين حين وآخر. تبحث عن حياة أكثر إنسانية وأمان قادرة على احتضان أحلامها وأحلام الآخرين الذين شوهتهم القسوة وحرمتهم من أن يسترجعوا أحلامهم الهاربة بعيدا عنهم. وحتى تبقى أحلامها بمنأى عن غدر الآخر، ورغبته الملحة في الاستيلاء عليها، تفضل أن تخفيها عن كل الأعين الفضولية المتطفلة. تلك التي ترفض أن يتفوق عليها أحد أو أن يفكر مجرد التفكير باقتناء أحلام هي وحدها تمتلك مفاتيح تغيير الحياة من حوله. ورغم أنها تفقد الكثير من أحلامها المشروعة هناك على حدود الوهم، إلا أنها تبقى قادرة على تلمس ما تريده غداً. فمتعة الحلم الذي تعيشه تكمن في بقائه حاضرا داخل حياة متقلبة يصعب تصنيفها كحالة أو كتجربة أو كمرحلة ستنتهي بمجرد التعرض لأول اختبار حقيقي.
تتأزم الحياة من حولها حتى تكاد تغلق أبوابها كلها. قد يحدث ذلك لأنها تعجز عن التصدي للتناقضات الكثيرة التي تشعرها بأنها مهمشة أحيانا بفعل الآخر. وهي التي تأبى التمرد على ذلك الإحساس الذي قرر فعلا أن ينتزع منها أي رغبة من شأنها أن تحرض على الحلم. والانسجام مع ذلك الدفء الذي يحتل وعن جدارة كل مساحات أزمنة الألم. بقدرتها على الحلم تستطيع حتما أن تمنح حياتها الفارغة المريرة قليلا من الأمل. تستطيع أن تخلق من ضعفها قوة، تعينها على احتضان الضوء الذي يتيح لها رؤية الطريق جيدا، وملامسة حدود كان من الصعب الوصول إليها.
تلجأ إلى الحلم على اعتبار أنه سيحررها من واقعها الخاص المليء بالقسوة والطمع والارتياب. تلجأ إليه لعلها تتمكن من فتح جسور من العلاقات الإنسانية والثقافية تقوم على الجدل والتحاور واختراع منافذ جديدة تخرجها من سجن ثقافة الهامش وقصور الرؤية. وتدفعها إلى كسر الجمود الداخلي وإطلاق العنان لإرادتها التي أدمنت الرضوخ زمناً طويلاً.

JoomShaper